برز هذه الأيام الصراعُ واضحًا على هُوية مصر المحروسة، هناك أطراف قديمة جديدة تحاول نحت هُوية أخرى غير هُويتنا الإسلامية، ويلحُّون فى ذلك حتى حُشدت وسائل التواصل الاجتماعى بمعارك بين الطرف الرئيس من جهة (الغالبية الغالبة للشعب) والنظام الحاكم تدعمه تلك الأطراف ومنها الخارجى والداخلى والعلمانى والطائفى والفاسد والشهوانى إلخ.

والحديث عن تاريخ هذا الصراع يطول، لا يكفيه كتاب بله مقال، لكنَّ المؤكد أنه مستمر منذ سقوط الخلافة الإسلامية، وأن محاولات طمس الهوية الإسلامية فى مصر لم تتوقف يومًا، وأن المحتل الغربى أوكل يوم خروجه بـ«رجال» من بنى جلدتنا ليقوموا بتلك المهمة نيابة عنه، وإتمام إجراءات التغريب التى تضمن القضاء على الإسلام فى نفوس الناس، فلا يظل حاضرًا فى شعورهم، ولا يمثل بالنسبة لهم عقيدة أو سلوكًا أو مرجعية تبث فيهم الاعتزاز وكراهية الظلم..

وهذا أحد الأسباب التى أدت إلى قيام جماعة «الإخوان المسلمين» وقد جاء فى «رسالة التعاليم» لمؤسسها تحت عنوان «واجبات الأخ الصادق»: (أن تعمل ما استطعت على إحياء العادات الإسلامية، وإماتة العادات الأعجمية فى كل مظاهر الحياة، ومن ذلك: التحية، واللغة، والتاريخ، والزى، والأثاث، ومواعيد العمل والراحة، والطعام والشراب، والقدوم والانصراف، والحزن والسرور إلخ، وأن تتحرى السنة المطهرة فى كل ذلك).

وإذ نختصر الطريق نقول: كان انقلاب 2013 الأوضح فى محاولاته لنزع الهوية الإسلامية عن مصر؛ استكمالًا لما بدأته سلسلة العسكر منذ مطلع الخمسينيات، ولتنفيذ برامج الأمريكان والصهاينة بعد وصول «ترامب» إلى السلطة وحتمية حسم إستراتيجيات الدولة العبرية التى تأخر تنفيذها، ومعلوم أهمية مصر فى هذا الأمر إذ هى قلب العالم الإسلامى وقاطرة العرب، وموئل الإسلام ومهد العلماء، ولو قامت مصر قام الشرق كله.. فكان الانقلاب (المؤامرة الكونية) الخطوة الأولى واللازمة لاستكمال المهمة، وكان غرضه، فضلًا عن إزاحة الإسلاميين عن السلطة: إحداث عملية شلل للمحروسة فتظل نائمة دون الموت، مستيقظة دون البعث..

وقد تنبه القبطى المصرى «الدكتور رفيق حبيب» إلى ذلك الغرض مبكرًا فكتب مقالًا فى جريدة «الحرية والعدالة» بتاريخ 13/8/2013 [العدد: 656] يقول فيه: (يهدف الانقلاب -فى الأساس- إلى القضاء على المشروع الإسلامى فى الحكم، بصورة نهائية، ووضع قواعد لنظام سياسى تجعل الهوية الإسلامية فى الدستور مقيدة بمواثيق حقوق الإنسان الغربية، التى تسمى دولية؛ كى لا يكون للمرجعية الإسلامية أى دور فعلى، أى يهدف إلى تعديل الهوية العامة للدولة والنظام السياسى فى الدستور؛ ما يعنى أن يقف -عمليًّا- موقفًا عدائيًّا من كل التيار الإسلامى، أو أنه يعتبر التيار الإسلامى والكتل التى تحمل الهوية الإسلامية، تمثل أقلية داخل المجتمع، وهو أمر غير صحيح؛ لأن جماهير التيار الإسلامى تمثل أغلبية واضحة).

وبالفعل، منذ ثمانى سنوات وهويتنا مستهدفة بشكل صريح. ففى دستور (2014) عُدلت أو ألغيت المواد: 11، 12، 25، 44، 219 الواردة فى دستور (2012) والمتعلقة بالشريعة الإسلامية، وتم إلغاء مادة الدين من المناهج، وهناك حديث عن إلغاء خانة الديانة بالبطاقة، وهناك اتهام دائم للإسلام والمسلمين بالإرهاب، وتصريح صدر من رأس النظام لقادة الغرب يحذرهم من المساجد، وهناك هدم لعشرات من بيوت الله منها أبنية تاريخية، وإعلام معاد للشريعة، وفن معاد للإسلام وأهله مشجع على الإباحية والرذيلة، وهناك تزوير فج للتاريخ يمجد رموز العلمانية ويسىء إلى الرموز الإسلامية وقادة الجهاد، ناهيك عن محاولات إحياء هويات غابرة وإثارة نعرات قومية، والحديث كل يوم عما يسمى «تجديد الخطاب الدينى»، وهى جملة تخفى وراءها هدفًا أكبر وهو إبعاد الإسلام عن حياة الناس، وخصوصًا السياسة.

إن مصر إسلامية الهوى والهُوية، وستظل كذلك إلى ما شاء الله، وكما استعصت على الفاطميين رغم مدخلهم الخادع، واستعصت على العلمانى القح «محمد على» ومن تبعه إلى يومنا هذا، فسوف يظل أبناؤها مرفوعى الهامة بإسلامهم السنى النقى، واعين لما يُحاك لهم من مؤامرات…

ولا زالت مشاهد ثورة يناير محفورة فى الذهن، تؤكد أن شعبنا مستمسك بدينه حريص على ملته حرص الإنسان على لحمه ودمه، وأنه يموت دون هذا الدين.. ولا زال الأغبياء لا يفهمون ذلك؛ ففى كل يوم يرتكبون الجرائم ضد من يقولون ربنا الله، ولا يزالون يدعمون مهرجانات العهر والخلاعة، ويحاربون الفضيلة، ويولُّون الكارهين لدين الله مواقع السلطة والقيادة، ويسلِّطون كلابهم من الطائفيين والملحدين للتشكيك فى العقيدة والرموز والثوابت.. وهذا والله يردُّ الناس إلى دينهم مردًّا جميلًا، ويكشف عورات من تستروا خلف شعارات الإصلاح الكاذب والوطنية الزائفة.

Facebook Comments