في إطار التراجعات الإستراتيجية لمصر على صعيد السياسة الإقليمية وتقزيم دورها منذ الانقلاب العسكري في 2013 ، تستعد مصر لتلقي هزيمة ثقيلة على المستوى الإستراتيجي في القارة الإفريقية ، والتي كانت إلى عهد قريب الامتداد السياسي والإستراتيجي لمصر، حيث تجري محاولات إقليمية أخرى لتوسيع دورها السياسي والاقتصادي والإستراتيجي في القارة الإفريقية، بلا شك سيكون على حساب مصر ودورها المنحسر، بفعل سياسات العسكر، الذين دمروا مقدرات قوة مصر الناعمة والخشنة والإستراتيجية.
فبعد أيام من إصرار إثيوبيا على الانفراد بقرارها فيما يخص سد النهضة ، وإقدامها على بدء توليد الكهرباء من السد والاستعداد للملء الثالث واستكمال ما تبقى من الملء الثاني ، في يونيو المقبل، دون اكتراث بمطالبات مصر أو حقوقها أو مخاوفها، جاء إعلان الدول الإفريقية الأكبر والأقوى، بحسب بيان تأسيس مجموعة الأربعة الكبار الذين سيديرون القارة الإفريقية ويهندسون سياساتها ، وهم إثيوبيا والجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا، مستبعدين مصر، التي شاركت في ستينات القرن الماضي في تحرير معظم الدول الإفريقية من نير الاستعمار، لتكون هزيمة ثقيلة لمصر ، ما زالت تترنح بسببها، حتى تم الكشف قبل ساعات عن تحركات إماراتية تركية في إفريقيا ، وخاصة في منطقة القرن الإفريقي لتوسيع وجودها ومصالحها وبناء تحالفات جديدة، لا شك ستؤثر على موقع مصر ومصالحها في القارة الإفريقية، وهو ما يكرس الهزائم والتراجعات الإستراتيجية الإقليمية لمصر، بعد تقزيم السيسي والعسكر لدورها العربي والدولي، إثر تضعضع سياساتها الخارجية وتخريب مصادر قوتها، سواء بالاعتماد على سياسات الاقتراض والديون التي تضعف موقف مصر التفاوضي أو الوسيط في أي خلاف أو قضية، بجانب ابتعاد معظم قادة الدول الأوربية والأمريكية عن الاقتراب أو إقامة علاقات مع نظام المنقلب السيسي القمعي والعسكري، ما يضع النظم الخارجية في خرج أمام شعوبها، التي ترفض قمع واستبداد العسكر في كل مكان، وهو ما بدا واضحا في إصرار إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن على عدم لقاء السيسي أو دعوته إلى البيت الأبيض ، كما يفعل برتوكوليا مع كل الروساء والقادة، وهو ما بدا واضحا مؤخرا بدعوة أمير قطر ومن قبله أردوغان وغالبية قادة دول العالم، للقاء الرئيس الأمريكي الجديد، وهو ما يكشف حجم نظام السيسي خارجيا ، على الرغم من الانصياع الكامل للسيسي للإملاءات الغربية والأمريكية في جميع ملفات المنطقة في فلسطين وليبيا وغيرها.
"السيسي خايف من كفيله"!
وكشفت مصادر دبلوماسية، أن سلطة الانقلاب منزعجة من التحركات الإماراتية والتركية في إفريقيا، وتقوم بتتبع زيارات وفد تركي رفيع المستوى زار ثلاث دول إفريقية أخيرا، في محاولة للوقوف على تفاصيل الزيارات، خصوصا أنها حصلت لمنطقة القرن الإفريقي التي تمثل أولوية قصوى للقاهرة في الوقت الراهن، بسبب تصاعد توترات أزمة سد النهضة، على خلفية مواصلة إثيوبيا الإجراءات التي تصفها القاهرة بالأحادية، والتي كان آخرها تدشين المرحلة الأولى من توليد الكهرباء من السد.
وكانت تكليفات صدرت للسفارات المصرية في السودان، وجيبوتي، والصومال، بجمع المعلومات الخاصة بلقاءات الوفد التركي، وتفاصيل الزيارات. وذلك في وقت تستشعر فيه القاهرة القلق بسبب ما يمكن وصفه بانفلات زمام الأوضاع في السودان ومنطقة القرن الإفريقي من أيديها، وسط تحركات إماراتية وتركية في المنطقة، تتقاطع مع مصالح مصر، وذلك على الرغم من تأكيدات من أبوظبي، في وقت سابق، بعدم تعريض مصالح القاهرة للخطر.
تراجع في المسار التركي
وشهدت الأيام الأخيرة تراجعا في مسار الاتصالات المصرية التركية، على وقع الخلافات بشأن المواقف الخاصة بملفات المنطقة وعلى رأسها ليبيا، وسط تباين واضح وفي الوقت الذي تدعم فيه القاهرة اختيار فتحي باشاغا من جانب مجلس النواب الليبي لرئاسة حكومة جديدة، تدعم أنقرة استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة حكومة الوحدة لحين إجراء الاستحقاقات الانتخابية.
كذلك طلبت القاهرة تفسيرا من أبوظبي بشأن تحركات تقودها الإمارات مؤخرا في منطقة القرن الإفريقي، مثلت تهديدا مباشرا للمصالح المصرية.
وكانت القاهرة فوجئت أخيرا بتحركات إماراتية تهدف إلى تقويض سلطة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة، التي قطعت القاهرة شوطا كبيرا في إقامة علاقات جيدة معه، نظرا لحجم التأثير الكبير لدولته في أزمة سد النهضة التي تشغل صانع القرار المصري حاليا.
وذهبت تقارير استخبارية إلى أن اتصالات إماراتية بعسكريين في جيبوتي، وشخصيات مشاركة في الحكم، هدفت إلى تقويض سلطات جيله، وممارسة ضغوط عليه، مشيرة إلى أن التحركات الإماراتية في هذا الشأن تخطت مرحلة الإضرار بالمصالح المصرية، إلى مرحلة أبعد من ذلك بكثير.
وفي 7 فبراير الحالي زار "جيلة" القاهرة، على رأس وفد وزاري كبير، في زيارة شهدت توقيع عدد من اتفاقيات الشراكة والتعاون، وانصبت جلساتها المغلقة على قضايا الأمن في منطقة القرن الإفريقي، بخلاف أزمة سد النهضة.
وبذلت القاهرة جهدا كبيرا في تطوير العلاقات مع جيبوتي، باعتبارها أحد أوراق الضغط الهامة التي يسهل امتلاكها، فرض ضغوط كبيرة على إثيوبيا، حيث تعد المنفذ الرئيسي للتجارة الإثيوبية "الحبيسة" من خلال ميناء جيبوتي، مشيرة إلى أن التحركات الإماراتية في منطقة القرن الإفريقي ومن قبلها السودان تهدد كافة الجهود المصرية.
سحب القاهرة بعيدا عن إفريقيا
وفي الوقت الذي تعاني فيه القاهرة من أزمات في شرق القارة وفي منطقة القرن الإفريقي المطلة على مضيق باب المندب المؤدي لقناة السويس، والمؤثرة بشدة على مصر، يجري سحب القاهرة إلى مربع بعيد عن مصالحها، نحو الغرب، لإغراقها بالمستنقع العسكري الذي فشلت فيه فرنسا وأوربا وأمريكا، في ملف مكافحة الإرهاب، حيث تمارس عدة ضغوط على القاهرة من أجل حثها على الدفع بقوات عسكرية إلى منطقة الساحل الإفريقي، لمواجهة تمدد العناصر المسلحة هناك.
وتلقت القاهرة طلبا أمريكيا للدفع بقوات عسكرية إلى منطقة الساحل الإفريقي، بهدف المشاركة في عمليات الحد من توسع التنظيمات الإرهابية هناك، وذلك في ظل حالة الانسحاب الفرنسي، وعدم الرغبة من جانب القوى الأوروبية في مواجهة الأزمة.
إلا أن المقترح الأمريكي لم يلقَ قبولا من جانب المؤسسة العسكرية في مصر، التي تخشى من المخاطرة بالدخول إلى ساحة معارك لا تعرف أبعادها بشكل جيد، وسط معارك أقرب لحرب الشوارع.
وهكذا يتواصل التلاعب بمصر من قبل القوى الاستعمارية بالقارة الأفريقية، لإشغالها وتوريطها بملفات لا ناقة ولا جمل لها فيها، بينما يجري طردها من مناطق نفوذها التاريخي ، سواء بالسودان التي هتفت جماهيرها الثائرة ضد مصر وسيسيها لدوره في تأليب العسكريين على المدنيين والانقلاب العسكري على المكون المدني في السلطة الانتقالية السودانية، كما تحاك المخططات من قبل أثيوبيا لقلقلة الأرض من تحت أي نفوذ مصري بالقارة، ومن ثم تقزيمها عبر مجموعة الأربعة الكبار التي استبعدت مصر في كارثة تاريخية بالقارة الإفريقية.