يحاول بعض الذين تورطوا في 30 يونيو أن يخففوا من الجريمة من خلال التفريق بين 30 يونيو و3 يوليو؛ زاعمين أن الأول هو مظاهرات شعبية جارفة ضد حكم الإخوان وهي إجراء سياسي وديمقراطي لا غبار عليه، بينما الثاني (3 يوليو) كان انقلابا عسكريا لكن معظم المشاركين في مظاهرات 30 يونيو لم يكونوا عارفين بأن هناك انقلابا عسكريا يتم تدبيره في الخفاء داخل الدولة العميقة وعلى راسها الجيش والمخابرات والأمن الوطني. يريدون بذلك أن يبرؤوا ساحتهم من هذه الجريمة العظمى التي أوقعت مصر تحت عسكري بالوكالة عن القوى الغربية التي تحتل بلادنا منذ عقود طويلة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
من هؤلاء ما كتبه المحلل السياسي جمال سلطان "رئيس تحرير جريدة المصريون" والمقيم حاليا في تركيا، تعليقا على اعتذار المهندس ممدوح حمزة عن المشاركة في 30 يونيو طالبا من الله أن يغفر له. حيث دون الكاتب الصحفي جمال سلطان على حسابه الخاص بموقع "فيس بوك": «الدكتور ممدوح حمزة @MAMDOUH_HAMZA شخصية وطنية نبيلة، وصادقة مع نفسها ومع وطنها، حتى عندما يخطئ في اجتهاده السياسي فهو لا يخطئ خيانة أو ارتزاقا وإنما يخطئ انحيازا وولاء للوطن، وعندما يعترف بخطأ اجتهاده يؤكد من جديد على نبل وشرف مواقفه، كل التحية والتقدير لكلماته النابعة من القلب».
فهل كانت مظاهرات 30 يونيو اجتهادا سياسيا كما يرى سلطان؟!
في البداية يتعين الترحيب بتوبة ممدوح حمزة وغيره إلى مثل هذه التوبة؛ فالرجوع إلى الحق أول، لكن لا يتعين مطلقا السكوت على تهوين البعض لجريمة 30 يونيو، لأن هذه الحشود مثلت غطاء شعبيا لجريمة الانقلاب ذاتها، ولولا 30 يونيو ما كانت 3 يوليو. فقد تبرهن للجميع أنها حشود مدبرة جرى تمويلها على نحو واسع من إسرائيل والإمارات والسعودية وتخطيط وإشراف أمريكي مباشر من خلال سفيرتهم في القاهرة "آن باترسون"، وكان للكنيسة دورها المشهود في هذا اليوم؛ فحشودها كانوا السواد الأعظم، إلى جانب فلول نظام مبارك الذين حركتهم الدولة العميقة للانقضاض على ثورة يناير ونسف المسار الديمقراطي كله.
قد يقول أحدهم ولكن هذه الحقائق قد انكشفت تباعا على مدار السنوات الماضية بعد الانقلاب، أما أثناء الحدث نفسه في منتصف 2013 فإن الدوافع التي حركت بعض المشاركين هي دوافع وطنية بامتياز رفضا لحكم الإخوان، كما أن هؤلاء الذين شاركوا بدوافع وطنية لم يكونوا على علم بمخطط الانقلاب على النحو الذي جرى من جانب الدولة العميقة!
تلك شبهة أخرى؛ لكن المقال الذي كتبه الناشط السياسي أحمد ماهر ، المنسق العام لحركة 6 إبريل سابقا، نسف هذه الشبهة من جذورها، فمقال ماهر الذي جرى تسريبه في مايو 2014 عندما كان معتقلا والذي تم نشره على عدة مواقع إلكترونية تحت عنوان (للأسف كنت أعلم). يؤكد فيه، أنه كان يعرف بأمر الانقلاب العسكري منذ فبراير 2013م. وأن الجميع (القوى المدنية العلمانية) كانوا يعرفون، ويحرضون عليه ويشاركون فيه. ويقر بأن القوى العلمانية كانوا على دراية مسبقة بمخطط الانقلاب وافتعال العنف وسفك الدماء للتمهيد له.
أمام هذا الاعتراف الصريح من ناشط بحجم أحمد ماهر ورمزيته وقربه حتى من المهندس ممدوح حمزة يجعل من المشاركة في 30 يونيو جريمة ضد الدستور والقانون والدولة ذاتها، لتمتد هذه الجريمة إلى المشاركة في حشود هدفها نسف كل مكتسبات ثورة يناير وتدمير المسار الديمقراطي كله وعودة مصر إلى الوصاية العسكرية من جديد؛ كل ذلك لثلاثة أسباب:
- الأول، الكراهية العمياء من جانب العلمانيين للتيار الإسلامي، وهي كراهية متجذرة في نفوسهم وتكوينهم الشخصي ، تغذيها عنصرية متأصلة بداخلهم ورفض للتعايش المشترك من الآخر المختلف لا سيما إذا كان إسلاميا. ويمكن استثناء قلة قليل من العلمانيين من هذا المرض العضال.
- الثاني، هو الطمع في السيطرة على الحكم أو المشاركة فيه بدون تفويض شعبي وبدون إرادة الجماهير الحرة. فلما يئس العلمانيون من الفوز بثقة الجماهير لأن الإسلاميين يحظون بشعبية جارفة، فضلوا تدمير المسار الديمقراطي كله وسحق الإسلاميين وعودة العسكر على أمل أن يسهم ذلك في سيطرتهم على الحكم بأدوات العنف والإرهاب والانقلاب العسكري.
- الثالث، هو عدم الإيمان بالديمقراطية بمعناها الصحيح، وعدم التسليم بنتائج الانتخابات الحرة النزيهة التي جرت بعد ثورة يناير؛ فقد برهن العلمانيون أن الديمقراطية بالنسبة لهم هي مجرد سبوبة وشعار كانوا يسترزقون به؛ لكنهم سقطوا سقوطا مريعا أمام الاختبار الحقيقي. فقد كانت انتخابات البرلمان على الأبواب بعدما حل البرلمان الشرعي بحكم مسيس من جانب ما تسمى بالحكمة الدستورية العليا في يونيو 2012م، معنى ذلك أنه بإمكانهم الفوز بالبرلمان وتشكيل حكومة ائتلافية وقد كانت ـ وفق دستور 2012 ـ صلاحيات رئيس الحكومة لا تقل عن صلاحيات الرئيس في شيء، لكنهم فضلوا الصعود إلى السلطة على ظهور الدبابات وصناديق الذخيرة بدلا من صناديق الاقتراع؛ ولذلك كوفئوا بوزارة الدكتور حازم الببلاوي التي شكلتها ما كانت تسمى بجبهة الإنقاذ.
لكن يبقى موقف السيد جمال سلطان غريبا بعض الشيء؛ لماذا؟
لأن سلطان محسوب على الإسلاميين منذ عقود، وللحق فإنه موهوب في أسلوبه وسرده وتحليلاته السياسية؛ ولكن كشفت تجربة السنوات الماضية أن الحرب على الإسلام والعمل على تهميشه داخل المجتمعات المسلمة أحد الأسباب القوية فيما جرى في مصر والمنطقة خلال مرحلة الربيع العربي التي يراد لها أن تبقى على الدوام تعيش في ظل استبداد وطغيان مدعوم على الدوام أيضا من جانب القوى الغربية المهيمنة حتى يبقى المشروع الصهيوني آمنا يستنزف بلادنا وقوتنا ويفتت على الدوام وحدتها الممكنة لو حكمت الشعوب وتخلصت من الطغيان.
فلماذا انحاز سلطان لباطل الانقلاب على حساب الحق ومناصرة الرئيس الشرعي المنتخب؟ ولماذا لم ير ما في حشود 30 يونيو من مؤامرة كانت واضحة المعالم لكل ذي بصيرة؟! بل إن سلطان ذهب لأبعد من ذلك لاحقا عندما واصل عناده ضد الحق رغم البراهين والآيات التي ساقها الله ليستبين الناس الحق من الباطل، فكتب عدة مقالات يتهم قيادات الإخوان بالمسئولية عن مذابح رابعة والنهضة وغيرها. لمجرد أنهم حسب فطرتهم السوية رفضوا الظلم الذي يتعرضون لها ووقفوا أمام زعيم عصابة اختطف الدولة وسفك الدماء الحرام. قد نختلف على طريقة المقاومة للظلم، وقد لا يعجب البعض سوء تقدير الموقف، لك كل ذلك لا يعني مطلقا الانحياز للجلاد على حساب الضحايا والانحياز للمجرمين على حساب الأبرياء.
بعد الانقلاب مباشرة كانت كتابات هويدي والمستشار طارق البشري ووائل قنديل وغيرهم تحذر من الانقلاب وتوابعه، وكتب البشري عدة مقالات يؤكد فيها أن الصراع القائم في مصر هو بين الديمقراطية والحكم والانقلاب العسكري وليس بين الإخوان ومعارضيهم. لكن سلطان ذهب بعيدا رغم أنه كان محسوبا على مثل هذه النوعية من الكتاب؛ فما أسباب ذلك؟
يعزو البعض أسباب ذلك إلى عدم اختيار الرئيس مرسي سلطان أو أخيه محمود في عضوية مجلس الشوري (النسبة المعينة)، وهو ما جعل سلطان يتخذ مسار صداميا مع الإخوان منذ ذلك الحين؛ فسلطان يرى نفسه من نخبة المفكرين الإسلاميين الذين يستحقون وضعا أفضل لكن عدم تقديره من جانب الرئيس مرسي رحمه الله والإخوان على النحو الذي جرى استفزه على المستوى الشخصي فاتخذ مسارا متطرفا من الجماعة، وهناك شهود على هذه الحادثة.
قد يصح ذلك وقد لا يصح، ولكن في كل الأحوال، فإن سلطان يستحق أن يكون سباقا للتوبة من ممدوح حمزة وغيره، فقد ناله من أذى النظام ما ناله حتى حيل بينه وبين وطنه وأهله، فهو صاحب قلم كالسيف، والولاء للإسلام هو أعظم شيء في الوجود، والانحياز للحق والحرية والعدل هو عين ما يتعين على سلطان (كان كذلك بالفعل) الدفاع عنه مجردا من الهوى وما يتعلق بالنفس من شهوات فانية، حتى لو لم يحظ بالتقدير الذي يستحقه من جانب إخوانه.