يعاني الاقتصاد التونسي من عدة مشاكل مزمنة أبرزها: العجز في الميزان التجاري، والعجز في ميزان المعاملات الجارية، والعجز المزمن في الموازنة، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة الاقتراض الخارجي والداخلي، مما أسفر عن ارتفاع معدلات البطالة خاصة بين الشباب والمرأة، وبين المتعلمين وفي المحافظات الجنوبية وولايات الوسط، وزيادة معدلات الفقر.

وتسببت عدة عوامل في العجز المزمن في الميزان التجاري، حيث تزيد قيمة الواردات السلعية عن الصادرات السلعية؛ أبرزها نسبة الاكتفاء الذاتي المنخفضة من المنتجات النفطية ومن الغاز الطبيعي، مما يؤدي لاستيراد كميات كبيرة منهما ترتفع قيمتها كلما ارتفع سعر النفط عالميا، كذلك عدم وفاء الحاصلات الزراعية بالاستهلاك المحلي خاصة من القمح، أيضا الحاجة لاستيراد وسائل النقل والسلع الرأسمالية والآلات والمعدات..

ورغم وجود فائض مستمر بالتجارة الخدمية بسبب الإيرادات السياحية، إلا أن الضربات المتتالية التي تعرضت لها السياحة، ومنها حادثة جربة عام 2002 التي أدى لمقتل 16 سائحا أجنبيا وإصابة ثلاثين، والهجوم على متحف باردو في آذار/ مارس عام 2015 ومقتل 22 شخصا وجرح 45 آخرين أغلبهم من السياح، وهجوم سوسه في حزيران/ يونيو 2015 والذي أسفر عن مقتل 38 سائحا وجرح 39 آخرين.

أدى ذلك لتذبذب الإيرادات السياحية وبالتالى انخفاض الفائض بميزان التجارة الخدمية، خاصة مع وجود حركة سياحية نشطة للتونسيين خارج البلاد، وهو ما أسفر عن وجود عجز بميزان السلع والخدمات، زاد عليه العجز المستمر بميزان الدخل الأولي نتيجة زيادة مدفوعات الفائدة عن الاستثمار الأجنبي في الداخل عما يتم تحصيله من فوائد من الاستثمار التونسي في الخارج.

9 مليارات احتياطي و40 مليارا دين خارجي

ورغم وجود تدفق مستمر من تحويلات العمالة التونسية في الخارج، واستمرار المعونات الأجنبية لتونس، إلا أنها لم تفلح بسبب قلة قيمتها في تعويض العجز في ميزان المعاملات الجارية المستمر منذ سنوات طويلة. ومع قدوم استثمارات أجنبية مباشرة واستثمارات حافظة في البورصة التونسية، واستمرار الاقتراض الخارجي، فقد تمكن الميزان الكلي للمدفوعات من تحقيق فوائض محدودة ببعض السنوات، بينما أصيب بالعجز في سنوات أخرى.

وتبدو نتيجة أداء الميزان الكلي للمدفوعات واضحة في بلوغ الاحتياطيات من النقد الأجنبي بنهاية الربع الأول من العام الحالي 8.8 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الدين الخارجي في نفس الفترة 40.3 مليار دولار. ومع تزايد قيمة الدين الخارجي خلال السنوات الأخيرة، فقد تزايدت كذلك قيمة تكلفة الدين الخارجي من الأقساط والفوائد لترتفع من 1.66 مليار دولار عام 2015 إلى 3.17 مليار دولار عام 2019.

وتسببت عدة عوامل في استمرار العجز المزمن في الموازنة التونسية، أبرزها التكلفة الكبيرة لأجور العاملين بالقطاع العام، وكبر نصيب فوائد الديون بالمصروفات إلى جانب مخصصات الدعم خاصة دعم الوقود. وعلى الجانب الآخر حالت معدلات النمو الضعيفة من تزايد إيرادات الموازنة بدرجة كبيرة، في ضوء إعتماد ايرادات الموازنة على الضرائب بنسب عالية، كما تسببت زيادة الإنفاق الصحي والاجتماعي مع ظهور وباء كورونا في زيادة نسب العجز في الموازنة بشكل كبير في العام الماضي.

وتسببت كل تلك العوامل إلى جانب حالة عدم الاستقرار التي واكبت الثورة التونسية في بداية عام 2011؛ في ارتفاع نسب البطالة منذ ذلك الحين وحتى الآن. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس إلى بلوغ عدد طلبات العمل عام 2019 نحو 582 ألف طلب، بينما بلغ عدد التوظيفات التي تمت خلال العام 51 ألف شخص فقط، أي بنسبة 8.8 في المائة. ولم تكن تلك النسبة المتدنية جديدة فقط استمرت نسبة عدد التوظيفات بالمقارنة بطلبات العمل أقل من نسبة تسعة في المائة طوال السنوات الخمسة من عام 2015 وحتى 2019.

نسب توظيف متدنية بولايات الجنوب والوسط

وإذا كان متوسط نسبة التوظيفات لطلبات العمل قد بلغت 8.8 بالمئة عام 2019 على مستوى البلاد، فقد كانت أعلى نسبة لها بولاية (محافظة) سوسة 19 في المائة، وولاية المستنير 18 في المائة، وزغوان 17 في المائة، وكلها ولايات بالشمال، بينما تدنت نسبة التوظيفات بولاية قابس الواقعة في الجنوب إلى أقل من 2 في المائة، كما بلغت 2 في المائة بولاية سيدى بوزيد في الوسط. وانخفضت النسبة عن ثلاثة في المائة في ولايات الكاف والقيروان وباجه وقفصة، كما انخفضت نسبة التوظيفات عن أربعة في المائة بولايات جندوبة ونوبة وقبلي ومدين، وهكذا قلت النسبة عن أربعة في المائة في عشر ولايات تقع في الجنوب والوسط والغرب، من بين 24 ولاية تونسية.

وارتعت معدلات البطالة من 15.3 في المائة عام 2019 إلى 18 في المائة عام 2020. وإذا كانت نسبة البطالة قد بلغت 15.3 في المائة في 2019، فقد بلغت النسبة بين الذكور 12.3 في المائة بينما زادت بين الإناث إلى 22.4 في المائة.

وحسب المستوى التعليمي، فقد بلغت نسبة البطالة 28 في المائة بين الحاصلين على شهادات تعليم عال، وتراوحت النسبة ما بين 16.4 في المائة للذكور و38 في المائة لللإناث الحاصلات على شهادات عليا، كما بلغت نسبة العاطلين عن العمل لأكثر من سنة 72 في المائة من مجمل العاطلين عن العمل.

وإذا كان عدد خريجى الجامعات قد بلغ 52 ألف خريج عام 2019، نسبة 70 في المائة منهم من الطالبات، فقد أشار التوزيع النسبي لتخصصات هؤلاء الخريجين لوجود 17.3 في المائة بتخصصات الأعمال التجارية والإدارية، و13.8 في المائة للتخصصات الهندسية، و12 في المائة للعلوم الإعلامية، و10 في المائة للآداب، و6 في المائة للصحة، و6 في المائة للعلوم الاجتماعية، وحوالي 6 في المائة لعلوم التربية، وهو ما يشير لغلبة التخصصات النظرية مما يقلل من فرص التشغيل.

ورغم المشروعات المتعددة لتوفير فرص عمل، بداية من الصندوق الوطني للتشغيل 2121 لتشجيع المشروعات الصغيرة للشباب منذ عام 1999، وصندوق التضامن التونسي 2626 لتحسين الحياة بالمناطق الريفية والعشوائية منذ عام 1992، والشباك الواحد لتراخيص المشروعات الجديدة منذ عام 1989، ومشروع تحديث الصناعة في إطار اتفاقية المشاركة الأوربية، فقد ظلت معدلات البطالة مرتفعة، كما ظلت معدلات الفقر تزيد عن 15 في المائة في السنوات الماضية.

روشتة صعبة للصندوق كشرط للإقراض

وخلال العام الحالي وفي ضوء أداء الشهور الخمسة الأولى من العام، فقد زادت قيمة الصادرات بنسبة 25 في المائة بالمقارنة مع الشهور الخمسة الأولى من العام الماضي، وارتفعت قيمة الواردات بنسبة 17 في المائة، لتزيد قيمة التجارة بنسبة 20 في المائة، إلا أن العجز في الميزان التجاري ما زال مستمرا رغم انخفاض قيمته نسبيا.

وفي النشاط السياحي زادت أعداد دخول غير المقيمين خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الحالي بالمقارنة بنفس الشهور من العام الماضي، مع الأخذ في الاعتبار أن غالبية هؤلاء من ليبيا، إلا أنه عند المقارنة بأداء السياحة قبل ظهور كورونا تظل المعدلات الحالية منخفضة.

فقد بلغ عدد غير المقيمين الواصلين خلال أيار/ مايو الماضي 108 آلاف شخص، منهم 79 ألفا من ليبيا وحدها، مقابل 522 ألف سائح في نفس الشهر من عام 2019، ونفس الأمر لعدد الواصلين في نيسان/ أبريل والبالغ 89 ألف سائح، منهم 73 ألف ليبي، مقابل 578 ألف سائح في نفس الشهر من عام 2019.

ومن المتوقع أن تقدم السعودية والإمارات معونات للنظام التونسي لتثبيت أركانه، مثلما فعلت مع النظام المصري في النصف الثاني من عام 2013، كما يتوقع أن يوافق صندوق النقد الدولي على إقراض تونس، وهو الصندوق الذي تهيمن الدول الكبرى على قراراته، وهي نفس الدول التي امتنعت عن إدانة تعطيل الرئيس التونسي للبرلمان وتوليه صلاحيات السلطة التنفيذية، ولا يمكن أن تقوم السعودية والإمارات ومصر بمساندة الرئيس التونسي سوى بسماح من تلك الدول.

إلا أن روشتة الصندوق للإقراض تتطلب دواء مرا قد يزيد من احتقان الشارع التونسي، حيث طلب الصندوق صراحة خفض دعم الوقود رغم تراجع القدرة الشرائية لعموم التونسيين، وطلب كبح فاتورة الأجور في القطاع العام الحكومي، وخفض عجز الموازنة وخفض نسبة الدين العام، ومرونة سعر الصرف؛ مما سيؤثر على أسعار السلع المستوردة التي تستحوذ على نسبة كبيرة من استهلاك التونسيين.

…………..

نقلا عن: "عربي 21"

Facebook Comments