“ستاندرد آند بورز جلوبال” و(S&P Global) : انكماش نشاط القطاع غير النفطي في مصر بأسرع وتيرة منذ يناير 2023

- ‎فيتقارير

يشهد القطاع الخاص غير النفطي في مصر موجة انكماش جديدة تُعد الأسرع منذ يناير 2023، وفقاً لبيانات مؤشر مديري المشتريات الصادر عن "ستاندرد آند بورز جلوبال" ويعكس هذا التراجع ضغوطاً متراكمة من التضخم المرتفع، وضعف الطلب المحلي، وتداعيات التوترات الإقليمية التي أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

ويبدو أن استمرار المؤشر دون مستوى 50 نقطة للشهر السادس على التوالي، يشير إلى أن القطاع الخاص لا يزال بعيداً عن التعافي، وأن بيئة الأعمال تواجه تحديات هيكلية تتجاوز التقلبات الدورية المعتادة.

 

 

تقرير S&P Global أوضح أن الانكماش جاء نتيجة تراجع واضح في الإنتاج والطلبيات الجديدة، مع شكاوى واسعة من الشركات بشأن ضعف القوة الشرائية للمستهلكين وارتفاع أسعار المدخلات.

ورغم أن وتيرة التضخم في تكاليف الإنتاج بدأت تهدأ نسبياً مقارنة بالعام الماضي، فإن الشركات واصلت رفع أسعار البيع لحماية هوامش الربح، ما أدى إلى مزيد من الضغط على الطلب.

وفي المقابل، شهد التوظيف زيادة طفيفة للشهر الثاني على التوالي، لكنها زيادة محدودة لا تعكس تحولاً حقيقياً في دورة النشاط الاقتصادي.

حيث نما الاقتصاد بنسبة 5% خلال الفترة من يناير إلى مارس، متجاوزاً التوقعات، بدعم من أداء قوي للقطاعات غير النفطية، خاصة قناة السويس (+23.6%) والسياحة والبناء، رغم ضغوط التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.

مؤشر مديري المشتريات يتراجع

وشهد القطاع الخاص غير النفطي في مصر انكماشا بأسرع وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات خلال شهر أبريل، إذ إن الحرب الإقليمية أدت إلى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوياتها منذ أوائل عام 2023، وفقا لأحدث تقارير مؤشر مديري المشتريات (بي دي إف) التابع لمجموعة ستاندرد أند بورز جلوبال، وتراجع المؤشر الرئيسي بمقدار 1.4 نقطة ليسجل 46.6 نقطة، وينخفض بذلك للشهر الخامس على التوالي، ويظل دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، بعدما بلغ 48.0 نقطة في مارس.

وتراجع كل من حجم الإنتاج والطلبات الجديدة وحجم المشتريات والتوظيف. وكذلك طالت أوقات تسليم الموردين لأول مرة هذا العام، على خلفية نقص مستلزمات الإنتاج وتأخيرات الشحن بسبب الحرب.

وبعد أشهر من استيعاب ارتفاع تكاليف الوقود والمواد، رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع وتيرة لها منذ أغسطس 2024، وأدى ذلك إلى تراجع معدلات الطلب تراجعا ملحوظا وفوريا، فيما كان قطاعا التصنيع وتجارة الجملة والتجزئة هما الأكثر تضررا.

ضغوط تضخمية وتوترات إقليمية تعمّق الأزمة

 

ويرى ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في S&P Global Market Intelligence، أن الضغوط التضخمية المستمرة لا تزال العامل الأكثر تأثيراً في كبح الطلب المحلي، موضحاً أن الشركات المصرية تواجه بيئة تشغيل صعبة بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الجنيه وزيادة تكلفة الواردات.

ويشير أوين إلى أن التوترات الإقليمية في البحر الأحمر والخليج رفعت تكاليف الشحن والتأمين، ما أدى إلى زيادة تكاليف المدخلات على الشركات المصرية التي تعتمد بشكل كبير على المواد الخام المستوردة.

 

ويقول الخبير الاقتصادي هاني جنينة، في تصريحات لبلومبرغ الشرق: إن "القطاع الخاص المصري يعاني من حالة عدم يقين ممتدة مرتبطة بسعر الصرف وتكلفة التمويل وارتفاع أسعار الطاقة".

ويرى جنينة أن القطاع غير النفطي لا يزال بعيداً عن لعب دور قاطرة النمو، رغم تدفقات الاستثمار الأجنبي الأخيرة، لأن الشركات تتحرك في إطار من الحذر الشديد وتؤجل خطط التوسع والاستثمار.

ارتباط بإغلاق هرمز

أما الخبير الاقتصادي مدحت نافع، في تحليل لـBBC Arabic، فيربط بين أداء القطاع غير النفطي وبين التوترات الإقليمية في الخليج، موضحاً أن ارتفاع تكلفة الواردات بنسبة تتراوح بين 20% و40% لبعض السلع ينعكس مباشرة على القطاع الصناعي، ويضيف أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد تكلفة التأمين البحري، كلها عوامل تضغط على الشركات المصرية وتحد من قدرتها على الإنتاج والمنافسة.

 

وتشير تغطية وكالة رويترز إلى أن القطاع الخاص غير النفطي في مصر يواجه ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة التضخم وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف التمويل، وتؤكد الوكالة أن الشركات أصبحت أكثر حذراً في التوظيف والإنفاق، مع تراجع واضح في الاستثمار الخاص، ما يعكس ضعف الثقة في بيئة الأعمال الحالية.

ما الذي يعنيه هذا الانكماش للاقتصاد المصري؟

 

ويشير انكماش القطاع غير النفطي بهذه الوتيرة إلى أن القطاع الخاص لا يزال بعيداً عن لعب دوره الطبيعي كقوة دافعة للنمو الاقتصادي، ضعف الطلب المحلي وتآكل الدخل الحقيقي للمستهلكين بفعل التضخم يجعل الشركات تعمل في وضع دفاعي، حيث تقلل مشترياتها، وتخفض مخزوناتها، وتتباطأ في التوظيف، وتؤجل خطط التوسع. كما أن ارتفاع تكلفة التمويل وغياب الاستقرار في سعر الصرف يزيدان من حالة عدم اليقين، ويجعلان الاستثمار الخاص في أدنى مستوياته منذ سنوات.

 

ويرى محللون أن أي تحسن مستدام يتطلب خفضاً ملموساً في التضخم، واستقراراً في سعر الصرف، وتخفيفاً لحدة التوترات الإقليمية التي ترفع تكلفة التجارة والطاقة، كما يتطلب الأمر إصلاحات داخلية تعيد الثقة للقطاع الخاص، وتحد من عدم اليقين المرتبط بالسياسات الضريبية والرقابية، من دون ذلك، سيظل تحسن المؤشرات هشاً ومؤقتاً، بينما يبقى القطاع غير النفطي في حالة انكماش مزمن.