مآلات الصدام بين “المركزي” والمستوردين بسبب قيود الاستيراد

- ‎فيتقارير

قرار البنك المركزي بوقف التعامل مع مستندات التحصيل في تنفيذ كافة العمليات الاستيرادية أثار انتقادات واسعة في الأوساط الاقتصادية والمنظمات الممثلة للصناع والتجار والمستثمرين. وكان البنك المركزي المصري قد أصدر، الأحد الماضي (13 فبراير 2022)، قراراً بوقف التعامل مع مستندات التحصيل في تنفيذ كافة العمليات الاستيرادية وقصر العمل على الاعتمادات المستندية فقط، اعتباراً من بداية مارس المقبل، بهدف السيطرة على سعر الدولار في مقابل الجنيه من خلال تحجيم عمليات الاستيراد من الخارج. واستثنى قرار البنك المركزي فروع الشركات الأجنبية في مصر والشركات التابعة لها، مع السماح للبنوك بقبول مستندات التحصيل الواردة عن بضائع تم شحنها بالفعل قبل صدور القرار.

القرار ليس جديدا فقد تم العمل به خلال الفترة من عام 2015، وحتى ما قبل تعويم الجنيه المصري في عام 2016، إذ اشترطت قواعد الإفراج عن السلع المستوردة أن تكون من مصانع مسجلة، وأن يتم سداد قيمتها بالكامل طبقاً لخطابات من البنك المصدر، ومن خلال تغطية البنك المستورد. وكان الهدف من هذه الإجراءات هو ضبط الواردات التي ارتفعت بشكل كبير لتصل إلى نحو 87 مليار دولار عام 2015، وبالفعل نجحت هذه الإجراءات في تخفيض الواردات إلى نحو 60 مليار دولار عام 2017م. وبالتالي فإن القرار قد يكون مقدمة لتعويم جديد على غرار ما جرى في نوفمبر 2016م.

ويرى المرحبون بالقرار أن هذا النظام سيمنع التلاعب من قبل المستوردين، وسيجبرهم على دفع القيم العادلة للجمارك طبقا للأسعار الحقيقية، وليس طبقاً لأسعار الفاتورة التي قد لا تكون دقيقة، بالإضافة لتقليل عمليات استنزاف العملات الصعبة في أشياء لا تفيد. أما السلبيات فتتمثل في رفع تكاليف الاستيراد، إذ إنّ فتح الاعتماد يكون بمصاريف، ناهيك عن كون تغطية الاعتماد بالكامل تؤدي إلى ضياع فرص بديلة، إذ إنّه كان يمكن للمستورد دفع جزء من ثمن بضاعته المستوردة، مع استثمار الجزء الباقي، أو الدفع على أقساط أو غيرها من وسائل الدفع الأخرى.

 

مخاطر القرار

الرافضون للقرار ومعظمهم من المستوردين وأصحاب المصانع يحذرون من مخاطر القرار وأبرزها رفع أسعار السلع المستوردة، نتيجة الأعباء المالية الذي سيتحملها المستورد جراء فتح الحساب المستندي، في وقت تعاني فيه الأسواق من حالة ركود. كما أن هذا النظام سيؤدي إلى تأخير وصول بعض السلع، بالإضافة إلى أنّه يشترط دفع المستورد قيمة البضاعة بالكامل عبر اعتماد مستندي، وهو حتماً سيؤثر على دورة رأس المال للمستورد.

ويرى الخبير في الاقتصاد مصطفى عبدالسلام في مقاله «المواطن المطحون والجزر المنعزلة وقرار "المركزي" المصري»، أن القرار ابتداء يمنح الشركات الأجنبية وفروعه في مصر امتيازات عندما استثناها من القرار وهو ما يمثل استثناء تفضيليا غير متاح للقطاع الخاص المصري.

ويرى أن القرار قد يعيد إلى الواجهة بعض الممارسات الخطيرة التي كانت تحدث قبل تعويم الجنيه المصري في نوفمبر2016، ومنها المضاربات على الجنيه المصري وظهور سوق سوداء للعملة مجددا. فالمؤكد أن فرض أي قيود على عملية الاستيراد تنتج عنه مخاطر كثيرة، منها حدوث قفزة في الأسعار، وضغوط إضافية على المواطن، وزيادة في الطلب على الدولار خارج الإطار الرسمي، أي من خارج البنوك.

والمؤكد أن فرض أي قيود على عملية الاستيراد وحركة التجارة الخارجية تنتج عنه مخاطر كثيرة، منها حدوث قفزات في الأسعار وضغوط إضافية على المواطن وزيادة الطلب على الدولار خارج الإطار الرسمي، أي خارج البنوك، وعزوف تجار عن الاستيراد مع زيادة التكلفة، واختفاء بضائع وسلع ضرورية من الأسواق، خاصة أن مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجاتها الغذائية من الخارج، وكذا اختفاء قطع غيار وسلع وسيطة ومواد خام، وهي كلها أمور ضرورية لقطاعي الصناعة والتصدير.

 

جزر منعزلة

فرض تلك القيود ــ وفقا لعبدالسلام ــ إما يعني وجود مشكلة قائمة تجرى معالجتها، أو أنه إجراء تحوطي من قبل البنك المركزي لتفادي وقوع مشكلة مقبلة، وهذا من حقه بالمناسبة. والمؤكد أن قراراً كهذا سيربك عملية الاستيراد بالكامل، نعم، قد يقلل عجز الميزان التجاري، لكن على حساب السوق والمستهلك والمنتج الذي يعاني أصلا من قيود شديدة وزيادة في تكلفة الإنتاج.

من حق البنك المركزي الحفاظ على الاحتياطي الأجنبي لضمان سداد أعباء الديون الخارجية والواردات ودعم استقرار سوق الصرف، ومن حقه تخفيف الطلب على الدولار، خاصة مع الضغوط المتوقعة الناتجة عن الزيادة المحتملة في سعر الفائدة على الدولار في الأسواق العالمية، والهروب المتوقع للأموال الساخنة، سواء من البورصة أو أدوات الدين، مثل السندات وأذون الخزانة المصرية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

لكن في المقابل، يجب أن يواكب فرض مثل هذه القيود أمران مهمان:

  • الأول الحفاظ على سوق مستقر للأسعار، بحيث لا يتحمل المستهلك وحده تبعات قرارات البنك المركزي الفجائية أو تبعات أي قرارات تقييدية أخرى متوقعة من الحكومة. فالمواطن يكفيه ما فيه من قفزات متواصلة في الأسعار وزيادة في الأعباء المعيشية والضرائب والرسوم والبنزين والسولار والغاز، وليست لديه القدرة على تحمل أعباء جديدة.
  • والأمر الثاني هو مراعاة القرار مصالح قطاع الصناعة ومجتمع الأعمال، لأن فرض قيود كتلك يمكن أن يؤثر سلبا على الصادرات والإنتاج المحلي، وبالتالي على الأسعار، ويؤدي إلى تعميق الركود الحالي في الأسواق المحلية، خاصة مع مقاطعة المستهلك كثيراً من السلع بسبب ارتفاع سعرها.

وخلال الفترة الأخيرة فقد شهدت أسعار الأدوية قفزات، كما شهدت أسعار السلع الغذائية وفواتير الكهرباء والمياه والوقود زيادات مماثلة. ومع الهجوم الشديد الذي تعرض له قرار البنك المركزي الأخير، فإن السؤال المطروح هنا هو: هل هناك جهة ما في الدولة تنسق بين هذه الأمور المتعارضة بحيث لا يتضرر أحد من قرار مثل الذي أصدره البنك المركزي، خاصة المستهلك وسوق الصرف الأجنبي؟ أم أن كل جهة في الدولة تعمل في جزر منعزلة، وبالتالي، تكون لمثل هذه القرارات وغيرها تأثيرات خطيرة على المواطن والاقتصاد، كما هو متوقع مع قرار البنك المركزي الأخير الذي أصدره من دون التشاور مع أحد، أو من دون تجهيز السوق والتمهيد له؟