أعلنت رئاسة مجلس الأمن الدولي، يوم السبت 03 يوليو 2021م، عن عقد جلسة الخميس المقبل 8 يوليو، حول سد النهضة الإثيوبي بعد تلقيه طلب من مصر والسودان بسبب تعنت «أديس أبابا» في التوصل لاتفاق بشأن السد. ورغم هذه الخطوة التي يعتبرها نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي بديلة للخيار العسكري الذي جرى استبعادة بعد تصريحات "الخطوط الحمراء" الشهيرة التي أدلى بها السيسي في 31 مارس 2021م إلا أن هناك مؤشرات كثيرة تؤكد أن المحاولة ستبوء بالفشل.
البرهان على ذلك ما أدلى به نيكولا دو ريفيير، رئيس مجلس الأمن، الخميس الماضي في بيانه، حيث أوضح «لن يكون بمقدورنا حل مشكلة سد النهضة، لكن سندعو الدول الثلاث إلى الحضور وسنشجّعها على التفاوض». وأضاف البيان أن «المجلس ليس لديه الكثير للقيام به حيال أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى»، مُضيفًا أن كل يمكن فعله هو حث الأطراف المتنازعة على التعبير عن مخاوفهم واستئناف مسار المفاوضات لإيجاد حل»!.
معنى ذلك أن مجلس الأمن لا يملك حلا للأزمة إلا حث الأطراف على العودة إلى مائدة التفاوض، رغم أنهم قادرون على التفاوض مع بعضهم دون الحاجة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة لكن الأزمة أن مسار التفاوض ثبت أنه مسار عبثي لم يفض إلى شيء ولن يفضي إلى شيء على النحو الذي تدير به إثيوبيا التفاوض؛ وما تبديه من عناد وإصرار على فرض رؤيتها التي تضر بالأمن القومي لمصر والسودان على نحو بالغ الخطورة.
وكانت وزارة الخارجية بحكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قد أرسلت منذ أسبوع خطابا إلى مجلس الأمن الدولي تدعم فيه طلب السودان بعقد جلسة طارئة لمناقشة تداعيات أزمة سد النهضة والوصول لقرار أممي يضمن حلولًا سلمية لحقوق دولتي المصب، وهو ما رفضته إثيوبيا واعتبرته محاولة «تقويض عملية التفاوض برعاية الاتحاد الإفريقي بما ينسف الثقة بين الأطراف المتنازعة» بحسب الرسالة التي أرسلتها إلى مجلس الأمن.
وصرح وزير الموارد المائية والري، محمد عبد العاطي، الجمعة 02يوليو 2021م، بأن إثيوبيا تعمل على فرض الأمر الواقع عبر اتخاذ إجراءات أحادية متجاهلة دولتي المصب، وأكد عبدالعاطي على دعم مصر للتنمية الإثيوبية ولكن في إطار اتفاق قانوني عادل وملزم يحقق مصالح الجميع وهوما ترفضه إثيوبيا، وذلك خلال كلمته في المؤتمر الوزاري الذي تنظمه وزارة البيئة الألمانية ضمن تحضيرات مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة نصف العقد الخاص بالمياه.
وفشلت المفاوضات الثلاثية التي جرت بين كل من إثيوبيا والسودان ومصر، في أبريل الماضي، برعاية الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، في العاصمة الكونغولية كينشاسا، في تحقيق أي تقدم على صعيد الوصول لاتفاق قانوني ملزم حول آلية ملء وتشغيل السد وكذلك الملء الثاني والتي من المتوقع أن تقوم به إثيوبيا بصورة أحادية منتصف يوليو الجاري، وذلك في أعقاب عدة مفاوضات فاشلة أخرى على مدى العشر السنوات الماضية.
قواعد عسكرية وصفقات سلاح بلا قيمة!
في السياق، حضر سد النهضة بقوة في احتفال السيسي بافتتاح قاعدة 3 يوليو البحرية العسكرية السبت 2 يوليو 2021م، في غرب الساحل الشمالي المصري. فقد تحدث مقدم الاحتفالات العسكرية، العقيد ياسر وهبة عن "استعداد مصر للقتال إذا فُرض عليها"، وذلك للدفاع عن مقدراتها، مع الإشارة إلى قضية المياه وسد النهضة، مع تعثر استئناف المفاوضات للتوصل إلى اتفاق شامل وملزم بشأن السد. وألقى وهبة بعض الأبيات من قصيدة "مصر تتحدث عن نفسها" للشاعر حافظ إبراهيم، فبعد بيت "كم بغت دولة علي وجارت… ثم زالت وتلك عقبى التعدي"، قال: "أَمِنَ العدل أنهم يردون الماء صفواً… وأن يُكدَّرَ وِرْدي"، ثم أجاب "لا والله لن يكدر وردي"، في إشارة إلى أن القاهرة لن تفرط بحقوقها المائية. وتعتبر مصر الثالثة عالميا في استيراد السلاح وهي الصفقات التي وصلت إلى مليارات الدولارات لكنها تذهب إلى المخازن ولا تستخدم مطلقا في حماية الأمن القومي المصري هي فقط بهدف شرعنة النظام وتسويقه دوليا بين القوى الدولية المصدرة للسلاح!
وحضر الحفل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، الذي يقضي عطلة طويلة في مدينة العلمين المصرية حالياً بصحبة عدد من مساعديه، في زيارة فسّرتها مصادر حكومية على أنها "محاولة لتحسين العلاقات بالسيسي بعد توترها خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى العمل المشترك على تطوير العلاقات الثنائية والتنسيق في القضايا المشتركة. وكذلك لطرح حلول عاجلة لقضية سد النهضة، من بينها تأطير المبادرة الإماراتية السابق رفضها من مصر والسودان بشأن السد، وتقديم ضمانات عملية لقبول إثيوبيا بها كاملة، بما في ذلك العمل على التوصل إلى اتفاق ملزم".
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" اللندنية عن مصادر مطلعة بحكومة السيسي، أن الأمانة العامة للأمم المتحدة أعدّت بعض التقارير القانونية عن الموقف السياسي بين الدول الثلاث، على ضوء الخطابات والشكاوى الواردة منها، ومدى صلاحية نظر النزاع على ضوء ميثاق الأمم المتحدة والمواد التي تطلب مصر والسودان الاحتكام إليها من الميثاق، وعلى رأسها المواد من 33 إلى 35 والخاصة بتنبيه الأمم المتحدة لتفعيل دورها في حالة احتمال المساس بالسلم والأمن الدوليين. وانتهت الأمانة إلى أن الوضع الحالي بين الدول الثلاث لا يرقى إلى اعتباره نزاعاً منذراً بالاحتكاك حتى الآن، وأنه من الممكن حلّه بسبل الوساطة الدولية الطبيعية والاتفاق الثلاثي بين الأطراف.
وذكرت المصادر أن التقارير القانونية في الأمم المتحدة أكدت أيضاً عدم انطباق الفصل السابع من الميثاق على القضية، لأنّ مصر والسودان يتحدثان في الشكاوى عن الأضرار المحتمل حدوثها وليس الأضرار التي وقعت بالفعل، وهو ما تردّ عليه إثيوبيا في خطاباتها بصورة مستفيضة تنفي حدوث تلك الأضرار. وبالتالي، فلا يستطيع المجلس تفعيل العمل بمواد هذا الفصل، التي تمكنه من إصدار قرارات ملزمة بوقف العدوان أو الأعمال الضارة.
مشروع قرار جديد
واستطاعت إثيوبيا، مدعومة من الاتحاد الأفريقي ودول أعضاء بمجلس الأمن صيف العام الماضي، كالصين وجنوب أفريقيا، إبقاء النزاع محصوراً تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، بحجة أن المنظمات القارية هي الأجدر بنظر النزاعات الداخلية. لكن مصر تسعى، مدعومة من الولايات المتحدة والدول العربية، لطرح مشروع قرار يتضمن ثلاثة أقسام:
- الأول يؤكد دعوة كل من مصر وإثيوبيا والسودان إلى استئناف المفاوضات الفنية للتوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بشكل مستدام يضمن مصالح الجميع ويمنع إلحاق الضرر بأي طرف.
- القسم الثاني يتضمن دعوة الدول إلى الالتزام بمبادئ القانون الدولي في حماية الحقوق المائية لجميع الدول المشاطئة للنيل الأزرق وأن يكون الاتفاق منظماً لآلية دائمة لفض النزاعات التي قد تنشأ بين الأطراف.
- القسم الثالث، فيدعو جميع الأطراف – والمقصود بذلك إثيوبيا بالطبع – إلى عدم اتخاذ أي خطوات أحادية الجانب بشأن السد إلا بعد التوصل إلى اتفاق.
وحذرت المصادر من أن الاكتفاء بالرهان على تدخل مجلس الأمن في القضية سيتسبب في فشل جديد مماثل لما حدث العام الماضي، بفقدان الأوراق الدبلوماسية للضغط، والعودة للاكتفاء بالاتحاد الأفريقي غير المتعاطف مع مطالب مصر، وهو ما يتسبب في حالة من التشاؤم بين المفاوضين واللجان الفنية بوزارة الري المصرية، وكذلك بين المستشارين والخبراء الذين يعدّون تقارير الموقف المصري في الإطار القانوني، والذين باتوا متأكدين من أن "إثيوبيا ترغب بشتى السبل في التهرب من أمرين اثنين: أن يكون الاتفاق إلزامياً لها، وأن يتضمن الاتفاق بنداً ينظم فض المنازعات باللجوء للتحكيم الدولي أو الإقليمي.