من آثار الحالة السياسية المتردية فى العالم العربى وخصوصًا فى مصر: تهتك طائفة من العلماء، من أتباع الحكام، وخروجهم عن نهج الدعاة إلى الله، وميوعتهم فى الفتوى، وسلوكهم مسالك شخصية غير منضبطة؛ فيفتنون الناس فى دينهم، ويجعلونهم فى حيرة من أمرهم: من يتبعون؟ وممن يأخذون الفتوى؟ وقد اختلط الحابل بالنابل، والحق بالباطل فقام إمام الحرم السابق بتمثيل دور «كومبارس» فى فيلم ترويجى، وصارت الممثلة صاحبة «أدوار الإغراء» تفتى للمسلمين وتتحدث عن البخارى كأنه «صديقها» وأنه أجاز عنوان مسرحيتها الإباحى!

وهذه الحالة من الفوضى الدعوية قرينة عهود الضعف والتردى الحضارى، وهى غالبًا أزمنة ظلم وطغيان، يُؤخر فيها الدعاة العاملون ويُقدم المترخصون المتساهلون؛ شرط إقرار الظالمين على ظلمهم، وتبرير جرائمهم، فيخرجون بذلك عن سمت العلماء؛ من عدم التحلى بالوقار، ومحاباة الفسقة واللادينيين، فيصدِّرون للعوام صورة سيئة عن الدين، وبدلًا من أن يكونوا مبشِّرين به داعين إليه يكونوا منفِّرين منه مشكِّكين فيه.

والناجى من هذه الفتنة من يتبع الدعاة الربانيين، المجاهدين، ومن السهل تمييزهم، فهم يخشون الله، ولا يخشون أحدًا إلا الله، راسخون فى العلم، يعملون بمقتضى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، صابرون على المحن التى يتعرضون لها، مجتهدون، إيجابيون، لديهم فقه بالواقع كما لديهم فقه بالدين، أهل حكمة وحلم ورشاد، وأهل تخطيط وإعداد، وهم من عناهم ابن الجوزى (رحمه الله) بقوله: «من صفات علماء الآخرة؛ أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين عن مخالطتهم، قال حذيفة (رضى الله عنه): إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما هى؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدُكم على الأمير فيصدِّقه بالكذب ويقول ما ليس فيه».

ولقد وردتنا الأخبار التى تؤكد وقوع هذه الفتنة، وانزلاق تلك الطائفة فى مزالق الهوى والشرِّ؛ لجفاء علاقتهم بالله، ولتعلقهم بالدنيا وانشغالهم بها، ولإعجابهم بأنفسهم؛ ما جرَّ عليهم البلاء، وأوردهم المهالك رغم ما يحملون من علم، لكنهم يشبهون إخوتهم من بنى إسرائيل ممن يحملون العلم ولا يعملون به، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا. عن أنس بن مالك (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أُسرى بى رجالًا تُقرض شفاهُهم بمقاريض من نار، فقلتُ: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟».

إن الداعية إن ترك النصيحة، أو أصدر أحكامًا تخالف ما جاء فى الكتاب والسنة وما تعارف عليه علماء الأمة، أو جاءت أحكامه متسرعة متعسفة حسب ما تهواه نفسه، فاعلم أنه ضالٌّ مضلٌ، وهو والجاهل سواء، وقد تعوَّذ سفيان الثورى من فتنتهما بقوله: «تعوَّذْ بالله من فتنة العابد الجاهل، ومن فتنة العالم الفاجر، فإن فتنتهما لكل مفتون». وما أكثر هؤلاء الآن، ممن زادُهم التهييج وبضاعتهم دغدغة المشاعر، وقائدهم الهوى، وحاديهم نفوسُهم الأمارة بالسوء. عن عبد الله بن مسعود (رضى الله عنه): «إنكم -أى الصحابة- فى زمان كبير فقهاؤه، أى علماؤه، قليل خطباؤه، قليل سُؤَّالُه، كبير معطوه، العمل فيه قائد للهوى. وسيأتى من بعدكم زمانٌ؛ قليلٌ فقهاؤه، كبير خطباؤه، كثير سُؤَّالُه، قليلٌ معطوه، الهوى فيه قائد للعمل. اعلموا أن حُسنَ الهَدْىِ فى آخر الزمان خيرٌ من بعض العمل».

وينسى هؤلاء أو يتناسون أنهم حُمِّلوا أمانة عظيمة، حُمِّلُها مَنْ قبلهم ففرطوا فيها فكان جزاؤهم ما علمنا من نزع الملك وغضب الله؛ (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: 187]، وأنهم باستهانتهم بشرع الله ينزعون عن أنفسهم الهيبة ويسقطونها فى وحل التبعية والإمعية؛ فيعم الجهل ويسود الضلال ويُنتزع العلم. يقول النبى ﷺ: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». نسأل الله السلامة.

Facebook Comments