صنع نظام الانقلاب العسكري من الزيادة السكانية أزمة لتبرير فشله في تحقيق أي إنجاز للمصريين، بغض النظر عن الإنشاءات التي لا تتفق مع أولويات الشعب المصري ولا حاجاته وموارده، وتحميل هذه الزيادة مسئولية هذا الفشل وتبرئة نفسه والظهورأمام الشعب بأنه يبذل جهودا ويحقق تقدما غير مسبوق فى كل شيء. ومن يتابع تصريحات رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وأركان حكومته ونظامه يشعر أن المصريين يعيشون فى جنات النعيم، لكن عند النظر إلى الواقع يجد كل ذلك كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
وفي الوقت الذى يقوم المطبلاتية بدور كبير فى خداع المصريين والزعم بأن السيسي يبنى مصر الجديدة ويحقق إنجازات غير مسبوقة وأنه سيجعل مصر "أد الدنيا بل وأكبر من كل الدنيا"، خرج السيسي وأذنابه يطالبون بتحديد النسل و"قطع خلف المصريين"؛ خضوعا لإملاءات الغرب وصندوق النقد الدولي، ويزعمون أن الزيادة السكانية تحول دون تقدم البلاد ونهضتها وتستنزف جهودهم، رغم أنهم هم الذين حولوا حياة المصريين إلى جحيم بفسادهم وسرقتهم ونهبهم للأموال وتبديدهم للموارد والثروات.
مزاعم السيسي تلقفها شيوخ العسكر الذين يصدرون الفتاوى ليس استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة، بل استنادا إلى هوى السلطان وتحقيق ما يريده وما يرضيه، وهم فى سبيل تحقيق هذا الهدف الخبيث يلوون أعناق النصوص ويخرجونها عن سياقها ويخلطون بين الدين والسياسة بل ويوجهون الدين لخدمة السياسة رغم أنهم هم الذين يتهمون الآخرين بتسيس الدين ويزعمون أنهم خوارج العصر.
كثرة غير المطلوبة
فى هذا السياق، سارعت دار إفتاء العسكر إلى إصدار فتوى لتبرير أكاذيب ومزاعم السيسي حول الزيادة السكانية، بل ودشنت حملة عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، بهاشتاج يحمل عنوان "تنظيم النسل_جائز"؛ ما دفع البعض إلى اتهامها بأنها تحرف الدين لمسايرة نظام الانقلاب الدموى الذي يخلط بين «تحديد النسل» و«تنظيم النسل».
وزعمت دار إفتاء العسكر أن الكثرة من غير قوة داخلة في الكثرة غير المطلوبة والتي هي كغثاء السيل، مشيرة إلى أن القول بمشروعية تنظيم النسل لا يجيز اللجوء للإجهاض بعد نفخ الروح بحجة أن الزوجين حاولا تنظيم النسل. وأضافت أن القائم بتنظيم النسل أو مؤيده ليس متدخلًا في قدر الله أو معترضًا عليه لأنه من باب الأخذ بالأسباب وفق تعبيرها.
مرتبة الضرورة
وزعم شوقى علام مفتي العسكر أن ترتيب الأمور أو أقسام المقاصد في الشريعة الإسلامية يكون على درجات مختلفة، فأعلاها مرتبة الضرورة والتي إذا لم يفعلها الإنسان يكون مُعرضًا للهلاك والدمار وزعزعة الأمن والاستقرار.
وقال علام فى تصريحات صحفية، إن هناك مرتبة أخرى أقل منها في الرتبة وهي مرتبة الحاجيات التي يكون الإنسان فيها في مشقة شديدة إذا لم يفعل أشياء معينة، ثم رتبة التحسينات وتشمل الأمور التحسينية أو الترفيهية، كمسألة تنظيم النسل قياسًا على مراد الصحابة في مسألة العزل، واستنادًا إلى أقوال أهل العلم، ووفقًا لترتيب المقاصد، فإذا كان التحسين جائزًا؛ فمن باب أولى أن يكون الضروري جائزًا، وهو ما ينطبق على مسألة تنظيم النسل بحسب تصريحاته.
ضرورة شرعية
وزعم محمد مختار جمعة، وزير أوقاف الانقلاب أن تنظيم النسل في واقعنا الراهن ضرورة شرعية، وأنه يدخل في عمق مفهوم الأخذ بالأسباب الشرعية. وقال وزير الأوقاف الانقلابى فى تصريحات صحفية، إن حكم تنظيم النسل ليس ثابتا؛ ففى الدول التى بها مساحات كبيرة وتحتاج نسل كثير ليس بالضرورة تنظيم النسل. وأضاف: "أما إذا كان فى دول بها أعداد كثيرة فهو ضرورة أن يطبق فى تلك الدول حفاظا عليها" وفق تعبيره.
تنظيم الأسرة
فى المقابل، قال الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، إن تنظيم الأسرة، حلال وليست هناك حرمة في هذا الأمر. وأشار شيخ الأزهر فى تصريحات صحفية، إلى أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" تحدث عن القضية السكانية فى وقت لم تكن فيه زيادة سكانية، وأجاز العزل بين الزوجين بالاتفاق فيما بينهما، موضحا أن تنظيم الأسرة جائز شريطة الاتفاق بين الرجل والمرأة. وشدد على ضرورة تكاتف المجتمع للقضاء على المفاهيم المغلوطة حول القضية السكانية لكى يستفيد الجميع من جهود التنمية وفق تعبيره. وأضاف شيخ الأزهر قائلا: "إن الزيادة السكانية عبء على موارد الدولة وانطلاقها للتنمية، مستنكرا الأصوات التى تعارض تنظيم الأسرة". بحسب تصريحاته.