تحت غطاء علماني بدعوى الحوار.. السيسي يتجه لبيع أصول الدولة

- ‎فيتقارير

 

 

 

يراد بالحوار الذي أطلقه الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي في 26 إبريل 2022م، أن يكون غطاء مدنيا لتوجهات وسياسات النظام العسكري ، خاصة فيما يتعلق بتوسع النظام في الاستدانة حتى بلغت الديون الخارجية في تسع سنوات فقط من 43 مليار دولار إلى 145 مليارا في ديسمبر 2021  واليوم تلامس الديون نحو 170 مليار دولار، ويبلغ بند خدمة الدين في مشروع الموازنة الجديدة (2022/2023) نحو 1,655 تريليون جنيه، بينما تبلغ الإيرادات المتوقعة نحو 1.517 تريليون جنيه ، بمعنى أن جميع إيرادات الدولة لا تكفي لسداد بند خدمة الدين فقط ،  كما يراد بهذا الحوار أن يكون غطاء لتوجه الحكومة نحو بيع أصول الدولة من أجل سداد فوائد الديون؛ في ظل تراجع موارد الدولة وارتفاع فاتورة الاستيراد لا سيما في الغذاء والوقود، وكان رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب، مصطفى مدبولي، قد أطلق الإثنين 13 يونيو 2022، الحوار المجتمعي بشأن وثيقة «سياسة ملكية الدولة»، معلنا عن تدشين منصة إلكترونية وتطبيق على الموبايل، لإجراء حوارات وورش عمل حول الوثيقة عبر المنصة، ولتسهيل التواصل بين الحكومة والقطاع الخاص فيما يتعلق بالوثيقة، وتتضمن الوثيقة التي أصدرتها الحكومة القطاعات الاقتصادية المختلفة، وموقف الدولة منها خلال السنوات الخمس القادمة، لتنقسم إلى قطاعات ستتخارج منها الدولة نهائيا خلال ثلاث سنوات، وأخرى ستُثبت استثماراتها فيها مع تقليلها لاحقا، وقطاعات أخرى ستتوسع الدولة في الاستثمار فيها، العجيب في الأمر أن الحكومة شرعت فعليا في بيع أصول الدولة دون انتظار نتائج الحوار؛ الأمر الذي لا يعني سوى أنه حوار شكلي يراد به أن يقوم العلمانيون كعادتهم بدور الكومبارس للتخديم على دور الحكومة ومنحه شيئا من الشرعية الشكلية المزيفة.

فالوثيقة بشكلها الحالي تُحقق هدفين: الأول تحقيق شروط صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بتخارج الدولة وإفساح المجال للقطاع الخاص، وهو الأمر وفي ضوء أجندة النقد الدولي لا يُراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية للبلدان النامية مثل مصر، وتضمنت الوثيقة الصادرة عن الحكومة فروقات طفيفة عن المسودة الأولى المنشورة قبل شهر، تتمثل هذه الفروقات في التراجع عن تخارج الدولة من النقل النهري، والذي كان متوقفا لحين تحديد جهة الولاية على النهر في المسودة القديمة، ليصبح قطاع النقل من القطاعات التي ستتوسع الدولة فيه، وفي حين كانت الدولة سترفع استثماراتها في قطاع المعلومات والاتصالات، تتضمن الوثيقة الرسمية تخارج الدولة فقط بنسبة 11% من القطاع، وكانت دراسة أعدها «المركز المصري للحقوق الاقتصادية»، والتي تحذر من التشريعات الاقتصادية في ظل نظام 30 يونيو في ظل سيطرة عدد من الشركات متعددة الجنسيات على مفاصل الاقتصاد المصري، مما يعكس وقوع الاقتصاد تحت قبضة رجال الأعمال الأجانب، خصوصا بعدما استولت تلك الشركات على60% من قطاع البترول و80% بالنسبة لصناعات الأغذية والدواء والاتصالات والإسمنت والألبان والزيوت و40% من حجم تداولات البورصة المصرية، علاوة على تحريكهم البورصة صعودا وهبوطا وفقا لتحركاتهم البيعية والشرائية، وبحسب الدراسة التي نشرت في 2015م، تمتلك الشركات متعددة الجنسيات ما نسبته 60% من صناعة الدواجن والسيارات وأغلب السلاسل التجارية وجزء كبير من المصارف والقرى السياحية والفنادق وقطاع الاستثمار العقاري في مصر، ومن أهم الشركات الأجنبية المستثمرة في مصر تأتي مايكروسوفت وجنرال إلكتريك وبي بي النفطية وكوكاكولا وكرايسلر وفورد وبريتش بتروليوم.

ويصل عدد العلامات التجارية الأجنبية المسجلة داخل السوق المصرية إلى نحو 28 ألف علامة مقابل 400 علامة مسجلة لشركات محلية، وهو ما يعكس سيطرة أجنبية كبيرة على مفاصل الاقتصاد المصري.

وبحسب دراسة حديثة نشرها موقع "الشارع السياسي" بعنوان « موجة الخصخصة الجديدة (2022) ملامحها ومخاطرها»، فإن الموجة الجديدة للخصخصة التي أعلن عنها الدكتاتور السيسي في حفل إفطار الأسرة المصرية يوم الثلاثاء 25 رمضان 1443هــ 26 إبريل 2022  وتمثلت في "وثيقة مللكية الدولة المصرية" التي أعلنتها الحكومة منتصف مايو 2022 ، تختلف كليا عن المحطات السابقة؛ ذلك أن النظام العسكري قديما كان يبرر الخصخصة التي بدأت مع صدور القانون رقم 203 لسنة 1991، بالتخلص من الشركات الخاسرة في وزارة قطاع الأعمال العام؛ أما اليوم فإن الخصخصة باتت هدفا بحد ذاتها وطالت قطاعات حساسة للغاية، والهدف منها هو بيع الشركات الناجحة والتي تتحقق أرباحا كبرى للدولة لتكون ملكيتها لشركات أجنبية أو حيتان القطاع الخاص وبذلك يتجه السيسي لبيع أصول الدولة المربحة من أجل تسديد فوائد الديون التي اقترضها خلال السنوات الماضية.

لكن الأكثر خطورة أن السيسي يتجه لبيع شركات حيوية في ملفات بالغة الحساسية للأمن القومي مثل قطاعات الكهرباء والمياه والنقل البري والبحري كالسكك الحديدية والمترو والموانئ وهي قطاعات تمثل رمزا على سيادة الدولة واستقلالها، فالمستفيد الأول من هذه الخصخصة هي الشركات الأجنبية وصناديق الاستثمار الخليجية، وحيتان السيسي من رجال الأعمال؛ وهناك توقعات بأن تعقد الحكومة صفقات لبيع الأصول إلى صناديق ثروة سيادية عربية، على نحو يتحقق معه هدفها بالتحصل على مستحقاتها مقابل بيع الأًصول بالعملة الأجنبية من ناحية، بالإضافة إلى القدرة على التفاوض مع إدارة تلك الصناديق حول مستقبل القطاعات الاقتصادية التي ستتخارج منها الدولة من ناحية أخرى، عبر الاستفادة من العلاقات السياسية بين السيسي ودول الخليج.

كما يتجه السيسي إلى طرح شركات في قطاعات غير تقليدية تتجاوز بكل تأكيد الشركات التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام وهو المجال التقليدي للخصخصة في مراحلها السابقة منذ بداية التسعينيات، بما في ذلك، شركات الكهرباء التي كان تحولها في مطلع الألفية الجديدة إلى صورة شركة قابضة للكهرباء يعد تمهيدًا للوصول لمرحلة طرحها أمام القطاع الخاص، إلا أن تلك الخطوة ظلت مستبعدة لفترة طويلة بسبب صعوبة إقناع القطاع الخاص بالاستحواذ أو الشراكة في مشروعات تتضمن دعما للمستهلكين دعم الكهرباء، في حين أن التخلص من دعم الكهرباء لاحقا يسمح الآن بتلك الخطوة».