مذابح ميادين رابعة والنهضة “فزاعة” للخوف .. مراقبون: بالرصاص الحي صنع العسكر الردع النفسي

- ‎فيتقارير

 

من دماء الميادين إلى اقتصاد الرهبة

يبرز تساؤل مُلحّ حول السر الكامن خلف إصرار السلطة على إعادة تدوير "فزاعة الإخوان" وربط ذلك بشكل دائم، بمجازر الميادين في رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013، وما تلاها من مجازر دامية في الفتح والحرس الجمهوري والمنصة والسبع عمارات وميادين مصر.

وفي هذا السياق، يشير الأكاديمي والباحث د. سعيد إسماعيل في متابعته المؤرخة في 1 يوليو 2025 إلى غرابة استمرار الاعتماد على هذه الأدوات التخويفية رغم قسوة الضربات التي تلقتها قوى المعارضة على مدار السنوات.

 

ويتقاطع هذا الطرح مع ما رصده حساب "صدى الشارع" في 8 مايو 2025، حيث سخر بمرارة من المفارقة المعتادة في الخطاب الرسمي قائلاً: "بعد كل كارثة يعملها السيسي يطلعلك فزاعة الإخوان، الناس جعانة؟ الإخوان! البلد بتتباع؟ الإخوان! تيران وصنافير راحت؟! الجنيه وقع؟! القروض خنقتنا؟! .. برضه الإخوان!".

مؤكداً أن السلطة تعتمد حرفياً على كتالوج يقوم على الخوف، القمع، والكذب لضمان استمرار بقائها منفردة على سدة الحكم.

 

من هنا تنبثق الإشكالية الكبرى التي ترسم ملامح هذا التقرير: هل استخدمت السلطة مشاهد الدم المروعة في رابعة والنهضة لترسيخ معادلة "إما السيسي وإما الفوضى؟" وكيف تحولت المذبحـة من حدث سياسي عابر إلى أداة ردع نفسي شاملة أخضعت المجتمع بأسره؟

الإخوان كتهديد وجودي

 

في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، انخرطت المنظومة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية في صياغة خطاب تعبوي غير مسبوق، تمحور هذا الخطاب حول تصوير جماعة الإخوان المسلمين ليس فقط كخصم سياسي محتمل، بل كـ "تهديد وجودي" يتربص بكيان الدولة ومؤسساتها العريقة.

 

وتم إسقاط صفة الوطنية عن المعارضة بالكامل، وجرى توظيف لقطات العنف الفردية لتعميمها على كافة الحركات الاحتجاجية، بغض النظر عن توجهاتها الفكرية أو السياسية، لتصبح تهمة "التخريب" جاهزة لكل صوت مخالف.

ولم يعد الخطاب الإعلامي والأمني يفرق بعد تلك المحطة بين المعارضة السلمية والمواجهة المسلحة؛ بل تم دمج كل أشكال الاعتراض والتظاهر في سلة واحدة تحت مسمى "الإرهاب".

وهذا الربط الممنهج أتاح للسلطة غطاءً واسعاً لتجريم أي فعل احتجاجي أو مطلبي، معتبرة أن أي صوت منتقد هو بالضرورة شريك أو داعم للعنف. وبمرور الوقت، تم إجبار الجميع على الاختيار الحاسم بين الولاء المطلق للسلطة أو التورط المفترض في الإرهاب.

تخويف المصريين من تكرار سيناريو "رابعة"

 

شكلت أحداث الرابع عشر من أغسطس صدمة نفسية عميقة في الوعي الجمعي المصري، وقد عمدت الآلة الإعلامية والأمنية إلى إبقاء شبح "رابعة" حاضراً وماثلاً في الأذهان، عبر التلويح الدائم بأن أي محاولة للاحتجاج أو المطالبة بالحقوق ستؤدي حتماً إلى حرب أهلية أو انهيار شامل على غرار ما تشهده الدول المجاورة، وبذلك، تحولت "رابعة" من مجرد ذكرى لمأساة إنسانية إلى "فزاعة" وزخات من الترهيب اليومي الموجه ضد الشارع.

ولم تكتف السلطة بالسيطرة المادية على المجال العام وإغلاق الميادين، بل امتدت لتسيطر على المخيال النفسي للمواطنين، تحولت المذبحة الكبرى إلى أداة ردع عميقة، تنغرس في وجدان الفرد وتستبق أي تفكير في الفعل الاحتجاجي، أصبح الخوف ليس شعوراً عارضاً، بل أداة حكم ناجعة تُدار بها الدولة، ويُعاد من خلالها إنتاج الطاعة والامتثال دون الحاجة لاستخدام مفرط للقوة في كل مرة.

وعلى مدار العقد التالي لعام 2013، نجحت السلطة إلى حد بعيد في نقل الردع من مستوى السلوك الخارجي إلى مستوى الوعي الداخلي؛ فلم يعد المواطن العادي يخشى البطش الأمني فحسب، بل بات يخشى مجرد التفكير في الاحتجاج أو التعبير عن السخط الاقتصادي والاجتماعي المتصاعد نتيجة الغلاء والديون.

ولم يكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بعد 14 أغسطس هو: كم شخصاً قُتل في رابعة؟ بل كان السؤال الأعمق والأكثر تأثيرًا: كم شخصاً آخر جرى إخضاعه، وكسر إرادته، وتدجين وعيه بالخوف بعد رابعة؟

التناقضات ودوافع الاستدعاء الجديد

 

في مقال منشور عبر منصة فيسبوك وتحت عنوان يناقش استدعاء فزاعة الإخوان، يسير الكاتب الصحفي قطب العربي تماماً في نفس الإطار التحليلي، ولكنه يذهب إلى أبعد من ذلك ليقدم قراءة نقدية لأسباب هذا الاستدعاء المتجدد ودوافعه.

ويشير الكاتب إلى التناقض المبدئي في خطاب السلطة؛ فهي من جهة تدعي أنها قضت على الإخوان تماماً واستأصلتهم منذ 2013، ومن جهة أخرى تعود لاستدعائهم عبر الآلة الإعلامية، مما يكشف أن الجماعة لا تزال تمثل "كابوساً" وهاجساً حقيقياً للنظام.

ويربط الكاتب الحملة الجديدة بعاملين بارزين: تداعيات معركة "طوفان الأقصى" وفشل الاحتلال في سحق المقاومة، ورغبة النظام في التغطية على الأزمات المعيشية الطاحنة كأزمة انقطاع الكهرباء وانهيار الجنيه وتفريط السلطة في الأصول والديون.

ويوضح المقال أن إعادة تدوير الفزاعة تتم عبر فبركة الوقائع وإحضار شخصيات منتقاة (مثل بعض المنشقين أو قيادات سياسية ودينية) لتكرار سرديات قديمة كـ "الأخونة" لإثارة الرعب وإعادة شحن الشارع.

ويؤكد الكاتب أن هذه الفزاعة "لم تعد تنطلي على أحد اليوم" بفضل ارتفاع الوعي الشعبي وإدراك المواطنين لمسؤولية النظام المباشرة عن الأزمات.

https://web.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0yboQhrZBEPCWogWvP2dbBC97LTjBbbTFqCVLVi4UKbf2RqbsQT9ET87TPx3QhEZNl&id=100063580984846&_rdc=1&_rdr

سيناريو الانهيار وعزلة السلطة في العاصمة الإدارية

 

في المقابل، يقدم الكاتب ممدوح المنير رؤية استباقية وكاريكاتورية سوداء لسيناريو انهيار الدولة المصرية واقتصادها، مسلطاً الضوء على الفجوة الساحقة بين السلطة الحاكمة، والمعارضة في الخارج، والمواطن البسيط المتروك لمصيره.

ويعكس وصف الكاتب لانتقال السلطة إلى العاصمة الإدارية المحصنة في الصحراء بعيداً عن القاهرة النتيجة النهائية لسياسة "الخوف كأداة حكم"؛ فالسلطة التي أرعبت الشارع وأغلقت الميادين، تعزل نفسها مسبقاً خوفاً من غضبة جياعه ومحتملة.

وعن استمرار شماعة "قوى الشر"، يوضح المقال بساخرة سوداء كيف أن النظام، حتى في حال انهيار الدولة وإفلاسها، لن يتخلى عن خطابه المعتاد في تعليق شماعة الفشل والخراب على "قوى الشر" والإرهاب.

ويتنقد قطيعة المعارضة الخارجية، حيث وجه نقداً لاذعاً ومؤلماً للمعارضة في الخارج واكتفاءهم بترديد شعارات "الثبات والصمود" عبر الشاشات والهواتف، بعيداً عن معاناة المواطن الحقيقية على الأرض.

ويلخص المشهد الختامي للمقال (اقتحام منزل واعتقال أب وزوجته بتهمة أكل "البلح") أقصى درجات إرهاب الدولة، حيث تتحول أبسط مقومات البقاء الإنساني إلى جريمة.

https://web.facebook.com/photo/?fbid=10214790462627056&set=a.3448652186956&_rdc=1&_rdr
دلالات طوفان الأقصى وتحولات الوعي الجمعي

 

في سياق متصل، يعبر الكاتب شريف حشاد في منشور له بتاريخ 16 يناير 2025 عن رؤية روحية وسياسية لما بعد الصدمة الكبرى، مؤكداً أن الأحداث الكبرى كفض رابعة ومعركة طوفان الأقصى قد أفرزت فرزاً حقيقياً للمواقف، ويشير إلى أن الأمة التي عانت من التائه في دروب التفاهات المصطنعة وجدت بوصلتها ورمزها، لافتة إلى أن من كانوا في الأنفاق باتوا على الأعناق، غير مبالين بمن خذل أو طعن، في إشارة إلى تحول الوعي الشعبي نحو تبني خيار المقاومة كبديل لخطاب الاستسلام والهوان.

وتؤكد مختلف القراءات والمقالات التي واكبت العقد التالي لعام 2013، بدءاً من تفكيك هندسة الخوف وصولاً إلى قراءات قطب العربي وممدوح المنير، أن "رابعة" وما بعدها لم تكن مجرد أحداث أمنية انتهت آثارها المادية، بل أفرزت عقيدة أمنية متكاملة تعتمد على "الخوف كأداة حكم". ومع ذلك، ورغم التوظيف المستمر لفزاعة الإخوان والتنكيل المنهجي بالمعارضة، يظل السؤال المعلق في الشارع المصري: إلى متى سيبقى جدار الخوف قادراً على كبح جماح أزمة معيشية واقتصادية تكاد تطبق على أنفاس الجميع؟