أكد خبراء أن قرار البنك المركزي بوقف التعامل بمستندات التحصيل في جميع العمليات الاستيرادية، والعمل بالاعتمادات المستندية فقط الذي سيبدأ تطبيقه اعتبارا من بداية مارس المقبل ، كشف عن أزمة يعاني منها نظام الانقلاب تتمثل في نقص الاحتياطي من الدولار ، بسبب تراجع الصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج ، بالإضافة إلى تقلص عائدات السياحة وقناة السويس ، بسبب التداعيات السلبية لجائحة فيروس كورونا المستجد .
وتوقع الخبراء أن تدفع كل هذه العوامل نظام السيسي إلى تعويم الجنيه مرة ثانية ، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتكبد المصريين خسائر فادحة ، بسبب تراجع قيمة العملة المحلية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية ، مشيرين إلى أن هناك تقديرات أن الجنيه أكبر من قيمته الحقيقية أمام الدولار والتي تقدر بـ 18 جنيها بدلا من 15.64جنيها حاليا.
وحذروا من الكوارث التي قد تنتج عن مثل هذا القرار من تزايد معدلات الفقر وتراجع الدخول بالتزامن مع ارتفاع الأسعار ، ما يهدد بحدوث مجاعة غير مسبوقة في مصر.
كان البنك المركزي قد أصدر أمس قرارا بوقف التعامل بمستندات التحصيل في جميع العمليات الاستيرادية، والعمل بالاعتمادات المستندية فقط في إطار توجيهات مجلس وزراء الانقلاب بما أسماه حوكمة عملية الاستيراد وتفعيل منظومة التسجيل المسبق للشحنات التي سيبدأ تطبيقها بصورة إلزامية اعتبارا من بداية مارس المقبل ، وتسبب القرار في إحداث ضجيج في مجتمع الأعمال والاستثمار مع تحذير المراقبين من انعكاسه على الشارع المصري، وتسببه في موجة غلاء لمختلف السلع .
الدين العام
من جانبه توقع الدكتور وائل النحاس أن التعويم الثاني أصبح وشيكا ، بسبب وجود وضع اقتصادي يجبر نظام السيسي على اتخاذ هذا الإجراء خاصة في ظل رفع أسعار الفائدة العالمية وارتفاع مؤشر الدولار واحتمالات خروج الاستثمارات في الأموال الساخنة ، مشيرا إلى أن حجم الدين العام مقلق للغاية خاصة مع عدم وجود استثمار حقيقي وتراجع كبير في التصنيع بسبب سياسات نظام الانقلاب .
وقال النحاس في تصريحات صحفية إن "ارتفاع أسعار السلع يحتاج إجراءات لمواجهة ذلك من خلال إعادة النظر في إصدار أوعية استثمارية بعائد مرتفع بدلا من حماية الجنيه من التقلبات".
قرار سيادي
وأكد الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي رئيس اللجنة الاقتصادية بحزب "الحرية والعدالة" أن اللجوء إلى تعويم الجنيه مرة أخرى قرار سيادي من جانب نظام الانقلاب ، يكشف عن وجود عجز كبير في العملة الأجنبية التي يحتاجها هذا النظام ، مشيرا إلى أنه رغم تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016 إلا أن حكومة الانقلاب تفرض حماية عليه للحفاظ عليه من التراجع بغرض التمويه على المستثمرين الأجانب وجذب الأموال الساخنة لخزانتها ثم دفعها لهم مرة أخرى عبر سلسلة معروفة من الاقتراض من أجل سداد القروض ، وهذا يجعل قيمة الجنيه غير حقيقية لذلك ترتفع الأسعار .
وقال الصاوي في تصريحات صحفية إن "تخفيض قيمة العملة مرة أخرى ليس قرارا اقتصاديا ، وإنما هو خضوع لإملاءات صندوق النقد والبنك الدولي ، موضحا أن البنك المركزي كان يدعم الجنيه عبر المزيد من الاقتراض لكن يبدو أن الضغوط الأجنبية تزايدت وأن نظام العسكر سيرضخ لهذه الضغوط".
وأشار إلى أن حكومة الانقلاب تدرك حجم الفقر الذي انتشر بين المصريين بعد عملية التعويم في 2016 ؛ محذرا من أن أي تعويم جديد سيضاعف أعداد الفقراء ، ما يهدد بمجاعة لكن نظام الانقلاب لا يهتم بذلك ويضحي بالفقراء من أجل الاستثمارات الأجنبية وتنفيذ إملاءات صندوق النقد الدولي .
الديون الخارجية
وحذر الدكتور عبد النبي عبد المطلب خبير اقتصادي من أي تعويم جديد للجنيه المصري، مشيرا إلى أن معاناة المصريين منذ تعويم الجنيه منذ أكثر من 5 سنوات لا تزال مستمرة بل وستستمر لسنوات طوي، أنه رغم تحسن المؤشرات الاقتصادية التي يعلن عنها نظام الانقلاب ، إلا أن واقع حياة المصريين لم يتجاوب مع تلك المؤشرات لسببين ، الأول هو انخفاض حجم مدخراتهم والثاني هو زيادة الأسعار بشكل كبير وارتفاع معدلات التضخم .
وأضاف ، رغم تثبيت قيمة الجنيه من جانب البنك المركزي منذ مطلع عام 2019 عند نحو 15.7 جنيه أمام الدولار، نزولا من نحو 19-20 جنيها لم يحدث أي استقرار في أسعار السلع والمواد الاستهلاكية والغذائية، وكان من المفترض أن تنخفض الأسعار مع ارتفاع الجنيه والحفاظ على قيمته لأكثر من 3 سنوات رغم الضغوط الخارجية وتراجع غالبية عملات الدول الناشئة المنافسة لها .
وأشار إلى أنه في يونيو 2021، بلغ إجمالي الديون الخارجية لنظام الانقلاب 137 مليارا و850 مليون دولار مقارنة بـ123 مليارا و490 مليون دولار في يونيو 2020، وفقا لبيانات البنك المركزي فيما تعدت ديون دولة العسكر هذا الرقم بكثير في الأشهر الستة الأخيرة من العام 2021 متوقعا أن يرضخ نظام الانقلاب لضغوط صندوق النقد والبنك الدولي وتعويم الجنيه مرة أخرى من أجل الحصول على مزيد من القروض وبالتالي توريط مصر في ديون جديدة .
قيمة الجنيه
وكشف ممدوح الولي خبير اقتصادي، أن قيمة الجنيه المصري انخفضت أمام الدولار بنسبة 79% منذ قرار التعويم عام 2016 وحتى 2021 ، موضحا أن ارتفاع الدين الخارجي لمصر من 48 مليار دولار إلى 138.9 مليار خلال الفترة ما بين 2015 وحتى الآن، يشير إلى أن نظام السيسي اقترض 90 مليار دولار خلال ست سنوات، بمتوسط 15 مليار دولار قروض خارجية سنويا.
وأكد الولي في تصريحات صحفية أن الدين الخارجي ارتفع بما يقارب أربعة أضعاف الزيادة في الاحتياطي النقدي الأجنبي خلال خمس سنوات، وفوائد الديون تمثل ثلاثة أضعاف الدخل السنوي لقناة السويس وثلاثة أضعاف إيرادات السياحة سنويا .
وأشار إلى أن الصادرات المصرية في العام الحالي أقل مما كانت عليه عام 2008، مؤكدا أن بيان حكومة الانقلاب حول مؤشرات تحسن الاقتصاد المصري في الخمس سنوات الماضية بعد قرار تعويم الجنيه عام 2016 تعمد تجاهل الكثير من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد المصري رغم الوعود بتحسنها بعد تعويم الجنيه.
وتابع إذا قارنا سعر صرف الجنيه بين نهاية يونيو 2016 قبل التعويم بأشهر وبين بداية نوفمبر 2021 ستجد أن نسبة انخفاض الجنيه أمام الدولار هي 79% وليس كما تدعي حكومة الانقلاب ، مؤكدا أن هناك فارقا كبيرا بين ما تقوله حكومة الانقلاب عن تعويم الجنيه وآثاره الإيجابية وبين حقيقة الأمر وهو التعويم المدار بمعنى تدخل البنك المركزي لتحديد السعر، مع ترك هامش ضئيل للحركة لا علاقة له بالعرض والطلب .
وأوضح الولي أن الدليل على ذلك هو انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنسبة 2.4 % فقط خلال الربع الثاني من عام 2020، والذي شهد ذروة تداعيات فيروس كورونا السلبية على الاقتصاد المصري، حيث انخفضت موارد النقد الأجنبي بنسبة 12 % بالمقارنة بالربع الأول من نفس العام، رغم تضمن الموارد 7.926 مليار دولار قروضا خارجية خلال الربع الثاني.