فى زمن ادَّعى فيه مفتٍ سابق أن الصالحين «ريحتهم وحشة» مطالبًا بقتلهم إرضاء للسلطة التى يقف على أبوابها، ومفتٍ حالى يصدِّق على إعدام الأبرياء ويحل ما تحله السلطة ويحرِّم ما تحرِّم -خرج علينا مستشار هذه السلطة، الصاعد الواعد، يعطى «الإذن بالذكر» لمريديه المغفلين؛ ليجيز ما يفعله غلاة الصوفية الذين يشرِّعون فى الدين ما لم يأذن به الله.

فمن تخاريف المتصوفة قولهم: «الذكر إذا أُخذ بالإذن من الشيخ يكون أجره أعظم، وإذا لم يؤخذ الإذن من الشيخ يكون أجره أقل»، وهذا دجل وشعبذة لم يأت بهما كتابٌ ولا سنةٌ، ومجاف لعقيدة المسلمين التى ليس فيها طقوس النصارى ولا اليهود، ولا تعرف كهنوتًا ولا صكوك غفران ولا توبة عن طريق قس أو أسقف، فليس فى الإسلام وسيطٌ بين العبد وربه، والناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين طويل وقصير وعربى وعجمى وأبيض وأسود، ومدار الأمر على التقوى التى فى القلوب.

وأما العدد الذى ذكره الرجل (658) فهو خرافة لإفساد دين الناس، وإذا كان هو أذن لغيره بالذكر فمن يأذن له؟ ومن يأذن لمن أذن له؟ وأين تنتهى هذه الدائرة الكاذبة؟ ومثلها مثل ما يحدث فى الكنائس إلى أن نصل إلى «صاحب القداسة» الذى لا يُسأل عما يفعل ومن حقه أن يُحاسِب ولا يحَاسَب. وهذا ما عده العلماء من نواقض الإسلام؛ «لأن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم صار فعله كفعل عابدى الأصنام الذين قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى…) [الزمر: 3]».

وإذا كان صاحب هذه البدعة المنكرة ومن يؤيده فيها قاسوا «الإذن بالذكر» على «الإجازة»، التى تُعطى لحافظ القرآن، فهو قياس فاسد وتدليس جلىّ؛ إذ «الإجازة» شهادة، مثل كل الشهادات العلمية، كالتى تُعطى بعد نهاية العام الدراسى أو عقب اجتياز الدورات تفيد بأن صاحبها مؤهل للتدريس بها وتعليم غيره أو للانتقال إلى مستوى علمى أعلى بعدما اختُبر ووُجِدتْ فيه القدرة على الحفظ والفهم -خلاف «الإذن بالذكر» الذى هو أمر تعبدى أُمر به عموم المسلمين ولم يُختص به شيخٌ أو عالمٌ من دون الناس، فالذكر للجميع؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب: 41، 42]، (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة: 152]، وغيرها الكثير من الآيات.

عندما يقول هذا الرجل لإحدى متابعاته: «أذنت لك يا ابنتى بالذكر 658 مرة» فإنه يبتدع فى الشرع ويزيد عليه بعدما أتم الله الدين وأكمل النعمة؛ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…) [المائدة: 3]، وهو عين ما فعله مَنْ قبلنا ممن عصوا الرسل وحرّفوا الكتب وابتدعوا مما اقتضته أهواؤهم ونهانا الله عنه؛ إذ (شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ…) [الشورى: 21] فأحلوا الحرام وحرموا الحلال، وأشركوا هؤلاء المشرِّعين مع الله، عن «عدى بن حاتم»: (انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ فى سورة براءة: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ…، قلت يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه؟ ويحلُّون ما حرم الله فتحلُّونه؟ قال: قلت بلى، قال: فتلك عبادتهم).

إن منهاج الإسلام كله يحتويه الوحيان المباركان: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ…) [الأنعام: 38]، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدًا: كتاب الله وسنتى»، وليس فيهما مثل ما قال الرجل، وما جاء به ضلالة لم يدل عليها دليلٌ شرعىٌ واحد، وينطبق عليه ما ورد عن المعصوم ﷺ: «من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رَدٌّ»؛ أى مردود عليه، باطل لا يعتد به.

إن الإسلام طريقه واحدة، واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا عثرات؛ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام: 153]، ولا مجال فيها لمبتدع ولو كان حسن النية يبغى الكمال؛ لأن السير فيه سيرٌ على خطى الحبيب ﷺ، فمن شذَّ كان شذوذه عليه، كالرهط الذين نظروا إلى عبادته ﷺ فَتَقَالُّوها، أو مثل هذا الرجل الذى يزكى نفسه فيعطى الإذن بالذكر لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء، متناسيًا قول النبى ﷺ: «رب أشعث أغبر ذى طمرين تنبو عنه أعين الناس، لو أقسم على الله لأبره».

Facebook Comments