فجأة رحل الإعلامي المقرب من السلطة ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، عن عمر يناهز 56 سنة بعد أزمة قلبية ألمت به، كانت حافلة بالنفاق والتزلف للسلطة العسكرية والعداء والكراهية للإخوان والإسلاميين عموما وحتى للديمقراطية بمعناه البسيط وهو حكم الشعب لأنه انحاز بكل إصرار وترصد لحكم العسكر وبارك انقلابهم على ثورة يناير والمسار الديمقراطي. وعانى رزق من أزمات صحية متكررة خلال السنوات الأخيرة، حيث أجريت له جراحة قلب مفتوح في ألمانيا عام 2018.

بدأ رزق العمل الصحفي في مؤسسة "أخبار اليوم" منذ أن كان طالباً في السنة الأولى بكلية الإعلام جامعة القاهرة؛ فهو خريج دفعة عام 1986، وتنقل بين أقسام صحيفة "الأخبار" قبل أن يستقر في العمل محرراً عسكرياً لفترة طويلة، ثم مندوباً للصحيفة في رئاسة الجمهورية حتى عام 2005، وهو العام الذي شهد توليه منصب رئيس تحرير مجلة "الإذاعة والتلفزيون" الحكومية أيضاً،  كما رأس تحرير جريدتي «الأخبار» و«المصري اليوم»، وكذلك رأس مجلس إدارة دار أخبار اليوم. وكان يخظى بمكانة رفيعة للغاية عند جنرال الانقلاب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي.

 

تسريب حوار أحلام السيسي

علاقة رزق بالسيسي كان وثيقة للغاية؛ لدرجة  اختياره لإجراء حوار مطول مع الجنرال في أكتوبر 2013م، من أجل تبرير المذابح والجرائم التي ارتكبتها قوات الجيش والشرطة بأوامر وتوجيهات مباشرة من السيسي، وفي ديسمبر  2013، سُربت أجزاء من حوار السيسي مع رزق، إبان توليه رئاسة تحرير صحيفة "المصري اليوم"، يتحدث فيها عن ذكرياته مع الرؤى والأحلام التي تنبأت له برئاسة مصر منذ 35 عاماً، على حد زعمه. وقال السيسي مخاطباً رزق: "أنا من الناس اللي كان لهم تاريخ طويل من الرؤى، وده ليك أنت يعني، مش كلام للنشر. وشوفت في المنام من سنين طويلة جداً إني رافع سيف مكتوب عليه (لا إله إلا الله) باللون الأحمر، وفي إيدي ساعة (أوميجا) ضخمة جداً عليها نجمة خضراء كبيرة".

 

السخرية من بديع

ولياسر رزق كإعلامي مواقف مشينة، من أبرزها سخريته من الدكتور محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المعتقل حاليا في سجون السيسي منذ سنة 2013م،، حيث خرج مانشيت صحيفة الأخبار وكان وقتها رئيسا لتحريرا بمانشيت غير مهني ولا أخلاقي، بعنوان «المرشد اتفتق»! وهو المانشيت الذي رآه كثيرون يحمل كل معاني اللاإنسانية والتعريض والشماتة في المرض، ووصفه ناشطون بالفضيحة، فأثار موجة شديدة من الاستهجان من كل أبناء المهنة تقريبا، مؤيدو النظام قبل معارضيه، وأشعل منصات التوصل وقتها في منتصف يناير 2016م. ووصل لتقديم الصحفي الراحل محمد منير بلاغاً ضد الجريدة ورئيس تحريرها، لنقابة الصحفيين قال فيه عن الواقعة : "هو ترد مهني وانهيار أخلاقي، فأرفع لمجلس النقابة للتحقيق مع الأستاذ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة الجريدة ورئيس تحريرها لاتخاذ اللازم". وقال الإعلامي معتز مطر على فضائية "الشرق": "كلما تخيلنا وصول الإعلام الانقلابي لقاع المستنقع فاجأنا بقاع جديد، دفاعنا عن المرشد هو عن إنسان بلغ من الكبر عتيا، بغض النظر عن موقفك السياسي"، موجهاً سؤاله لصحافة الانقلاب: "إنتو إزاي بقيتو كدة"؟

وأمام الهجوم الكاسح ضد رزق اضطر لكتابة مقال أبدى فيه شيئا من الاعتذار عن هذه الجريمة؛ قائلا: «للحق لم أسترح بيني وبين نفسي للمعنى الذي ذهب إليه البعض والتشفي والفهم غير المقصود للعنوان، ووجدت أنه لزاماً علي من باب الاستقامة الشخصية والمهنية أن أعتذر للدكتور بديع وأسرته وأتمنى له صادق الشفاء».

 

اجتثاث الإخوان

وفي 30 مايو 2020م، كتب رزق مقالا بعنوان «اجتثاث الإخوان»، دعا فيه إلى القضاء المبرم على الجماعة، مباركا جميع الجرائم والانتهاكات التي تتم بحق عناصرها وأعضائها واعتبر ذلك حربا مقدسة يقودها الشعب ضد الجماعة التي نعتها بجميع صفات الخيانة. يقول رزق: «جماعة «الإخوان المسلمين» هى فكرة مهزومة، تقترب من الرحيل، لتلقى مصيرها المحتوم، تعفناً وتحللاً، وموتاً بغير قيامة!

وعارض رزق أي شكل من أشكل التصالح مع الإخوان قائلا: « بدأنا نسمع أصواتا تتعالى تطالب بالمصالحة وتنادى بتفعيل مصطلح «العدالة الانتقالية» الذى دس دساً فى الدستور لأغراض لا أعتبرها بريئة». ودعا إلى صدور أحكام باتة ونهائية من محكمة النقض ضد قيادات الجماعة حتى يتم كسرها والقضاء عليها»، مضيفا «هناك أيضاً التهاون فى تطهير بعض جهات الدولة ومصالحها الحيوية من أتباع الجماعة وأنصارها»، لينتهي إلى دعوته إلى اجتثاث الجماعة قائلا: «ليست هذه هى المرة الأولى التى أكتب فيها عن الإخوان المسلمين، معارضاً للفكرة والمخطط والنهج، منذ كانوا على رأس السلطة برلماناً وحكومة ورئيساً، وداعيا إلى الثورة عليهم. وليست هذه هى المرة الأولى التى أطالب فيها بأن يعاملوا معاملة النازيين فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ومعاملة الشيوعيين فى الولايات المتحدة فى ذروة الحرب الباردة ومعاملة ميليشيا الجيش الأحمر فى وطنه الأم اليابان. غير أننى أتمنى ألا أكتب مجدداً فى هذا الموضوع وهو اجتثاث جماعة الإخوان كإجراء لا بديل عنه من أجل حاضر هذه الأمة ومستقبلها».

 

تسويق جمهورية السيسي

قبل مماته أصدر رزق كتابا جديدا بعنوان «سنوات الخماسين… بين يناير الغضب ويونيو الخلاص"، الذي يتناول فيه الفترة من يناير 2011 حتى يونيو2013، باعتبار أن الكتاب هو الجزء الأول من ثلاثية عما أسماه "الجمهورية الثانية" للدولة المصرية، والتي يؤرج فيها للفترة مسوقا للسردية العسكرية التي يتبناها النظام مبررا انقلابه على الديمقراطية وجرائمه الوحشية في رابعة والنهضة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية.

 هاجم رزق في كتابه جماعة "الإخوان المسلمين"، مدعياً أنها ارتكبت سلسلة من الأزمات والأخطاء وأعمال الغدر التي تسببت في نقمة شعبية واسعة عليها، جراء محاولاتها المستمرة تغيير هوية الشعب المصري، وتقويض كيان الأمة، على نحو أدى إلى تفاقم الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس الشهيد محمد مرسي، ومن ثم "إزاحته وجماعة الإخوان عن السلطة بواسطة القائد العام للقوات المسلحة (آنذاك) عبد الفتاح السيسي".

عداء رزق للإخوان متأصل منذ رعاية السلطة له كمحرر عسكري، لكن هذه الكراهية زادت في أعقاب ثورة يناير وصعود الإخوان بعد أن فازوا بثقة الشعب في انتخابات البرلمان والرئاسة؛ حيث كان رزق يتولى بالتعيين منصب رئيس تحرير صحيفة "الأخبار"؛ حتى إزاحته من منصبه بقرار من "المجلس الأعلى للصحافة" في أغسطس2012، إثر موافقة مجلس الشورى الذي كان يتولى الإخوان الأغلبية فيه على تولي مجموعة جديدة لرئاسة تحرير الصحف القومية بالانتخاب من جانب الجمعية العمومية من صحفي كل مؤسسة قومية، بناءً على توصيات لجنة شُكلت لاختيارهم. وفي الشهر نفسه، اختير رزق من قبل مجلس أمناء مؤسسة "المصري اليوم" الصحافية الخاصة لتولي رئاسة تحرير جريدتها اليومية؛ حتى عاد رئيساً لمجلس إدارة صحيفة "أخبار اليوم" بعد نحو 15 شهراً، في أعقاب انقلاب الجيش على مرسي.

وفي سبتمبر 2020، جددت "الهيئة الوطنية للصحافة" الثقة في الغالبية العظمى من رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف الحكومية، مع إجراء تغييرات محدودة للغاية في بعض المواقع، منها إبعاد رزق عن رئاسة مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم"، بعد أكثر من 6 سنوات من شغله المنصب. وقبل وفاته كان رزق يمني نفسه بأن يكون نقيبا للصحافيين، حيث كانت تلمح وسائل إعلام موالية للسلطة إلى احتمال اختيار رزق نقيبا بعد انتهاء مدة ضياء رشوان في مارس المقبل 2022م.

واليوم واري الثرى ليذهب إلى إله عادل لا تنطلي عليه الأكاذيب ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. اللهم جازه بما يستحقه وعامله بعدلك لا بفضلك، بمقدار ما ألحق الأذى بملايين الأبرياء من العلماء الدعاة إلى الله، ونشطاء الثورة.

Facebook Comments