“رابعة” مذبحة لم تنته.. 13 سنة من ترسيخ القبضة الأمنية وتجفيف المجال العام

- ‎فيتقارير

من رحم مذبحة رابعة العدوية، انحدرت مصر نحو سلسلة متلاحقة من التحولات الهيكلية التي طالت كل مفاصل الدولة والمجتمع؛ بدءاً من حملات الاعتقالات الجماعية وإصدار أحكام الإعدام، مروراً بالإغلاق التام للمجال العام وتدجين الإعلام وسحق المعارضة، وصولاً إلى توسع غير مسبوق في نفوذ الأجهزة الأمنية حتى بات الخوف أداة حكم قائمة بذاتها.

لم تكن أحداث 14 أغسطس 2013 مجرد محطة دامية في تاريخ مصر الحديث، بل شكلت نقطة تحول كبرى ونقطة انطلاق لزلازل سياسية واجتماعية أعادت تشكيل المشهد برمته.

ففي الذكرى توثق تقارير دولية، أبرزها صادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، أن رابعة كانت الشرارة الأولى لحملة قمع واسعة استهدفت كل أصوات المنتقدين، في وقت غابت فيه أي مساءلة أو محاسبة لأي مسؤول عن تلك الدماء طوال عشر سنوات كاملة.

قمع لا ينتهي ..مذبحة مستدامة

في الذكرى الثالثة عشرة لمذبحة رابعة، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز لحظة الحدث الدموي إلى مآلات الدولة والمجتمع: كيف تحولت رابعة من "مذبحة" إلى "نظام حكم" مستدام؟ للإجابة على هذا السؤال، لا يمكن الاكتفاء بالوصف، بل يجب استنطاق الرؤى النقدية التي قدمها مفكرون من مشارب فكرية متنوعة.

إن التساؤل الذي يطرحه المتابعون – سواء كانوا من المنتمين للتيار الإسلامي، أو من المفكرين المستقلين كالمفكر المسيحي د. رفيق حبيب، أو من القوى اليسارية كـ "الاشتراكيين الثوريين" – يتقاطع عند نقطة مركزية: هل كانت المذبحة مجرد أداة لفض اعتصام، أم كانت "إعادة هندسة" شاملة للهوية السياسية المصرية؟
 

الإجابات المتقاطعة تشير إلى أن رابعة مثلت "الميلاد الدموي لنظام الثورة المضادة". حيث يرى المفكر رفيق حبيب أن المعركة تحولت من "صراع حدودي" على السلطة إلى "صراع وجودي" كلي. وفي الوقت نفسه، يفكك "الاشتراكيون الثوريون" طبيعة هذا النظام القائم على سحق ثقافة الاحتجاج، بينما يربط "نون بوست" بين هذه المذبحة وبين هوس الأنظمة الديكتاتورية بالتطهير الجماعي، ويحذر الكاتب محمد إلهامي من أن تناسي هذه الدماء هو خيانة لجوهر المعركة الوجودية. هذه الرؤى مجتمعة تشكل خريطة طريق لفهم لماذا تظل "المذبحة لم تنتهِ" بعد عقد كامل.

قراءة هيكلية للثورة المضادة

وسجل الاشتراكيون الثوريون @RevSocMe   
"10 ملاحظات حول المذبحة وآثارها" ومثل بيان الاشتراكيين الثوريين الصادر في 2018 قراءة راديكالية ترى في 14 أغسطس 2013 "الميلاد الدموي" للنظام الحالي.

يؤكد البيان أن الهدف لم يكن فض اعتصام، بل تدمير "ثقافة الاحتجاج" التي أفرزتها ثورة يناير، من منظورهم، تمثل المذبحة رسالة للطبقة الحاكمة (الجيش، القضاء، رجال الأعمال) بأن سحق أي معارضة هو السبيل الوحيد لبقاء امتيازاتهم، يوجه البيان نقداً ذاتياً وتاريخياً لكل القوى التي هللت للمذبحة، مؤكداً أن القمع المنهجي الذي أعقب رابعة لم يكن استثناءً، بل قاعدة لإدارة الدولة.

إن "أفق المقاومة" في هذا النص لا يعتمد على الصدامات العسكرية، بل على استعادة المساحات الديمقراطية والعمالية التي أُجهضت منذ ذلك التاريخ.

ويعتبر البيان أن مذبحة رابعة والنهضة هي نقطة تحول خطيرة ومفصلية دشنَت "عهد الظلام والخوف" الذي تعيشه مصر، وأنها لم تكن مجرد عملية فض لاعتصام، بل كانت استهدافًا مباشرًا للتهديد الذي مثلته ثورة يناير 2011 على مصالح الطبقة الحاكمة بأكملها (جيش، أمن، قضاء، رجال أعمال، وإعلام).

ويوضح أن الهدف الرئيسي من ذلك العنف الوحشي لم يكن مجرد إنهاء الاعتصامات، بل بث الرعب لإجهاض وكسر أي مقاومة سياسية واجتماعية، ووجه رسالة دموية للشعب بأسره إما قبول الانقلاب أو مواجهة آلة القتل العسكرية.

ويوزع البيان نقدًا قاسيًا ومسؤولية سياسية لا تطال الجيش والشرطة فحسب، بل تشمل كل من فهلل وفوض للسيسي (من مثقفين، وكتاب، وإعلاميين، وسياسيين من الأحزاب القومية والليبرالية، وحتى القوى اليسارية التي بررت المذبحة بحجة محاربة الإرهاب)، كما لا يبرئ قيادات الإخوان المسلمين من أخطائهم السياسية والتحالفات السابقة التي مهدت للمشهد.

ويختتم البيان بالتأكيد على أن الحكم بالقمع والقتل وحدهما لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل، وأن إسقاط النظام واستعادة الفضاءات الديمقراطية المسلوبة (كالنقابات العمالية والمهنية والجامعات والأحزاب) يستلزم بالضرورة إعادة بناء المقاومة الديمقراطية والاجتماعية من جديد.
 

https://x.com/RevSocMe/status/1823712699324186694

ويوسع البيان دائرة النقد ليشمل توزيع المسؤولية السياسية والتاريخية على كل من برر المذبحة أو هلل لها، بما في ذلك القوى التي فرطت في المبادئ الديمقراطية، ليختتم بالتأكيد على أن القمع وحده لا يمكن أن يستمر طويلًا، وأن الخروج من هذا المأزق يتطلب بالضرورة إعادة بناء المقاومة الديمقراطية والاجتماعية واستعادة المساحات المحاصرة من نقابات وأحزاب وحركات معارضة.

الذاكرة واستنهاض الوعي
 

ورأي الكاتب المهندس محمد إلهامي  @melhamy  دروسا كُتِبت بالأرواح والدماء.. الخائن وحده من ينساها يقدم مقاربة عاطفية وتاريخية حادة، حيث يرى أن "العشرية السوداء" التي تلت رابعة هي النتيجة الحتمية لآلة القمع.

وبالنسبة له، رابعة هي "الفارقة" التي كشفت حقيقة "أهل الشر" ليس في مصر فقط بل عالمياً. يشدد إلهامي على أن نسيان هذه الدماء هو استسلام للطغيان، وأن التاريخ سيحاسب الجميع، مؤكداً أن "ما قبل رابعة لن يكون كالذي بعدها"، في إشارة إلى تحول طبيعة الدولة إلى كيان يعادي مواطنيه بشكل وجودي.

يربط إلهامي بين العنف المادي (المذبحة) وبين العنف الاقتصادي والاجتماعي (فقر وبؤس أهل مصر).

ويقول: "وها هي آلة الشر والقتل، التي يسمونها "الدولة"، قد قبضت على كل البلد وكتمت أنفاس الجميع وتدفقت عليها أموال الطغاة المجرمين في الخليج وغيرهم، فلم يزدد أهل مصر إلا فقرا وبؤسا وقهرا ومصائب".

 

هوس السلطة والدولة كتهديد

وعن "مذبحة رابعة وسابقاتها، هكذا تصبح الدولة التهديد الأول لمواطنيها" سجل موقع نون بوست @NoonPost في تقرير تحليلي معمق، يسقط "نون بوست" تجارب تاريخية (مثل إندونيسيا والصين) على الحالة المصرية، التقرير يشير بوضوح إلى أن عبد الفتاح السيسي وفر الحصانة للمنفذين لضمان ولاء الأجهزة الأمنية.

النتيجة هي "مجتمع بلا حواجز"، حيث تلاشت مؤسسات المجتمع المدني لصالح السيطرة الأمنية المطلقة، يخلص التقرير إلى أن "هوس السلطة" لدى المستبدين يجعل الدولة تتحول من حامٍ للمواطن إلى التهديد الأول لأمنه، وذلك كأداة سياسية لتثبيت الحكم مهما كانت التكلفة البشرية.

ويوضح النص أن مصر تُدار اليوم في ظل مجتمع بلا حواجز؛ أحزاب معارضة مشلولة، برلمان صوري بلا سلطة حقيقية، وغياب للمؤسسات المدنية، لصالح سيطرة مباشرة وحكم يومي تفرضه الأجهزة الأمنية (الجيش، الشرطة، والمخابرات العامة).

ويناقش التقرير لماذا تنقلب الأنظمة الديكتاتورية ضد شعوبها، مستعرضًا إحصاءات تاريخية تؤكد أن عدد القتلى على أيدي حكوماتهم ودولهم عبر التاريخ (مثل التجارب الديكتاتورية في إندونيسيا، الصين، كمبوديا، وغيرها) يفوق أضعاف ضحايا الحروب الدولية والمحلية.

ويخلص التقرير إلى أن الهدف الاستراتيجي الأبرز للحكام المستبدين هو "البقاء في السلطة بأي ثمن"، مستخدمين انعدام الأمن والعنف والقمع كأداة سياسية لتثبيت أركان حكمهم، بغض النظر عن تدمير مجتمعاتهم، مع التأكيد في النهاية على أن الطغاة مهما طغت سطوتهم ينتهي بهم المطاف لمواجهة مصيرهم المحتوم.

https://t.co/xuItPHyDO7

المعركة الوجودية

ويُعد تحليل د. رفيق حبيب الإطار الناظم لكل ما سبق؛ فهو يجادل بأن رابعة نقلت المجتمع المصري من مرحلة "التدافع السياسي" (التحول الديمقراطي) إلى مرحلة "الاشتباك الوجودي"، يقول حبيب: «حلف الانقلاب اختار الانقلاب الخشن، بل واختار تحويل المعركة إلى معركة وجودية».

وهذا التحول يعني أن كل الأطراف أصبحت أمام معادلة صفرية: إما الهزيمة الشاملة أو الانتصار الشامل. يرى حبيب أن الدولة بعد رابعة توقفت عن كونها مؤسسة لإدارة التنوع، وتحولت إلى كيان عسكري يحمي بقاءه عبر إقصاء الآخر تماماً.

وفي مقال بعنوان "مذبحة غيرت المعركة، كيف أصبحت وجودية.؟" ضمن ملف تحولات الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي،  يقول حبيب إن هذا الاختيار الدموي تورطت فيه المؤسسات ليدفع بالبلاد نحو مسار أمني بحت.

وأنه توسعت الاعتقالات الجماعية وأحكام الإعدام كأداة لاجتثاث الخصوم وأُغلق المجال العام بالكامل، وتراجع العمل السياسي والنقابي ليحل محله الصوت الأحادي وتضخمت صلاحيات وتغلغل الأجهزة الأمنية في كل مفاصل الدولة والمجتمع.

ويوضح د. رفيق حبيب ببراعة الفارق الجوهري بين المرحلتين قائلاً: "التحول الأهم بعد مذابح رابعة والنهضة وغيرها، أن معركة الثورة تحولت من معركة تحول ديمقراطي، إلى معركة تغيير، والفرق بين المعركتين كبير".

في معركة التحول الديمقراطي، كان التدافع يتم تدريجيًا عبر قواعد السياسة والتفاوض.

وأما بعد المذابح وفي معركة التغيير، فقد فُرضت معادلة «الانتصار أو الهزيمة الشاملة»، حيث أُجبر الحراك الثوري والمجتمع بأسره على الدخول في أتون صراع وجودي غيّر طبيعة النظام السياسي والدولة العميقة من مؤسسات تدير التنوع إلى كيانات تحمي نفوذها عبر العسكرة المطلقة.

وإن تتبع مسار ما بعد 14 أغسطس يؤكد أن "المذبحة لم تنتهِ"، لأنها لم تكن حدثًا تاريخيًا منفصلاً، بل دشنَت نظام حكم مستدامًا يقوم على الرفض التام لأي شراكة أو تداول حقيقي للسلطة، مجسدةً بامتياز تلك المعركة الوجودية التي دفع فيها المجتمع المصري – وما زال – أثمانًا باهظة في حريته وهويته ومجاله العام.

 

https://rafikhabib.com/2015/08/