من الغريب أن شعبا عريقا هو الشعب المصري صاحب الحضارة الممتدة لسبعة آلاف سنة لا يزال يتلمس هويته مع حدوث أي تقلبات سياسية، من المفترض أن زمنا طويلا هكذا يحسب بآلاف السنين قد حسم هوية هذا الشعب التي هي خليط من كل حضاراته التي بدأت بالفرعونية ومرورا بالحقبة المسيحية وانتهاء بالحضارة العربية الإسلامية، لكن استقرار هذه الهوية لا يروق للبعض فيشعل فتنا حولها بين الحين والآخر، ليدخل المصريين في مأساة أو ملهاة جديدة تشغلهم عن قضاياهم الحقيقية في العيش والحرية والعدالة والكرامة، وتلهيهم عن مغتصبي إرادتهم وسارقي أقواتهم، ومنتهكي حريتهم.

أحدث جولات أزمة الهوية في مصر صاحبت الكشف مؤخرا عن تصميمات لعملات ورقية جديدة، إذ رغم شمولها لرموز إسلامية إلى جانب الرموز الفرعونية كما هو معتاد في العملات المصرية على مدى عقود طويلة، إلا أن تمرير رموز جديدة لفت الأنظار مثل ألوان علم المثليين، ومثل صورة مسجد السيسي في العاصمة الإدارية (الفتاح العليم) المبني حديثا والذي لا يمثل رمزا تاريخيا، لكن الأهم فيما نطرحه هو مسارعة العديد من الشباب الذين يغلب عليهم الوجه الليبرالي لنشر تصميمات خاصة من إنتاجهم على صفحاتهم غالبيتها رموز فرعونية، ما يعني انحيازهم للهوية الفرعونية، وهو ما فتئ يطلبه الكثيرون من النخب العلمانية المصرية،الذين يتأففون من الهوية العربية الإسلامية.

عمل نظام السيسي منذ وصوله إلى السلطة في 2013 على تغذية هذه المشاعر الفرعونية، ظنا منه أن ذلك جزء من محاربته للتيار الإسلامي، بحسبان أن هذا التيار هو القيم على الهوية العربية الإسلامية وهو المروج لها، ولعل مشهد نقل مومياوات ملوك الفراعنة من متحف التحرير إلى المتحف الجديد في إبريل نيسان الماضي كان أحد المظاهر المهمة في هذا السياق، حيث صاحبته زفة إعلامية وثقافية عن هوية مصر الفرعونية، وجذورها الفرعونية الضاربة في عمق التاريخ، وهو أمر لا مشكلة فيه إذا نظر إليه في سياق التطور التاريخي للمجتمع وليس باعتباره نهاية التاريخ لمصر، وكان من مظاهر هذه الزفة الفرعونية أيضا إعلان وزير التعليم المصري طارق شوقي عن البدء في تدريس اللغة الهيروغليفية (لغة الحضارة الفرعونية) للأطفال الصغار في المدارس الابتدائية، وهو نوع من المبالغة والمزايدة الرخيصة، التي تغذي معركة الهوية دون أن تكون نابعة عن احتياج حقيقي لتدريس لغة مندثرة، ويمكن تدريسها في كليات الأثار، او أقسام التاريخ بكليات الأداب.

تبرز أزمة الهوية غالبا في لحظات ضعف المجتمع، وكان أول بروز لها منتصف العشرينات مع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، وإن كان دستور 1923المعبر عن ثورة 1919 نص في مادته الأولى على دين الدولة ولغتها اللذين يمثلان هويتها، وهو ما تناقلته الدساتير المتعاقبة حتى وقتنا الحالي، ما يؤكد استقرار قضية الهوية على الورق، اي في الدستور، ثم تكررت أزمة الهوية بشكل قوي بعد هزيمة يونيو 1967، وفي مرحلة السبعينات مع موجة المد الإسلامي، ثم أطلت برأسها مجددا منذ انقلاب 2013 وحتى الآن وعبرت عن نفسها بأشكال متنوعة.

الهوية المصرية والتي تمزج بين كل الحضارات التي ظهرت على أرض مصر بدءا بالفرعونية ونهاية بالعربية الإسلامية هي هوية جامعة لكل المصريين، مسلمين ومسيحيين، فالحضارة العربية الإسلامية شارك فيه بنائها مسلمون ومسيحيون، وهي ملك لهم جميعا، وقد أدرك ذلك السياسي القبطي الشهير مكرم عبيد الذي قال إنه “مسيحي دينا مسلم وطنا”.

افتعال معارك الهوية هو هروب من المشاكل الحقيقية التي يعانيها المجتمع المصري، فالهوية مقننة في نص دستوري متوارث، يمثل توافق المصريين عبر ممثليهم في لجان صياغة الدساتير المتعاقبة، وظهور أصوات نشاز محدودة العدد بين الحين والآخر لإثارة الجدل مجددا هو نوع من الفراغ السياسي والثقافي، وشعور من أصحاب هذه المعارك بضعف موقفهم شعبيا، لذا يلجئون لمثل هذه القضايا الملغمة من باب “علي وعلى أعدائي”.

 

Facebook Comments