التحولات المصرية بشأن العلاقة مع قطاغ غزة المحاصر وفصائل المقاومة الفلسطينية لا تزال تثير كثيرا من الشكوك والتساؤلات حول الأهداف من هذه التحولات الكبرى، وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، في تقرير لها نشرته الأحد 13 يونيو 2021م فإن إدخال عشرات الجرافات والروافع والشاحنات المصرية إلى قطاع غزة قبل أيام دفعت بعض الفلسطينيين إلى التساؤل عن ما إذا كانت مصر تخطط لاستعادة القطاع الساحلي الذي كانت تحكمه ما بين 1948 و1967.

قرار نظام السيسي ــ وفقا لجيروزاليم بوست ــ إرسال معدات الإنشاء والمهندسين إلى قطاع غزة، جاء في سياق تعهد القاهرة بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار هناك بعد جولة القتال الأخيرة بين "إسرائيل" و"حماس"، حيث تعهد السيسي المصري بالمساهمة بخمسمائة مليون دولار.

تقرير الصحيفة الإسرائيلية ينقل عن مصادر فلسطينية أن وجود فرق الإنشاءات المصرية في قطاع غزة يعني أن "حماس" والفصائل الفلسطينية لن تكون قادرة على استئناف الهجمات الصاروخية على إسرائيل. وقال أحد هذه المصادر: "سوف يكون صعباً علي حماس البدء بجولة أخرى من القتال مع إسرائيل عندما يكون عدد كبير من المصريين متواجداً داخل قطاع غزة. وإذا ما بدأت حماس أو الجهاد الإسلامي بإطلاق الصواريخ على إسرائيل بينما تعمل فرق الإنشاءات المصرية داخل قطاع غزة، فسوف تتورط المجموعتان في مشكلة مع مصر".وحسبما تقوله تلك المصادر للصحيفة، فقد حذر المصريون زعيم "حماس" يحيى السنوار من مغبة البدء بجولة جديدة من القتال بينما تستمر القاهرة في جهودها للمساعدة في إعادة بناء قطاع غزة.

معنى ذلك أن الهدف من الوجود المصري هو غل يد المقاومة بثتبت التهدئة لأن إسرائيل غير قادرة حاليا على تحمل تبعات إطلاق الصواريخ من غزة في ظل حكومة جديدة بعد الإطاحة بنتنياهو.

ونقلت الصحيفة عن صحفي مخضرم يقيم في غزة قوله: "هناك الكثير من الشائعات التي تقول إن المصريين يخططون للعودة إلى قطاع غزة. والكثيرون هنا مقتنعون بأن أعمال الإنشاءات التي تتبناها مصر ما هي سوى جزء من خطة لتمهيد الطريق لتواجد مصري أمني دائم داخل قطاع غزة".

ويرى بعض المحللين السياسيين الفلسطينيين أن زيارة رئيس المخابرات، عباس كامل، إلى قطاع غزة تؤشر على أن مصر تنوي لعب دور رئيسي داخل القطاع الساحلي بشكل خاص وفي الساحة الفلسطينية بشكل عام. وقال أحد المحللين في تصريح لجيروزاليم بوست: "لا أعتقد أن مصر ترغب في العودة إلى الأيام التي كانت تدير فيها قطاع غزة. إلا أن قرار السيسي المساهمة في جهود إعادة الإعمار تثبت أنه يريد أن يكون مشاركاً بقوة في كل ما يتعلق بقطاع غزة". وقال المحلل إن العلاقات بين مصر و"حماس" تحسنت خلال السنوات القليلة الماضية.

خطة مخابراتية إقليمية

المواقف المصرية المشينة السافرة في انحيازها للاحتلال منذ انقلاب يوليو 2013م، أثبتت أنها تضر بمصالح إسرائيل على المستوىين المتوسط والبعيد؛ ذلك  أن رد الفعل على ذلك أفضى إلى تهميش كامل للدور المصري وتعاظم الأدوار القطرية والتركية والإيرانية. تجلى ذلك بوضوح في النصف الثاني من 2020م عندما استضافت تركيا جولة مصالحة فلسطينية بين قيادتي حركتي فتح وحماس؛ وهو ما أغضب نظام الجنرال السيسي كثيرا. لكن الأهم أن هذا الموقف دفع أجهزة مخابرات الاحتلال مناقشة الأمر مع المخابرات المصرية والإماراتية والأردنية والسعودية، وانتهى بهم الأمر إلى ضرورة تعزيز الموقف المصري في  غزة ليكون الوسيط المصري هم الأكثر أهمية وبروزا بما يخدم مصلحة الاحتلال من جهة ومصلحة تحالف الثورات المضادة من جهة ثانية.

أمام تراجع الدور المصري، ذهب تقدير موقف في أكتوبر 2020م، أعده عيران ليرمان، نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن، إلى ضرورة تحرك "إسرائيل" لتعزيز مكانة القاهرة أمام تعاظم الدورين  التركي والقطري في الملف الفلسطيني.  ورأي ليرمان، الذي شغل مساعد رئيس قسم السياسات الدولية بمجلس الأمن القومي، وتولى مسؤوليات عسكرية في الجيش الإسرائيلي طيلة 20 عاما، أن "هذه التدخلات الإقليمية في الساحة الفلسطينية الإسرائيلية تجعل المصلحة الإسرائيلية طويلة الأمد تذهب باتجاه تعميق مشاركة الدور المصري بهذه الأحداث، وضرورة التعاون بين تل أبيب والقاهرة؛ من أجل مستقبل البحر المتوسط، وحشد دعم واشنطن".

وبعد إقراره بالدور الوظيفي الخطير والمهم الذي يقوم به نظام السيسي لإسرائيل؛ والاعتراف بأن "المصلحة الإسرائيلية مع مصر تتعلق أساسا بالحفاظ على الهدوء في الجبهة الجنوبية مع قطاع غزة، وتعزيز الردع ضد حماس"، يذهب الباحث العبري إلى أن الفلسطينيين مطالبون بأن يدركوا أنه لا يوجد بديل لدور مصر، مؤكدا أن مكانة مصر في المنطقة مهمة لإسرائيل للكثير من الأسباب والاعتبارات". وطالب حكومة نتنياهو ببذل المزيد من الجهد ليس فقط للحفاظ على مكانة مصر، بل تعزيز حضورها كقوة مؤثرة في الساحتين الفلسطينية والإقليمية، وضرورة توظيف الدور المصري لخدمة الأمن القومي الإسرائيلي باعتبارها القادرة على لجم المقاومة من جهة وتطويع السلطة من جهة أخرى".

تجربة مغرية 

بحسب تقديرات الموقف داخل أجهزة المخابرات الإقليمية (إسرائيل ــ مصر ـ الإمارات ــ السعودية ــ الأردن) تساءلت لماذا لا يتولى السيسي مسئولية القطاع ولو بشكل مؤقت ليقوم بمهمة القضاء على حماس؟

وكانت خطة القرن الأمريكية في بعض سيناريوهاتها تشير إلى سيطرة السلطة على قطاع غزة أو أي جهة أخرى ترضى عنها "إسرائيل" بحسب نص الصفقة المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية؛ وهو ما يشير إلى وجود أو دراسة توجهات بضم قطاع غزة إلى مصر بحيث يتولى السيسي فعليا  القضاء على المقاومة الفلسطينية لحماية أمن الكيان الصهيوني على أن يتم إظهار السيسي بدور البطل الذي يوسع مساحة أرض مصر واستعادة قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري حتى هزيمة 5 يونيو 1967م.

في هذا السياق، سبق أن كشف الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، عن مقترحات غربية أُرسلت للرئيس الشهيد محمد مرسي بأن يضم غزة إلى مصر وتحل كل مشاكلها، شرط تحمله مسؤولية أي صاروخ ينطلق من القطاع، فرفض مرسي ورفضت حماس وانتهى الأمر.  وبحسب مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب فإن نظام السيسي يرغب من الإدارة الأمريكية أن تدرك صعوبة مهمة تكليف مصر بإدارة الملف الأمني في غزة والسيطرة على حركة "حماس" وتحجيم قوتها العسكرية، والتي سبق للسيسي محاولة إنجازها في صورة "المصالحة الفلسطينية" والتي شهدت انتكاسة كبرى في 2019م، وأن تسعى واشنطن لتأمين ودعم التحركات المصرية بمزيد من المساعدات المالية للقاهرة وغزة على السواء.

ولا يمكن تجاهل ما قام به نظام السيسي على طول الحدود مع غزة من تجريف وتهجير وهدم لجميع الأنفاق التي كانت تستخدم في عمليات تهريب السلاح والسلع للقطاع؛  كما أن تقارير عبرية تؤكد أن الهدف من العملية الشاملة في سيناء هو منح طيران الاحتلال فرصة ملاحقة عمليات التهريب؛ وبالطبع لا يهدف نظام الانقلاب في مصر من ذلك سوى إضعاف شوكة المقاومة وإجبارها على الانصياع أو التهديد بحرب ممتدة لا تستطيع فيها الصمود كما حدث في الحروب السابقة. وهو بذلك كان يقوم بدور مشبوه باستخدام العصا والجزرة من أجل تكريس المخططات الأمريكية الصهيونية في مصر والمنطقة.

ورغم اليقين الفلسطيني الكامل بأن الدور المصري في جوهره بالغ السلبية والانحياز للاحتلال؛ إلا أن حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية لا تملك خيارا أمام سطوة الدور المصري على قطاع غزة؛ وهو الدور الذي يطغى على أي دور إقليمي أو دولي آخر لاعتبارات تتعلق بسطوة الجغرافيا وليس لكفاءة الدبلوماسية المصرية أو الريادة المزعومة؛ فالقطاع المحاصر من الاحتلال والشقيقة مصر، لا يملك أي نافذة للتواصل مع العالم الخارجي إلا عبر معبر رفح الحدودي  مع مصر، لأن المعابر مع الاحتلال مخصصة لنقل البضائع أما معبر رفح فمخصص للأفراد وتواصل الفلسطينيين مع العالم الخارجي؛ وبالتالي فالقاهرة قادرة على خنق القطاع، وكثيرا ما تغلق السلطات في مصر المعبر أمام المرضي وكبار السن والنساء والأطفال، وحبسهم في القطاع؛ فلا يقدرون على العلاج أو الدراسة أو التواصل المباشر مع الأقارب في مصر والبلاد الأخرى.

Facebook Comments