في الذكرى 13 لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة (14 أغسطس 2013)، يظل السؤال الأبرز محفوراً في ذاكرة الدم والعدالة: من أصدر قرار المذبحة؟ ومن نفّذها؟ لا تقتصر الإجابة على تعبيرات فضفاضة مثل "الجيش والشرطة"، بل تستوجب تفكيك سلسلة القيادة السياسية والعسكرية والأمنية، وقراءة التقارير الحقوقية الدولية، والشهادات الميدانية المسربة، وكواليس الوساطات الدولية والسرية التي تم إجهاضها عمداً لصالح مسار الدم.
تؤكد الشهادات والتقارير أن قرار الفض لم يكن حدثاً عشوائياً، بل كان قراراً سيادياً ومقصوداً لتأسيس نظام جديد وإجهاض ثورة يناير فشهادة الدكتور محمد محسوب (وزير الشؤون القانونية بحكومة د. هشام قنديل) أكد أن الطرق كانت ممهدة بالكامل للوصول إلى تسوية سياسية وحل سلمي في نهاية يوليو وأوائل أغسطس 2013، إلا أن "شخصاً واحداً" منح الوعود لمن حوله بقبول الحل، بينما كان يرتب لمجزرة تغلق كل أفق لأي تسوية.
https://x.com/MohammedMAHSOOB/status/932631852283817984
وأشار الحقوقي والأكاديمي د.أسامة رشدي في قراءاته الموثقة إلى أن التحركات العسكرية والسياسية ارتبطت بتوجيهات وضغوط إقليمية ودولية (الإمارات، السعودية، وإسرائيل) لسحق الاعتصام وتثبيت الانقلاب العسكري، لافتًا إلى تفاصيل دقيقة حول التنسيق والمكالمات والضغوط التي سبقت المجزرة.
وتركزت تغريدته الأحدث على قراءة أعمق في الأبعاد التاريخية والتأسيسية للمجزرة وتداعياتها بعيدة المدى على الدولة المصرية.
وأكد أن رابعة لم تكن "فض اعتصام" خرج عن السيطرة، بل كانت جريمة تأسيس متعمدة ومقصودة لانتزاع السلطة وتوجيه ضربة قاصمة لثورة يناير وأحلامها (العيش، الحرية، العدالة الاجتماعية، الكرامة).
واستشهد بكتاب مدير مكتب نيويورك تايمز بالقاهرة آنذاك، مؤكداً أن المجزرة لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت هناك وساطات أمريكية وأوروبية لتسوية سياسية، بينما عملت قوى إقليمية (كالإمارات) على توفير الدعم المالي والسياسي لتثبيت الانقلاب.
واستند إلى بيان البرادعي في نوفمبر 2016 حول وجود حلول سياسية شبه متفق عليها واستقالته رفضا لقرار العنف.
واستعرض نتائج التحقيق الذي استمر عاماً، بأن خطة الفض وضعت مع إدراك السلطات لسقوط آلاف الضحايا، واصفاً القتل بأنه منهجي وواسع النطاق يرقى لجرائم ضد الإنسانية، ومقدراً قتلى رابعة بوحدها بما لا يقل عن 817 قتيلاً وربما تجاوز الألف بحسب ما نسب إلى تقرير(حسب الخطة)هيومن رايتس ووتش (2014):.
ولفت إلى أن المستهدف لم يكن رابعة وحدها، بل تلتها السجون، والاختفاء القسري، وإغلاق المجال العام، وملاحقة حتى من أيدوا الانقلاب في بدايته، بغرض القضاء التام على "روح يناير".
وأنه بعد 13 عامًا من حكم كمّم الأفواه وملأ السجون بخيرة أبناء مصر وبناتها، لا تزال رابعة شاهدة على من قتل وأمر وخطط وحرّض وبرر وموّل ووفر الغطاء السياسي للمجزرة، مضيفا؛ قد يطول الزمن، لكن الدماء لا تسقط بالتقادم، والجرائم ضد الإنسانية لا تمحوها السنوات.
https://x.com/OsamaRushdi/status/2087515372375126229
وسبق أن أشار "رشدي" في الذكرى السابعة (14 أغسطس 2020) إلى أن السيسي تعمد إراقة كل هذه الدماء؟ وأن فض الاعتصام لم يكن يتطلب كل تلك القوات والأسلحة والقناصة والطائرات، مقدراً أعداد الضحايا بـ أكثر من 2200 قتيل وعشرة آلاف مصاب، فضلاً عن استخدام الجرافات وحرق الجثث لإخفاء معالم الجريمة.
ودعا إلى تجاوز تقييم جدوى الاعتصام نفسه، لافتاً إلى المجازر التي سببته (أمام نادي الحرس الجمهوري يومي 6 و8 يوليو، وأمام المنصة يوم 27 يوليو 2013).
واتهم السيسي بتطبيق نصائح إقليمية بسحق المعتصمين لتعميق الانقسام بين قوى الثورة، مشيرا إلى تقارير صحفية (مثل وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز) حول اجتماعات قادة الجيش (ومنهم السيسي) بالمعارضة (البرادعي، عمرو موسى، حمدين صباحي)، وتحريض الإمارات للجيش على سحق الإخوان.
وذكر اتصالات السيسي المكثفة بوزير الدفاع الأمريكي الأسبق "شاك هاجيل"، وتلقي الأخير شكاوى من "إسرائيل" والسعودية والإمارات بشأن مرسي، ووصف محمد بن زايد للإخوان بالعنصر الأشد خطورة بالشرق الأوسط.
وأكد أن السيسي أبلغ "إسرائيل" بموعد الانقلاب قبلها بثلاثة أيام، وأكد أن التفاهمات بشأن إنهاء الاعتصام نجحت وغادر الوسطاء الدوليون مطمئنين، لكن السيسي تنصل منها وفاجأ الجميع باستخدام القوة.
وأوضح إلى بيان البرادعي الذي تضمن 13 نقطة (القطعة الخامسة تحديداً)، وبيّن فيه تفاجأه بالمنحى الدموي واستقالته يوم المجزرة لرفضه الحلول الأمنية رغم وجود حلول سياسية شبه متفق عليها.
وأشار إلى دور إدارة أوباما وضغوط محور الشر عليها، وتصريحات جون كيري في أغسطس 2013 التي بررت تدخل الجيش.
جريمة ضد الانسانية اقترفها جنرال خائن ومتآمر حالم بالسلطة وجد نفسه على بعد خطوة منها فاتفقت احلامه مع رعاته ممن اعتقدوا انهم بقتل الآلاف من خيرة ابناء #مصر سيئدون حلم الشعب المصري ببناء دولة مدنية والعيش والحرية والعدالة والكرامة في ثورة يناير2011وهو الحلم الذي لن يموت وعمد بالدم
https://x.com/OsamaRushdi/status/1294237255524024320
تفكيك المنظومة التنفيذية
وتكاملت أدوار أجهزة الدولة لتنفيذ الخطة:
فوزارة الداخلية حيث تولى قطاع الأمن المركزي، وقوات الأمن العام، والعمليات الخاصة، التنفيذ الميداني المباشر مستخدمة القوة المفرطة.
وشاركت القوات المسلحة بتأمين محيط الميدانين، ودعم الشرطة بالآليات المدرعة، وغلق المنافذ، تحت إشراف قيادة عسكرية سخرت إمكانيات الدولة لإنجاح المخطط.
وأكدت التحقيقات أن الأوامر صدرت بالتعامل الحاسم واستخدام الذخيرة الحية في مقتل، لتأمين السيطرة الكاملة وإخلاء الميدان.
"شهادة قاتل".. كواليس التنفيذ الميداني
في الشهادة الموثقة للكاتب الصحفي محمد طلبة رضوان (المنشورة في أغسطس 2015 تحت عنوان "مذبحة رابعة .. شهادة قاتل!")، يروي أحد الجنود تفاصيل مروعة.
ويروي الكاتب (Mohamed Tolba Radwan) على لسان المجند تلقي الأوامر الصارمة والصريحة بإطلاق النار المباشر (الضرب في المليان وفي الرأس أو القلب)، مقابل الوعود المعلنة عبر مكبرات الصوت بوجود ممرات آمنة، ومع الاقتراب من الميدان، تتكشف الصدمة الكبرى بأن المستهدفين ليسوا سوى أهالي وعوام عاديين (نساء، عجائز، شباب من مختلف الهيئات) وليسوا جماعات مسلحة كما رُوّج لهم.
وعن الصراع بين الأوامر العسكرية والإنسانية، عكس "رضوان" في هذا الجزء حالة التمزق النفسي التي عاشها المجند وزميله؛ فالأوامر تفرض الطاعة العمياء، بينما الضمير يرفض قتل الأبرياء الذين يشبهون أقاربهم ومعارفهم. ويتضح هذا الصراع جلياً في اتفاق الصديقين ضمنياً على التحايل على الأوامر بإطلاق الرصاص في الهواء (فوق الرأس أو تحت القدمين) لإخافة المتظاهرين وحثهم على الفرار دون إزهاق أرواحهم.
ويوضح الشاهد أنه طوال فترة الفض وانتظاره ظهور "المسلحين" أو "الخوارج" كما وصفهم القادة والمشايخ، لم يجد في دائرة تغطيته سوى مدنيين عزل، مشيراً إلى أن مشاهد السلاح التي عرضت لاحقاً لا تعكس حقيقة ما شاهره ميدانياً في دائرته.
وعند اكتشاف أمر الرفض وتصاعد التوتر الميداني، رصد القائد الميداني لرفض الجندي الالتزام بالتعليمات الدموية وتوبيخه المتكرر له وتهديده، وصولاً إلى الوشاية به من أحد الزملاء، مما وضع الجندي الرافض للقتل تحت رقابة صارمة ومباشرة من القيادة حرمته من الاستمرار في إطلاق النار الوهمي.
مقتل الصديق والانهيار النفسي، وتمثل هذه اللحظة ذروة المأساة في الشهادة؛ حيث قام الضابط بمراقبة الجندي بنفسه واكتشف إصراره على عدم القتل، فأطلق النار عليه مباشرة وأرداه قتيلاً أمام زملائه. وتحت تأثير صدمة مقتل الصديق والخوف الشديد، انهار الجندي نفسياً ووجه سلاحه نحو المعتصمين، باذلاً رصاصه في حصد الأرواح دون هوادة وبصورة هيستيرية.
ويختتم الكاتب محمد طلبة رضوان الشهادة بالتأكيد على صحة الواقعة ووجود شهود عيان أحياء، مبيناً أسباب احتفاظه بسرية مصدره حمايةً لما تبقى من حياته، مع الإشارة إلى أن النص نُشر لأول مرة في موقع "مباشر مصر" في أغسطس 2015.
https://www.facebook.com/574225887/posts/10155856174660888/
التوثيق الحقوقي الدولي وتقرير هيومن رايتس ووتش
خلص التقرير الشامل للمنظمة المعنون "حسب الهوى: تفحّص فض اعتصامي رابعة والنهضة" (الذي استمر التحقيق فيه عاماً كاملاً) إلى أن عمليات القتل كانت مخططاً لها مسبقاً، ومنهجية، وواسعة النطاق، وتستوجب المساءلة باعتبارها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
https://www.hrw.org/ar/report/2014/08/12/261942
ولم تتوقف تداعيات رابعة عند ذلك اليوم، بل مثلت نقطة التحول الكبرى في تاريخ مصر المعاصر؛ حيث تبعها إغلاق تام للمجال السياسي، وحملات اعتقالات واسعة النطاق، وإرساء قواعد نظام يعتمد على القبضة الأمنية المطلقة، محولاً حلم ثورة يناير الديمقراطي إلى واقع قمعي.
وتتكامل كافة الحلقات المذكورة في هذا التقرير (الشهادات السياسية، اعترافات الجنود، والتوثيق الحقوقي) لتؤكد أن مذبحة رابعة لم تكن مجرد مواجهة أمنية عابرة، بل كانت جريمة سياسية وتأسيسية متكاملة الأركان. تبقى الحقيقة راسخة بأن دماء الضحايا لا تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة وإنصاف الضحايا سيظل قائماً مهما طال الزمن.