باستثناء الفترة التي امتدت من 11 فبراير 2011 حتى 3 يوليو 2013م، فإن النظام في مصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952، يقوم على منح الرئيس صلاحيات فرعونية مطلقة؛ فهو الآمر الناهي، وهو صاحب القرار في جميع سياسات الدولة العليا داخليا وخارجيا؛ تساعده في ذلك ما تسمى بالأجهزة السيادية (الجيش ــ المخابرات ــ الأمن الوطني). مارس عبدالناصر (1954 ــ 1970) ثم السادات (1971 ــ 1981)، ومن بعده مبارك (1981 ــ 2011) هذه الصلاحيات الفرعونية المطلقة بدعم من الجيش والمخابرات والشرطة.
وعندما تحرك الشعب من أجل التحرر والخلاص من هذا الظلم والطغيان (يناير 2011 ــ يونيو 2013)، تآمرت الدولة العميقة على الشعب وأجهضت التجرية الديمقراطية الوليدة، وأعادت الشعب إلى حظيرة الاستعباد من جديد، ومنذ انقلابه في 03 يوليو 2013م يمارس الدكتاتور عبدالفتاح السيسي صلاحيات مطلقة تفوق حتى تلك السلطات التي كان يتمتع بها الفراعين القدماء.
في مصر المقهورة بحكم العسكر والجنرالات دور الحكومة يقتصر فقط على أنهم مجرد سكرتارية على باب الزعيم الدكتاتور، فالسيد رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء هم مجرد ديكور، بينما تمارس الأجهزة الحكم فعليا تحت رعاية وإشراف الزعيم مباشرة. معنى ذلك أن من يرسم السياسات العليا ويضع قواعدها الحاكمة هو الرئيس وأجهزته، ودور الحكومة يقتصر فقط على أمور شكلية بلا صلاحيات حقيقية إلا في المسائل الصغيرة والفرعية. فالذي يضع القواعد والمبادئ والخطوط السياسية والمسار الاقتصادي والمالي وحتى الإعلامي والديني هو الرئيس وأجهزته. وحتى يضمن النظام خروج القرارات بشكل سليم فإن ذلك يتطلب وجود حكومة وبرلمان، وعلى هذا الأساس فإن الحكومة بالكامل ــ رئيسها ــ وزراؤها ــ محافظوها ــ رؤساء الأحياء والمدن والقرى ــ تعين من جانب الرئيس وفق معايير تضعها أجهزته الأمنية.
أما البرلمان (السلطة التشريعية) فتشرف على تشكيله من الألف إلى الياء الأجهزة (المخابرات ــ الأمن الوطني)؛ حتى يضمن النظام عدم وجود أي عقبات تحول دون إصدار القرارات الخاصة بالسياسة العليا للدولة وفق الخط المرسوم من الزعيم وأجهزته. وحتى السلطة القضائية جرى ترويضها وتدجينها على نحو يجعل منها تابعا للسلطة التنفيذية ولا تملك فعليا أي استقلال حقيقي حتى لو تضمن الدستور نصوصا صريحة تؤكد على ذلك؛ فالدستور ونصوصه شيء، والواقع شيء آخر؛ لهذه الأسباب فإن النظم الاستبدادية ترفض جميع أشكال الديمقراطية وحكم الشعب؛ ويلتفون على ذلك بإقامة انتخابات صورية معروفة النتائج مسبقا؛ وذلك لتستيف الأمور الشكلية أمام العالم الخارجي، ولولا ذلك (الخجل أمام العالم الخارجي) لما كان هناك حاجة أصلا لهذه الانتخابات الشكلية التي تفضح النظام وتكشف اختطافه للدولة وإدارتها بمنطق عصابات المافيا.
على هذا الأساس عندما يتقدم نائب في برلمان الانقلاب (فريدي البياضي عن الحزب المصري الديمقراطي) بسؤال برلماني إلى الحكومة حول قرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة بنسبة 1% وخفض سعر صرف الجنيه بنحو 17% وتداعيات القرار وإجراءات الحماية الاجتماعية الواجب اتخاذها للحد من الآثار السلبية على المواطنين؛ فنحن بذلك أمام مشهد تمثيلي مسرحي لا علاقة لها بآليات الحكم الرشيد، أو ممارسة السلطة وفق آليات ومؤسسات حقيقية منتخبه من الشعب؛ ذلك أن معالي السيد العضو ومعالي السيد رئيس البرلمان وجميع النواب والنائبات يعلمون علم اليقين أنهم مجرد كومبارس في مشهد مسرحي بالغ الركاكة؛ جيء بهم وفق معايير أمنية بحتة من أجل الديكور. فهم مجرد سائل أسود يلمع به السيد الزعيم حذاءه كلما احتاج إلى ذلك؛ وفي أحسن الأحوال هم مجرد كرافتة يتزين بها الزعيم أمام العالم الخارجي حتى لا يتعرض للنقد والإحراج، فيكفي ما يلاقيه من أهوال بسبب الانتهاكات المتواصلة في ملف حقوق الإنسان، واتهامه بالظلم الطغيان؛ فمال العالم الخارجي وما يفعله السيد الزعيم بشعبه؟ أليس حريصا على ألا يتدخل في شئون بلادهم فلماذا يتدخلون هم؟ ولماذا ينتقدون ظلمه وطغيانه؟ شعبه وهو حر فيه ، وكل واحد حر في شعبه، يفعل به ما يشاء!
فالسيد العضو صاحب السؤال البرلماني، يعلم تماما أن حكومة الانقلاب مجرد سكرتارية في بلاط الزعيم، هم مجرد خدم ضمن طابور طويل لا يملكون من السلطة والقرار شيئا إلا بمقدار ما يمنحه إياهم الزعيم، اما الدستور والقانون، فهذا من لزوم الشكل والديكور، فمنذ متى كان للدستور في مصر قيمة؟ ألا يعلم السيد النائب والسادة النواب أن مصر تدار بالأوامر العليا الصادرة من السيد الزعيم وأجهزته السيادية؟! (هم يطلقون على أنفهسم ذلك "أجهز سيادية" وهو ليس صحيحا).
ألا يعلمون أن قرار التعويم في نوفمبر 2016م، ثم القرار الأخير بخفض قيمة الجنيه في 21 مارس 2022 بنسبة نحو 17%، والإصرار على عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتوجيه معظم سيولة الدولة نحو بناء المدن الجديدة والطرق والكباري، والاعتماد على القروض وفرض المزيد من الرسوم والضرائب كلها قرارات رئاسية بحته أشرف على وضعها قيد التنفيذ السيسي وأجهزته؟! ألا يعلمون أن فرض السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي تفقر عشرات الملايين من الشعب، والإذعان المطلق لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي، وإغراق البلاد في مستنقع الديون والقروض الباهظة، كلها قرارات الزعيم وأجهزته؟ فلماذا يعاتبون الحكومة المسكينة وهم مجرد خدم على باب السيد الزعيم؟
الجميع يعلم هذه الحقائق، وهم أيضا يعلمون، ولكنهم يكابرون رغم أن البلاد تغرق وهم معها يغرقون! أليس لهم في فرعون وجنده عبرة؛ فقد أطاعوه حتى ألقى بهم وبنفسه في البحر فهلكوا جميعا غير مأسوف عليهم، وباتوا للناس عبرة، فهل نعتبر؟!
للوعي بالأمور، لا يوجد شيء اسمه (أجهزة سيادية) في العالم كله إلا في مصر، وحتى دستورهم 2014، وكل دساتيرمصر السابقة تؤكد أن (السيادة للشعب وليست للأجهزة)، ورغم ذلك يصرون على وصف أنفهسم بالأجهزة السيادية، أما الشعب (السيد الحقيقي)، فهو عندهم مجرد قطيع من العبيد لا يدار إلا بالكورباج! أرأيتم كيف أن الواقع في مصر شيء ونصوص الدستور والقانون شيء آخر؟!