ذكرى تنحي مبارك.. العسكر سرقوا الثورة ودمروا طموحات الشباب

- ‎فيتقارير

رغم مفصليته في الثورة المصرية؛ إلا أن يوم 11 فبراير 2011 لم يعد يثير نفس الشعور لدى غالبية المصريين الذين رقصوا في الشوارع يومها ابتهاجا برحيل حسني مبارك بعد 30 عاما من الفشل السياسي وتالاقتصادي والاجتماعي؛ إلا أن ما رآه المصريون بعد 2013 ربما أفقدهم تلك السعادة التي شعروا بها لفترة محدودة إلى أن انقلب العسكر على الثورة وسرقوا الفرحة وأحلوا قومهم دار البوار.

ويبدو أن تطورات الحالة المصرية التي أصابت المصريين بالدوار وانعدام التوازن بحسب (أ ف ب)، أسفرت عن عدم اهتمام الملايين بذلك الحدث الأشهر الذي كان علامة على انتهاء عهد طويل من الظلم والقمع، إلا أنه بعد عامين فقط عاد الظلم أكثر شراسة وأقوى فتكا بالثورة والمواطنين وأحلام الحرية والعدالة.

وكان آخر ملامح السنوات العجاف الأخيرة ظهور أسرة مبارك (علاء وجمال) في عزاءات داخل وخارج البلاد بعد أن حصلوا على براءات في أغلب القضايا التي أشعلها ضدهم متظاهرو التحرير ومناصرو ثورة يناير والطامحون لتحقيق أهدافها وكا، ابرزها محاكمة المخلوع على جرائمه الممتدة ل30 عاما من 1980 إلى 11 فبراير 2011.

عبدالفتاح السيسي مدير المخابرات الحربية في عهد المخلوع كان استمرارا لمبارك، بالإضافة إلى باقي رجال عهد مبارك الذين واصلوا المشوار بعد رحيل رئيسهم تحت قيادة ديكاتاتور آخر. بالإضافة إلى عودة أمن الدولة في ثوب جديد وتحكم الأجهزة الأمنية في أغلب مناحي البلاد وتحكيم الدولة البوليسية على العباد والبلاد.

وأعلنت عائلة مبارك انتهاء القضايا المرفوعة ضدها بتبرئة ساحتها، وأعلنت بموجب هذا صدر “قرار أوروبي” أن عائلة مبارك حرة التصرف في “أموالها” التي هي أموال الشعب قدرتها الجارديان بنحو 70 مليار دولار في بنوك أوروبا وحيازات وقصور في بريطانيا وفرسا وايطاليا وسلبها لنفسه، ليستكمل السيسي مسيرته في هذا الجانب أيضا ويحول إلى الآن نحو 93 مليار دولار -الرز الذي تحصل عليه من الخليج – في بنوك أوروبية بحسب مقطع فيديو منتشر لسفيرة الخارجية الامريكية في مصر آن باترسون.

رحل حسني مبارك بعدما ساءت أيامه الأخيرة وأجبره العسكر أن يواصل الكذب في هزلية فتح السجون والمتهم فيها حركة حماس وحزب الله اللبناني، حتى قبل نحو شهر من وفاته في 2020، يساق ليرد بإجابات مبرمجة بعدما كان مشهد مقتل أول رئيس مدني منتخب د.محمد مرسي ماثلا أمام عينينه خشي مبارك أن يموت ميتة شريفة كالتي اختارها مرسي وفضل أن يموت كما مات صفوت الشريف أو كما مات يوسف والي وعليهما وزر سنوات من الكذب والخداع.

متظاهرو التحرير

المتظاهرون في ميدان التحرير رفعوا الأحذية في اتجاه الشاشة التي كانت تنقل خطاب مبارك بعدما وصلوا إلى جمعة التحدي أو جمعة النصر للشعب، ليل الجمعة بعد خطاب مبارك الذي رفض فيه ترك السلطة، ووعدوا باختبار قوة جديد اليوم الجمعة معلنين عن تظاهرات ضخمة.

هتف المتظاهرون: “يا جيش مصر اختار، الشعب أو النظام”، موجهين حديثهم إلى رجال القوات المسلحة المنتشرين في الميدان. وهتفوا “يسقط مبارك، يسقط مبارك، ارحل ارحل”.

بدأ المتظاهرون يتجمعون ليستمعوا لمبارك، عمر سليمان عاد يكرر في خطابه كنائب لمبارك عبر التلفزيون الدعوة للجميع ليعودوا إلى بيوتهم، وصاح المتظاهرون “ع القصر رايحين شهداء بالملايين”، ودعا آخرون إلى بدء إضراب مدني عام حتى سقوط النظام.

ناشطو يناير ورموز الثورة وقتئذ قبل خطاب ليل الجمعة حذروا من انفجار الوضع في مصر، داعين الجيش إلى التدخل لإنقاذ البلاد كي لا تنجرف مع التيار، بحسب محمد البرادعي وهو ما كرره مع الرئيس المنتخب المدني د.محمد مرسي!

محطة التليفزيون الأمريكية «سي ان ان»، استضافت “البرادعي” فاعتبر عدم رغبة مبارك في التنحي تضليلاً وقال: “.. الناس هنا غاضبون جداً، وخوفي الكبير هو ان يتحول الغضب إلى عنف”.

وأضاف، “إنه أمر مذل بالنسبة لرئيس أن يكون دون سلطة ولكنه يريد مع ذلك أن يبقى رئيساً، إنه وضع مريع»، معتبراً أن المصريين لن يقبلوا في أي حال مبارك ونائبه، وأردف قائلاً إن “سليمان ليس إلا امتداداً لمبارك، إنهما توأمان، وأي منهما ليس مقبولاً من الشعب”.

الجيش جهز للتنحي

ومع مغرب 11 فبراير، وبعد أداء الصلاة، صدر بيان من رئاسة الجمهورية يعلن فيه محمد حسنى مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وتسليم إدارة شئون البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية!

وكان المشير طنطاوي قد تولي وزيرا للدفاع في مايو 1991 قبل 10 سنوات من ثورة المصريين في يناير 2011 وهي السنوات الأكثر ظلما في عهد مبارك .

ولذلك لم يكن غريبا أن يجهز الجيش الميدان للاحتفال بما خطط له بـ”إنجاز” حققته الثورة المصرية وأن تخلي مبارك عن السلطة كان أكبر مطالب الثوار في حين كان أكبر مطالب مجلس العسكر (الذئب المتربص بمقدرات المصريين)!

اللواء إسماعيل عتمان، مدير الشئون المعنوية الأسبق، قال في حوار مع مصطفى بكري إن “المشير محمد حسين طنطاوي كان دائما ما يؤكد لنا ضرورة أن تكون القوات المسلحة جهة الأمان للشعب، مشيرا إلى أن ذلك يعطي أهمية كبيرة للبيانات التي تصدر خلال أحداث يناير 2011”.

وأكد عتمان، أن “البيان الأخير لتنحي مبارك تعبنا فيه وكله كان بناء على توجيهات المشير طنطاوي وقالي خد البيان وديه التليفزيون شخصيا”.

وبعد خطاب التنحي، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بيانه الثالث يقول إنه سيحدد لاحقا الخطوات والإجراءات والتدابير التي ستتبع بعد تنحي مبارك ويؤكد أن ذلك ليس بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب.

وتابع مدير الشئون المعنوية الأسبق، أن طنطاوي، عندما تولى منصب وزير الدفاع  وضع استراتيجية للقوات المسلحة بأن يتم تطويرها، وفي نفس الوقت وضع مصلحة الوطن.

وأشار عتمان إلى أن جهاز الخدمة الوطنية وضع أسسًا ومبادئ لعمله لتحقيق اكتفاء ذاتي للقوات المسلحة وعدم الضغط على الدولة في طلبات القوات المسلحة.
 

المصريون كابدوا
بعد وفاة مبارك بأيام في 25 فبراير عام 2020، كتب أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد تحت عنوان “مبارك وشهادة التاريخ” أن “التاريخ لا يعتد كثيرا بردود الفعل الوقتية هذه، وإلا لكانت فكرتنا أكثر إيجابية عن شخصيات تركت مسرح الحياة والسلطة بطريقة أو بأخرى، وبكاهم المواطنون، ولكن حكم التاريخ بعد مغادرتهم الدنيا بعقود، بل وأحياناً بسنوات قليلة، كان أقل رأفة بهم”.

وأضاف “السيد” أن عقد الثمانينيات من الناحية الاقتصادية بأنه “كان عقدا ضائعا في تاريخ مصر، وخصوصا في نصفه الثاني الذي تباطأ فيه كثيرا معدل النمو”. وأشار إلى أن عودة الاقتصاد للنمو في النصف الثاني من العقد الثالث لمبارك (2000 – 2010) وتجاوز النمو في ذلك العقد 5.2 % في المتوسط سنوياً، “فقد كان نموا لا تسقط ثمراته على الفقراء أو لا يبدو كذلك”.

وأوضح أن “الأرقام المتوافرة عن نسبة الفقراء أو توزيع الدخل لا تقطع بأن أوضاعهم كانت أسوأ مما عليه الحال في الوقت الحاضر، لكن المؤكد أن الخدمات التي يتطلع إليها الفقراء ومحدودو الدخل من تعليم ورعاية صحية ومواصلات عامة وسكن لائق في متناولهم وفرص عمل مناسبة لم تتحسن على رغم ذلك النمو في عهد مبارك إن لم تكن ساءت”.

 

وعن الحكم على سوء الأوضاع أو تحسنها قال “في العرف الشعبي لا يتوقف ذلك كثيراً عند نسبة النمو السنوي أو معدل التضخم أو قيمة الفائدة، كما لا يأخذ الأسباب العالمية ولا يلتفت إلى ربط الخبراء بين اقتصاد الأمس ومآله اليوم أو إدارة الأصول وجدولة الديون وآفاق التعديل وإمكانات التغيير. الحكم يتم بمقاييس أخرى تماماً بعضها لا يخضع للمنطق أو يتوافق مع العقل، لكنها تظل مقاييس”.