لماذا ميَّز الله -تعالى- الشهيد ورفع درجته فى علِّيين وأعطاه ومنَّاه وألحقه بالنبيين والصديقين؟ ولماذا استثناهم من قانون البشر جميعًا، حتى الأنبياء، فأبقاهم عنده أحياء فرحين بما أتاهم من فضله؛ (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ… [آل عمران: 169، 170]؟ فضلًا عن عدم تغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم؛ لِمَا اعتبره العلماء من طهارة دمائهم دون غيرهم فلا يحتاجون لغسل، ولِمَا نالوا من منزلة عند الله فلا يحتاجون لدعاء.

كتب الله هذه المكانة للشهداء للأثر الذى يتركونه فى الأحياء؛ إذ لولاهم لفسدت الأرض وركب الشر الخير، وساد الكفر وعم الظلم وعلا الرجس وانزوى الصالحون؛ فهم درعُ الله الحصينة لتكون كلمته هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وإنّ دماءهم هى التى تروى شجرة العدل والحرية، وتمحو الظلم، وتمحق الضلالة.. وهذه الدماء هى ثمن تحرر الدول ونجاة الشعوب، فهم شرفاء الأمة وعرفاؤها ونجباؤها وقدواتها (لعمرك هذا ممات الرجال… ومن رام موتًا شريفًا فذا)..

وليس فى التاريخ أمة احتفت بشهدائها وفرحت لمصارعهم مثل أمتنا، ففى حين تندب الأمم الأخرى قتلاها فى ساحات المعارك، تنطلق التهانى والتبريكات عندنا لسقوط شهيد، ويدب النشاط فيمن حوله كى يلحقوا به، أو يغبطونه على درجته التى فاتتهم، وربما كان يعيش بينهم خامل الذكر لا صيت له ولا سمعة، لكن شهادته دلَّت على إخلاص وتجرد وصدق كان مردودها اصطفاء الله له، وبلاغه تلك الرتبة العظيمة حتى أنه يتمنى الرجعة، أى يعود إلى الحياة فيُقتل في سبيل الله، بعدما أُجير من عذاب القبر، ورأى مقعده من الجنة، ولبس حُلة الإيمان وغيرها من الفضائل والخصال التى جعلها الله للشهيد.

توقظ الشهادة الغافلين، وتنبه العاجزين، وتستفيق الجبناء والمترددين، وتعطى المجتمع معنى الخلود، عندما تحيى فيه معانى العزة والكرامة، وتشعره بالحياة، فالأمة التى لا تقدم شهداء أمة ميتة لا روح فيه ولا شعور، ومن مات فيهم الإصلاح والجهاد قد ماتوا بالفعل وإن بقيت جثامينهم؛ إذ لم يُخلق المسلم للأكل والشرب والسفاد كما الطير والحيوان، بل لمهمة أجلّ هيأه الله لها وفضله بها على كثير ممن خلق تفضيلًا، فحياته رهن عيشه بكرامة وعز وإلا فالموت أوْلى.. (سأثأر ولكن لرب ودين… وأمضى على سنتى في يقين، فإما إلى النصر فوق الأنام… وإما إلى الله فى الخالدين).

وإذا كان البعض يستعجل قطف ثمار النصر فى الدنيا لما وجد من نزيف الدماء وكثرة الشهداء ولا بشرى فى الأفق؛ فنقول: إن هذا من رقة الدين فى قلوب المستعجلين، ومن قلة اليقين، ومن جهل بالوحى والسيرة والتاريخ، فقد مات النبى ﷺ ولم ير ما آلت إليه دولته حتى قال أحد ولاتها للسحابة يومًا: «شرِّقى أو غرِّبى فأينما وقعت أتانا خراجك»، وكثُرت الآيات التى تشير إلى هذا المعنى، منها: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 41-44]؛ أى أن الله لا يعجل لعجلة أحدنا، وأنه كتب العزة للمؤمنين والخزى والعار على السفاحين المجرمين، شاء من شاء وأبى من أبى، ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

لما حُبس «خُبيب» للقتل ما جزع وما ندم وما ساوم وما تحوَّل، بل تقدم للشهادة هادئ النفس، قرير العين، تاركًا بدعة حسنة قبل موته (صلاة الركعتين عند القتل)، مات فداء لدينه، ما كان ينتظر شيئًا من الدنيا، بل لم يرغب أن يعيش هنيئًا و«محمد ﷺ» فى مكانه يُشاك بشوكة، فلما قدموه للقتل لم يزد على قول بيتيه المشهورين و(اللهم أحصهم عددًا).. لكن هل ذهب «خبيب» واختفى أثره؟ لم يحدث، ولن يحدث، مع كل من ماتوا أو قُتلوا فى سبيل الله؛ فإن الحى القيوم جاعلٌ لكل شىء قدرًا، ولا يظلم ربك أحدًا.. ومؤكد أنه سيأتى قريبًا اليوم الذى يردد فيه الجميع: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81].

Facebook Comments