وسط أزمات اقتصادية متلاحقة، وكأنها دائرة مغلقة من الأزمات والمشاكل التي يجر بعها بعضا، دخلت مصر نفقا مظلما من الأزمات المالية، وبات احتياطي مصر من النقد الأجنبي يقترب من الصفر أو بالسالب في تقديرات أخرى، فيما يذهب البعض إلى أن الأموال الأجنبية في بنوك مصر ليست مملوكة لمصر بالمرة، ومنهم من يقول إن "73% ليست لمصر وإنما لدول خليجية ، وهي أموال مستحقة يجري جدولتها وتمديد آجال سدادها، من حن لآخر بأسعار فائدة مرتفعة، وبتكاليف مالية أكبر".
ومع قرارات حكومة السيسي الفاشلة اقتصاديا، جرى وقف تمويل القطاع الخاص، سواء في الاستيراد أو التصنيع أو التصدير، وهو القرار الكارثي الجديد الذي بمقتضاه ستضرب مصر طامة من الارتفاعات القياسية في أسعار السلع والخدمات وغيرها.
وينتظر المصريون موجة ارتفاع جديدة في أسعار السلع الاستهلاكية والمحاصيل الزراعية والعقارات مع توقف البنك المركزي عن تمويل القطاع الخاص لدعم القطاع الخاص الصناعي والزراعي والمقاولات ونقل تبعية المبادرات القديمة إلى وزارة المالية ووقف مبادرات التمويل.
وقف مبادرات التمويل
ووفق مصادر اقتصادية، فإن مبادرات التمويل ستتوقف بالكامل تدريجيا خلال الأشهر المقبلة، إذ أخطر البنك المركزي، الأسبوع الماضي، البنوك المحلية ومجتمع المال والأعمال بالتوقف عن منح التمويلات المتعددة.
وهو ما يمثل ضربة قاصمة للقطاعات الصناعية مع اختفاء الدولار، وعدم قدرة كثير من المصانع والشركات على استيراد المواد الخام بشكل طبيعي، بسبب فشل البنوك في الإيفاء بحاجات الشركات من الدولار بشكل يومي للاستيراد، وهو ما يترتب عليه نقص في توفير العديد من السلع، ما يقود إلى تضرر قطاعات الصناعة التي تعطلت دورة عملها، إلى جانب الأثر الآخر المترتب على ارتفاع الأسعار.
ويحظر القرار الصادر عن رئيس وزراء الانقلاب، فإنه على أي جهة أو هيئة، بما فيها البنك المركزي، صياغة أو طرح مبادرات تمويلية منخفضة العائد أو تعديل أي مبادرة تمويلية قائمة تكون لها تكلفة على الخزانة العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، منظور أو محتمل، إلا بموافقة مجلس الوزراء، وبعد العرض من وزير المالية.
وينوب عن البنك المركزي وزارتا المالية، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، وصندوق دعم السياحة والآثار، وتتولى تلك الجهات الإشراف الفني والتنظيمي على المبادرات القائمة وضمن ذلك عملية إنشاء نظم المعلومات اللازمة لإدارتها مع تقليصها بشكل كبير.
استجابة لصندوق النقد
وتستجيب تلك الخطوة لمتطلبات صندوق النقد الدولي لإقراض مصر، وذلك لخفض مطالبة الخزانة العامة بأية تعويضات عن دعم البنك المركزي لهذه المبادرات، وجاءت بعد أقل من شهر على إعلان الصندوق توصله مع مصر إلى اتفاق تمويل يصل إلى ثلاثة مليارات دولار مدته ستة أشهر، إضافة إلى 6 مليارات أخرى من شركاء تجاريين.
ويمثل قرار وقف دعم المبادرات التمويلية ،طعنة جديدة لتوطين الصناعات في مصر وتخريب المصانع أكثر مما هي عليه الآن، إذ أن أغلب المصانع والشركات الإنتاجية تعتمد بالأساس على تمويلات بنطية، وهو ما يؤشر لبداية مرحلة جديدة من إغلاق المصانع وهجرة الاستثمارات خارج مصر، إذ تعاني أغلب الشركات والمصانع من ركود وكساد في البضائع والمنتجات، إثر تراجع القوة الشرائية وتعثر أغلب المصريين.
ويعتبر القطاع العقاري أكبر المتضررين من قرار وقف التمويل، لكن ما حدث يؤشر على أنه لا رؤية واضحة للحكومة بشأن آليات دعم الاقتصاد.
ويرى خبراء أن إيقاف مبادرة القطاع الصناعي بشكل مفاجئ أمر خطير يضيف فوق كاهل المصانع أعباء إضافية متمثلة في تكلفة رأس المال، فضلا عن تحرير أسعار الطاقة والمشكلات التي تواجه المصنعين في الحصول على التراخيص والأراضي وغيرها من الأعباء التقليدية.
انكماش الإنتاج المحلي
وبالتالي فإنها تضع ثقلا جديدا على تكلفة رأس المال، وستكون النتيجة الحتمية هي انكماش حجم الإنتاج المحلي، وقد يصل الأمر إلى توقف صناعات عديدة في حال عدم قدرتها على تحقيق أرباح.
يشار إلى أن الحكومة حين توسعت في تقديم المبادرات منخفضة الفائدة إلى قطاعات عديدة من خلال البنك المركزي استهدفت بالأساس توطين الصناعة الوطنية وتخفيف الاعتماد على الاستيراد لتوفير مزيد من الدولارات.
وبالقرار الأخير فإنها تقضي على كل ما أقدمت عليه خلال السنوات الماضية، بل إنها أمام أزمات مضاعفة من جراء ندرة الدولار وتضاعف حجم الديون الخارجية، وبالتالي فإنه سيتم إرجاء أي خطط من شأنها تعميق الصناعة الوطنية.
وكانت القاهرة تعول على ارتفاع قيمة الصادرات الخارجية لدعم البلاد بالعملة الأجنبية، خصوصا في ظل شح الدولار الأمريكي مع تراجع قيمة الجنيه المصري ليخسر نحو 55% من قيمته في 2022، في ظل تراجع الإيرادات السياحية، وثبات إيرادات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وبلغ عدد المبادرات التي أطلقها المركزي المصري منذ العام 2015 أكثر من 20 مبادرة، من بينها مبادرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة 5% سنويا وضخ تمويلات فيها بأكثر من 400 مليار جنيه، إضافة إلى مبادرة للتمويل العقاري بفائدة 7 و8% لمحدودي ومتوسطي الدخل قبل وقفها، ثم إصدار مبادرة لمتوسطي الدخل بفائدة 8% سنويا، وأخرى بفائدة 3% سنويا لمحدودي ومتوسطي الدخل.
نتج من تلك المبادرات منح تسهيلات ائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة تصل إلى 213 مليار جنيه لعدد 126 ألف شركة صغيرة ومتوسطة، بخلاف التمويل متناهي الصغر لعدد ما يزيد على 900 ألف عميل متناهي الصغر، إلى جانب الموجه من البنوك لشركات وجمعيات التمويل متناهي الصغر والذي بلغ نحو 14 مليار جنيه ومكنها من الوصول إلى ما يقرب من 4 ملايين مقترض، بحسب بيانات رسمية.
ومع عشوائية القرارات الحكومية تتزايد أزمات المصريين ومعاناتهم الاقتصادية المتنوعة والتي تبدو عديدة ومتطورة ومتسارعة، تدفع الجميع نحو الهاوية الاقتصادية والاجتماعية.