على الرغم من الأزمات المالية التي تضرب مصر، وعجز الموازنة العامة، إثر حرمانها من الرسوم والضرائب المستثنى منها شركات الجيش والداخلية والمخابرات بنظام المنقلب السيسي والتي تستحوذ بدورها على أكثر من 60% من اقتصاد مصر، وإثر تفاقم حجم الديون وفوائدها داخليا وخارجيا والتي تبتلع أكثر من 89% من إجمالي الناتج القومي المصري، وغيرها من الأزمات الاقتصادية والمالية الكبيرة التي تواجه اقتصاد مصر، ورغم ما يتمتع به الجيش والشرطة والمخابرات من علاوات مالية وزيادات استثنائية وصلت لأكثر من 9 مرات في عهد السفيه السيسي، إلا أن أرقام الموازنة العامة الجديدة التي يناقشها برلمان الانقلاب عقب إجازة عيد الفطر كشفت انحيازا واضحا من قبل نظام السيسي للجيش والداخلية والمخابرات والأجهزة السيادية الأخرى، التي ترفل في نعم السيسي ومنحه وعطاياه اليومية.
خصصت حكومة الانقلاب نحو 8 مليارات جنيه في مشروع موازنة العام المالي 2022-2023 لتمويل الزيادة في بند الأجور للعاملين في المؤسسة العسكرية (الجيش) والمخابرات الحربية والعامة، وغيرها من جهات الأمن القومي، من أصل 8 مليارات و913 مليون جنيه أضافتها لاعتمادات باب "المصروفات الأخرى" في الموازنة الجديدة للدولة.
ورفعت الحكومة اعتمادات باب "المصروفات الأخرى" من 113 مليارا و787 مليون جنيه في موازنة العام 2021-2022 إلى 122 مليارا و700 مليار جنيه في العام المالي الجديد، والخاص بالجهات والهيئات التي تُدرج موازناتها "رقما واحدا" للموافقة عليها جملة واحدة، من دون أي مناقشة تفصيلية لتلك الاعتمادات المالية داخل مجلس النواب، ووفق أرقام الموازنة، فقد استحوذت المؤسسة العسكرية على قرابة 5 مليارات جنيه من الزيادة الإضافية في بند الأجور، مقابل 3 مليارات جنيه لتمويل زيادة الرواتب في جهازي المخابرات الحربية والعامة ومجلس الدفاع الوطني ومجلس الأمن القومي والمحكمة الدستورية العليا، بالإضافة إلى مجلسي النواب والشيوخ والجهاز المركزي للمحاسبات.
كما رفعت حكومة الانقلاب أيضا الاعتمادات المالية لقطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة بما يزيد على 7 مليارات جنيه، والذي يضم خدمات الشرطة، والسجون، ووزارتي الداخلية والعدل، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء، مبينا أن اعتمادات هذا الباب قفزت من 56 مليارا و486 مليون جنيه في موازنة 2016-2017 إلى 88 مليارا و117 مليون جنيه في موازنة 2021-2022.
وتم تخصيص نحو 131 مليار جنيه لميزانية وزارة التربية والتعليم بزيادة تقدر بـ 14 مليار جنيه، على الرغم من مطالبتها وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بتخصيص مبلغ 162 مليارا و350 مليونا في موازنة العام 2022-2023، حتى تتمكن الوزارة من المضي قدما في خطة بناء وتأهيل المدارس في العديد من المحافظات.
وبحسب مصادر بلجنة الخطة والموازنة ببرلمان العسكر فإن الاعتمادات الإضافية لوزارة التعليم في الموازنة الجديدة الهدف منها هو تمويل الزيادة السنوية على رواتب العاملين في الوزارة، متجاهلة مطالبها بشأن تخصيص مبلغ 13 مليارا و789 مليون جنيه لاستكمال مشروعات تطوير المدارس، بخلاف 4 مليارات أخرى لتعيين العمالة المؤقتة في الهيئات والمراكز التابعة للوزارة.
ويأتي تقليص موازنة التعليم بالمخالفة للدستور، خاصة المواد 18 و19 و21 و23 من الدستور على حساب مخصصات التعليم والصحة للعام المالي السابع على التوالي، والتي ألزمت الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي لقطاع الصحة، و4% للتعليم ما قبل الجامعي، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي.
تلاعب حكومي بموازنات الصحة والتعليم والبحث العلمي
وقبل أيام، انتقد عضو برلمان الانقلاب عن "الحزب المصري الديمقراطي" فريد البياضي حكومة الانقلاب في جلسة التصويت على الحسابات الختامية لموازنات السنة المالية المنقضية (2020-2021)، قائلا "الحكومة تتلاعب بأرقام الموازنة المتعلقة بقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، حتى توهم البرلمان بأنها تلتزم بالنسب المخصصة للإنفاق عليها في مواد الدستور".
وأوضح البياضي أن "الحكومة تحمل ميزانيات الصحة والتعليم ببنود لا تمت لها بصلة حتى تحقق النسب الدستورية المأمولة على الأوراق فقط، مثل حساب ميزانيات المستشفيات التابعة للجيش والشرطة والأوقاف ضمن موازنة وزارة الصحة والسكان مرة، ومرة ثانية ضمن موازنات وزارات الدفاع والدخلية والأوقاف، إلى جانب إدراج ميزانيات المعاهد الأزهرية ضمن موازنة وزارة التربية والتعليم، بخلاف تحميل الوزارتين كلفة سداد فوائد الديون ضمن بنود موازنتهما.
وزاد قائلا "الإنفاق الفعلي على الصحة أو التعليم أو البحث العلمي في مصر هو أقل بكثير من الأرقام المخصصة لها في الموازنة العامة للدولة، ونحن لا نتوقع أن تغير الحكومة الحالية سياساتها، ولذلك كل ما نطلبه هو أن ترشد إنفاقها، وتؤجل جميع بنود الإنفاق غير المُلحة، وتركز في المقابل على الاقتصاد المنتج، والاستثمار في قطاعات مثل الصحة والتعليم".
الديون تبتلع الميزانية
وأظهرت الصورة الإجمالية لمشروع الموازنة عن العام 2022-2023 ارتفاع مخصصات سداد القروض المحلية والأجنبية من 593 مليار جنيه إلى 965 مليارا و488 مليون جنيه، بزيادة تقدر بنحو 372 مليارا و488 مليون جنيه خلال عام واحد فقط، مع زيادة مخصصات فوائد الدين من 579 مليارا و900 مليون جنيه إلى 690 ملياراً و100 مليون جنيه، بما يمثل 34.4% من الإنفاق الحكومي، و45.5% من إيرادات الدولة في العام المالي.
وقبل نحو أسبوع أعلن البنك المركزي عن ارتفاع الدين الخارجي للبلاد إلى 145 مليارا و529 مليون دولار بنهاية ديسمبر 2021، مقابل 137 مليارا و420 مليون دولار بنهاية سبتمبر من العام نفسه، بزيادة تقدر بنحو 8 مليارات و109 ملايين دولار خلال 3 أشهر فقط، وبنسبة زيادة بلغت 5.9%.
تلك الأرقام المعلنة تكشف حجم التضييق الحكومي على القطاعات المدنية التي تخدم المدنيين ، فيما دولة السيسي وشعبه من الجيش والداخلية والقضاء والمخابرات ينعمون في الزيادات المالية التي لا يجري مناقشتها بل يتم تمريرها كرقم واحد بلا نقاش بالبرلمان، ما يزيد الهوة بين طبقات المجتمع المصري، حيث بات أكثر من 80 مليون مصري تحت خط الفقر، وسط ضغوط اقتصاددية غير مسبوقة مع انهيار قيمة الجنيه المصري وتعويمه وزيادة أسعار السلع والخدمات والغذاء والدواء، وهو ما دفع كثيرين نحو سلوك طرق غير قانونية لتحصيل المطعم والمشرب، منها السرقة والقتل، وهو ما يفاقمم أزمات الأمن المجتمعي ويجعل المصريين في ضنك بينما السادة ينعمون بالأموال والزيادات الاستثنائية، وهو ما يؤكد أن مصر باتت منقسمة لشعبين، شعب السيسي من رجال الجيش والداخلية والقضاء والمخابرات والأجهزة السيادية، وعموم المصريين وطبقتهم الوسطى التي اندثرت وأصبح الجميع في مفرمة الأحوال الاقتصادية المتردية.