خُلِقت الجيوشُ النظاميةُ مع فكرة إنشاء الدولة، ووُضعتْ لها فقرات فى دساتيرها تحدد مهامها وهى بالإجمال: تعزيز السياسات الداخلية والخارجية للدولة، بحماية مصالحها، والدفاع عن حدودها، ورعاية أمنها القومى.

وهى ليست على نمط واحد، بل تختلف من حيث تبعيتها ونوعية أفرادها وتسليحها وإمكاناتها. من ثَمَّ فإن لبعضها ميزانية تفوق ميزانية دولته، وله الحكمُ والأمرُ، وبعضها لا يعدو قوات رمزية ذات واجبات محدودة، بل إن عددًا من دول العالم ليس لها جيش.

وليس شرطًا أن تكون هناك مهددات كى تحتفظ الدولة بجيشها، بل المتبع أن يكون الجيش فى حالة جهوزية تامة توقعًا لأى طارئ ولئلا يُؤخذ على غرة، خصوصًا هذه الأيام التى تشابكت فيها المصالح وقلَّت الموارد وزادت القلاقل والمشكلات الدولية.

وفى بلاد العرب هناك جيش نظامى لكل دولة من دولها، تأسس غالبًا عقب الاستقلال، ومعظمها على نمط واحد، من حيث التحكُّم بالقرار السياسى للدولة، ولو من وراء ستار، ومن حيث العقيدة العلمانية التى ورثها من المحتل، ومن حيث انفراده بميزانية ضخمة غير خاضعة للرقابة الشعبية.

وقد خاضت هذه الجيوش حروبًا عدة، فى إفريقيا، وفى آسيا (مع إيران)، ومع الكيان الغاصب خسرت غالبيتها. وإلى وقت قريب كانت مجتمعة على عدو واحد قبل أن تعترف به وتطبِّع معه، فلم يعد بالنسبة لها عدوًّا، وإن ظل عدو الشعوب العربية والإسلامية كافة حتى تزول دولته. وقد رأينا فى الأحداث الأخيرة كيف وقفت هذه الجيوش موقف المتفرج، بل بادر بعضها بغلق الحدود أمام من أراد اللحاق بالمجاهدين وقام بسحل أبناء شعبه بمن فيهم النساء، ومنع البعض الآخر المظاهرات التى تندد بالعدوان على الأشقاء وتدمير منازلهم، بل قام باعتقال من رفع العلم الفلسطينى تضامنًا مع إخوانه المظلومين.

يدور حديث الآن حول جدوى هذه الجيوش التى قصرت يدها أمام العدو الدينى والتاريخى فلم تجرؤ حتى على كفِّه بقول (أعرض عن هذا)، فى حين تتولى جماعات محاصرة صد غاراته ولجم إجرامه، بل اكتفت بالفرجة على استشهاد المئات من أبناء القطاع بينهم عشرات الأطفال والنساء الذين قضوا قصفًا وحرقًا بآلة العدو. وفى حين حرَّكت هذه المشاهد المؤلمة شعوب العالم أجمع والأحرار فى كل مكان، لم يتحرك جيشٌ واحدٌ منها لنصرة إخوانه ولو بشطر طلقة!

وإذا كانت الشعوب تدفع من دمها لهذه الجيوش، أليس من حقها أن تضرب بسيفها وتنصر دينها وتعادى من يعاديها؟ أم أن الأمور صارت مقلوبة فلا قرار لشعب ولا رأى لأمة أمام رأى الجيش وقراره؟ إن هذا الوضع الشاذ نتائجه وخيمة على الجميع؛ لما ينتج عنه من إهدار مقدرات الأمن القومى وضياع هيبة وكرامة الأمة، فى حين لم يتخل العدو عن ثوابته، ولم يفرِّط فى أمنه القومى كما فعلنا، بالعكس فإن قادته يعلنون -بكل وضوح- آمالهم بتحقيق وعد كتابهم المحرَّف بتوسيع دولتهم من الفرات إلى النيل.

لقد وضعت المقاومة المحاصرة، التى تكالب عليها الجميع، الجيوش العربية، خصوصًا فى دول الطوق، فى موقف حرج أمام شعوبها، وعرَّت حقائق أُريد لها أن تظل طى الكتمان؛ ما يستدعى إعادة النظر فى التاريخ الذى كُتب على غير الحقيقة، وتبدلت فيه الأدوار فأُدين الشريف وبُرئ المحتال، ولا زالت الحوادث تلقى كل يوم بما كان غائبًا عن شعوبنا التى تجرعت -ولا تزال- المُرَّ جرَّاء هذه الأدوار البغيضة التى لعبها من كنا نظنهم أباة شرفاء.

ألا تذكِّر المشاهد الحالية بذلك المشهد الذى جرى يوم (14 فبراير 1949)؛ حيث صدرت أوامر حكومية بالتحفظ على مجاهدى الإخوان المسلمين فى حرب فلسطين، بعد سحب أسلحتهم وتجميعهم فى معسكرات خُصصت لهم بعد نهاية الحرب وإعلان الهدنة.. وبعد ما يقرب من شهر ونصف الشهر من التحفظ عليهم فى معسكر رفح سيقوا إلى معتقلى العريش والطور؛ ليبقوا فيهما أكثر من سبعة أشهر.. ولما بدأت الحكومة فى الإفراج عنهم عُوملوا بطريقة مهينة، فكان الواحد منهم يُلقى ليالى فى سجون الأقسام (كعب داير) ثم يُرسل إلى بلده فى قيوده.. وهم من كان آخر عهدهم بالجهاد استرداد (التبة 86) يوم 23 من ديسمبر 1948، التى فقدها الجيش المصرى فى وقت سابق، وقد وقع منهم يومها عدد كبير ما بين شهيد وجريح.

Facebook Comments