تسببت الإجراءات التي تتخذها حكومة الانقلاب في مواجهة أزمة نقص الدولار ومنع السوق السوداء وضبط إيرادات ومصارف العملات الأجنبية في توقف العديد من التجار والشركات والمصانع عن العمل ، لعجزهم عن استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، ما أدى إلى نقص في السلع وارتفاع في الأسعار ، كما تسببت هذه الإجراءات في عودة السوق السوداء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما فيسبوك بل وظهور سوق ثالثة "دليفري" للإتجار في العملة الخضراء وصل فيها سعر صرف الدولار إلى 20 جنيها، بينما يدور في نطاق 18.40 جنيها في البنوك وشركات الصرافة.

وانتقد خبراء الاقتصاد الحملات الأمنية التي تشنها الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة في العديد من المحافظات ، لاستهداف من تسميهم بالمتاجرين بالعملة الأجنبية .

وقال الخبراء "أصبح من المألوف وجود أكمنة في شوارع المحافظات والقيام بتفتيش المواطنين أو السيارات ، ومن يجدون بحوزتهم مبالغ حتى لو كانت محدودة من الدولار عليهم إثبات الطريقة التي تحصلوا بها على تلك الدولارات لكي لا يقعوا تحت طائلة القانون ، بسبب مخالفتهم لأحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي، فيما يخص التعامل في النقد الأجنبي خارج البنوك".

كان البنك المركزي المصري قد أعلن انخفاض الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية بنحو 3.9 مليار دولار نهاية شهر مارس الماضي، مسجلا 37.082 مليار دولار مقابل 40.99 مليار دولار نهاية فبراير السابق عليه فضلا عن تهاوي سعر صرف الجنيه لأدنى مستوياته منذ تعويمه عام 2016، ففي 21 مارس الماضي، تراجع الجنيه بنسبة 16.5% أمام الدولار، ليتخطى بذلك حاجز الـ18.3 جنيها مقابل 15.7 جنيها، وهناك توقعات بأن الجنيه في طريقه إلى موجة ثانية من الهبوط خلال الفترة المقبلة بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، برفع الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية  0.50%، لتصل إلى 1%. 

 

سماسرة

من جانبها كشفت مصادر مصرفية أن الإجراءات المشددة على بيع الدولار للشركات والأفراد تسببت في توغل السوق السوداء في مناطق متفرقة، خصوصا بين التجار وأصحاب المصانع والشركات الذين خضعوا لقواعد الاستيراد السلعي التي حددها البنك المركزي، والتي تلزمهم بسداد قيمة الواردات بالعملة الأجنبية على أن تكون من ناتج مبيعات الشركة أو التاجر .

وقالت المصادر إنه "ومع خشية التجار من توقف أعمالهم، وهيمنة الشركات الكبرى على سوق الواردات، شرعوا في شراء العملات الأجنبية من السماسرة".

 

تعليمات المركزي

وأكدت نادين محمد تعمل بأحد فروع البنوك الشهيرة بمنطقة التجمع الخامس أن هناك أوامر من البنك المركزي بعدم صرف الدولار للأفراد ، إلا بتأشيرة طيران وتذكرة دخول وأن يكون مر أكثر من شهر على تاريخ آخر شراء للدولار.

وقالت نادين في تصريحات صحفية إن "هناك تعليمات بوقف بيع العملات الأجنبية بكل الجهاز المصرفي لدرجة أن هناك عملاء مميزين لديهم حسابات لا نستطيع بيع دولارات لهم نتيجة شُحّ المتوفر منه في السوق، مع أن من لديه 750 ألف جنيه كان في السابق يستطيع شراء 12 ألف دولار في الشهر لأنه عميل مميز وحتى من لديه حسابات بالدولار يجب عليهم إبلاغ البنك قبل السحب لأنه من الوارد جدا أن يأتي للبنك فلا يجد المبلغ الذي يريد سحبه متوفرا".

وأشارت إلى أن البنوك بدأت تدريجيا تقييد عملية سحب الدولار وتضع قيودا عليه أكثر من السابق ، متوقعة حدوث انخفاض جديد في سعر الجنيه مقابل الدولار .

وأكدت نادين أن البنك الذي تعمل به يوقف صرف الدولار للمتعاملين لكن ليس بشكل كامل ، موضحة أنه حتى الآن لم يصدر قرار رسمي من البنك المركزي أو تعليمات جديدة تتعلق بسحب الدولار الأمريكي من البنوك، كما لم يبلغ البنك الذي تعمل به العملاء بأنه تم تقييد سحب العملات الأجنبية.

وتوقعت أن يتم تطبيق قيود على السحب من البنوك (Capital Control) مؤكدة أن البنك عقد اجتماعا لهم وأبلغهم بمجموعة تعليمات غير مكتوبة مثل من يريد سحب دولار من حسابه عليه تقديم طلب لتوضيح سبب السحب، خاصة إذا كان المبلغ كبيرا ولا يتم صرف دولار إلا للمسافرين وذلك بعد تقديمهم التصريح الأمني الخاص بالسفر للبنك للتأكد من جدية سفره ووجهته ولا يسمح بصرف أكثر من ألف دولار.

وأوضحت نادين أن الأمر يختلف بالنسبة للمستوردين ، حيث عليهم تقديم بيان بالسلع التي يرغبون في استيرادها قبل الموافقة على فتح الاعتمادات البنكية أو الموافقة على تحويل عملة صعبة إلى الخارج.

 

سوق دليفري

في المقابل اضطر المستوردون للجوء إلى وسائل وحيل جديدة للحصول على الدولار من أجل أن ينقذوا شركاتهم ومصانعهم من الإغلاق ، ففي هذا السياق أكد أحد المستوردين ويعمل في مجال الطلمبات وقطع غيار النقل الثقيل ولديه شركة بمنطقة أغاخان في حي شبرا، أن الإجراءات المشددة على تداول الدولار زادت الأمر سوءا، وجعلتنا نلجأ لسوق ثالثة للعملة إلى جانب السوقين التقليديين البنوك وشركات الصرافة وهي "الدليفري" وكنا قد تركناها في عام 2017 تقريبا.

وقال المستورد إنه "يقوم بتسليم المبلغ المراد تحويله في مصر بالعملة المحلية (الجنيه)، ويتسلمها مندوب له أو المورد في الدولة التي سيتم تغيير العملة منها بالدولار وهؤلاء يحصلون عليها من الصرافة أو عن طريق تجميعها من المصريين المقيمين في الخارج  بأسعار تتراوح بين 18.50 و 19.60 مقابل رسوم بنسبة لا تتجاوز 5%.

وأشار إلى أن أسعار التحويل في دولة الإمارات تعتبر الأرخص عالميا لأن رسوم التحويل إلى خارج الدولة، ثابتة وغير مرتبطة بقيمة التحويل نفسه، على عكس باقي الدول التي تحدد رسومها كنسبة من قيمة التحويل.

 

كفيل أجنبي

وكشف مستورد آخر أن الحصول على الدولار من البنوك أصبح أكثر تعقيدا وباتت السياسة المالية تُدار بطريقة مُريبة؛ حيث قرر المركزي إلزام المستوردين والمصدرين استخدام الدولار الناتج من تعاملاتهم فقط.  

وتساءل كيف يتمكن من ذلك ومنتجاته يبيعها في السوق المصري بالجنيه؟ مؤكدا أن قرار المركزي يهدف الى محاربة المستوردين وليس محاربة السوق السوداء. 

وقال المستورد إذا كان هدف البنك المركزي تخفيف الضغط على الاستيراد والاتجاه للإنتاج، لكن قرارا مثل هذا من شأنه أن يوقف استيراد مستلزمات الإنتاج وستكون النتيجة إغلاق المصانع، مشيرا إلى أن ما يزيد الأمر سوءا أن المركزي يستثني من قراراته الشركات التي بها فروع أجنبية.

وتساءل هل إذا أراد رجل الأعمال المصري العمل عليه أن يجد كفيلا أجنبيا  داخل بلده  لكي يسمح له المركزي المصري بالحصول على الدولار وتسهيل الاستيراد والتصدير؟

Facebook Comments