"إذاعة القرآن الكريم من القاهرة".. جملة يتردد صداها في أرجاء مصر والوطن العربي والإسلامي منذ 55 عاما، حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من الروتين اليومي لأغلب المصريين، ولا يعلم كثير من هؤلاء الهدف الرئيسي من إنشائها، وأنها رغم ما تحمله من عطر التلاوة، تحمل كذلك مشرطا عسكريا للغوص في عقول الجمهور لصالح من أنشأها وهو أبو الانقلاب العسكري جمال عبد الناصر.
وعلى غرار توجهاتها في عهد الطاغية عبد الناصر، تقوم الآن إذاعة القرآن الكريم بنفس الدور في خدمة انقلاب السفاح عبد الفتاح السيسي، حتى أن برنامجا صباحيا عتيقا مثل "بريد الإسلام" في حلقته، أمس الثلاثاء، وضع فيه الضابط المخابراتي المراقب والمخول بما يعرض ولا يعرض في الإذاعة سؤالا خبيثا جاء فيه: "ما حكم الدين في من يحتلون الأرصفة من أصحاب الأكشاك ويسرقون الكهرباء ويضيقون على المشاة؟ وتجاهل السؤال إذا كان هؤلاء الغلابة قد ضيق عليهم في ارزاقهم ويواجهون الموت جوعا هم وعوائلهم في ظل سياسة رفع الأسعار وإغلاق المصانع وتشريد العمال التي ينتهجها العسكر.
قُل يا صبري..!
أما فضيلة الشيخ المفتي فكان رده مشرعنا لسرقة العسكر وجعلها حلالا بينما يضيق على الغلابة ولا يمنحهم حقا في ثروات بلادهم المنهوبة، فجاء رد الدكتور صبري عبد الرؤوف موافقا لتوجهات عصابة الانقلاب، و أصدر حكمه وكأنه أحد قضاة الانقلاب والمتهم الغلابة، وقال: "هؤلاء مذنبون ويجب محاسبتهم، ومحاسبة من سمح لهم بذلك.. وهم على حالتهم هذه مخالفون للشرع، هم ومن سمح لهم".
ورغم أن الإذاعة أنشئت لهدف ديني واضح، فإن السياسة كانت حاضرة منذ أول يوم لها، وفقا لعميد كلية الإعلام السابق بجامعة السويس حسن علي، حيث استٌخدمت فكرة إنشاء الإذاعة للرد على من يرمون الطاغية عبد الناصر بالعداء للإسلام، خاصة الصحف السعودية التي كان اهتمامها ينصب الهجوم على التحالف بين أبو الانقلاب والاتحاد السوفيتي واتهامه بالتحالف مع من تصفهم بـ"الشيوعيين الملحدين" والتشكيك في مدى تدينه وموقفه من الدين الإسلامي بشكل عام.
هنا جاء رد عصابة الطاغية عبد الناصر على طغاة آل سعود الذين احتكروا الوصاية على الإسلام والتستر بخدمة الحرمين الشريفين، وأمر أبو الانقلاب بتأسيس أول محطة إذاعية مخصصة لبث القرآن الكريم التي بدأ إرسالها يوم 29 مارس 1964 بمدة إرسال قدرها 14 ساعة يوميا.
ورغم تعدد المحطات الإذاعية في مصر، ظلت إذاعة القرآن الكريم تسيطر على نصيب الأسد من حجم متابعي شبكات الإذاعة المصرية حيث يستمع إليها 84.2% من متابعي الراديو المصري، وفقا لتقرير أصدرته الإدارة المركزية لبحوث المستمعين والمشاهدين بالأمانة العامة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون عام 2015.
دور سياسي
ومع اندلاع ثورة 25 يناير 2011 بدأت إذاعة القرآن الكريم تلعب دورا سياسيا واضحا، حيث روّجت آنذاك لفكرة حرمة الخروج على الحاكم ممثلا في الطاغية مبارك، وبعد ذلك صعدت ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي، ثم جاء انقلاب السفاح السيسي وحثت المواطنين على عدم الانصياع لدعوات التظاهر في ذكرى الثورة، وجاء ذلك على لسان أحد مشايخ وزارة الأوقاف الذي قال إن "الاحتجاجات تتسبب في توقف عجلة الإنتاج وتعطيل مسيرة التنمية".
وعن كواليس ما حدث برر الإعلامي محمد عويضة الذي كان يرأس إذاعة القرآن الكريم حتى نهاية 2015، تطبيل الإذاعة الدائم والمستمر للعسكر بالزعم أن "الإذاعة لا تتخذ توجها سياسيا لتيار دون آخر لكنها تعمل بمثابة سيارة الإطفاء التي تحاول تهدئة النيران المشتعلة والموضوعات التي يجري تداولها عن مخاطر التعصب ودرء الفتن والمسؤولية السياسية، فإن كانت تلك هي السياسة فأهلا بها".
لكن الحقيقة أن إذاعة القرآن الكريم شهدت ما يشبه الانقلاب في دورها ورسالتها، حيث انضمت بعض برامجها إلى حملة التأييد والتبرير لسياسات السفاح السيسي الذي أجرت الإذاعة معه حوارا نادرا عام 2015 بمناسبة عيدها الحادي والخمسين، وهو صاحب العبارة الشهيرة " احنا أي حاجة مترضيش ربنا بنقف وراها وبندعمها ونساندها"، وهو ما أثار لغطا كبيرا، ورآه البعض خلطا واضحا للسياسة بالدين.
وخلال الحوار، طالب السفاح السيسي بالتصدي لما وصفها بـ"دعوات الغلو والتطرف وكافة الدعاوى المغلوطة والأفكار الهدامة"، وهو خطاب دأب على ترديده بشكل أثار حفيظة وشكوك القوى الإسلامية على وجه الخصوص.