كيف استرضى السيسي الجيش قبل بيع “وطنية” و”صافي”؟

- ‎فيتقارير

شرعت حكومة الانقلاب في طرح شركتي الوطنية لبيع وتوزيع المنتجات البترولية "وطنية"، والوطنية لإنتاج وتعبئة المياه الطبيعية والزيوت النباتية والأملاح "صافي"، وسوف تبدأ عملية البيع  من الأربعاء (15 مارس2023م)، وذلك عن طريق مستشار الطرح، الذي سيتولى «التواصل مع المستثمرين وإتاحة البيانات الخاصة بالشركتين». وكان رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي قد صرح الخميس الماضي(09 مارس)، في مؤتمر صحفي، إن حكومته تفضل بيع الشركات الكبيرة للمستثمرين الاستراتيجيين، بدلًا من الاكتتاب العام، ضاربًا المثل بشركات التأمين والبنوك.

ولم تفصح حكومة الانقلاب في بيانها الذي أصدرته بهذا الشأن عن هوية مستشار الطرح، ولا الكيفية التي سيتم بها، بينما رجح مدحت نافع، أستاذ التمويل في جامعة القاهرة، أن يستند الطرح الجديد إلى «عملية طرح خاص تتم في سوق خارج المقصورة أو إلى عملية بيع لمستثمر أو أكثر خارج البورصة عبر تفاوض بين الطرفين».   وهو عين ما صرح به مدبولي. بمعنى أن عملية البيع ستتم عبر التفاوض بين الحكومة والمستثمرين الاستراتيجيين وليس عبر الطرح في البورصة؛ وفسر نافع البيع خارج البورصة، بأنه «يختلف من حيث إن تحديد السعر يتم عبر التفاوض بين الطرفين لا المزايدة». ويتطلب القيد في البورصة المصرية عددًا من الشروط، أهمها أن تلتزم الشركة بإنشاء موقع إلكتروني لنشر البيانات والمعلومات التي تحددها إدارة البورصة، وتقدم القوائم المالية للشركة لثلاث سنوات مالية سابقة.

ويمتد عمل شركة «صافي» لإنتاج وتعبئة مياه الشرب الطبيعية، وإنتاج وتعبئة زيت الزيتون، وكذلك إنتاج وتعبئة مخللات الزيتون بأنواعها، فضلًا عن الملح حسب موقع الشركة. وتمتلك شركة «وطنية» 255 محطة تموين وقود، بالإضافة لـ20 محطة أخرى قيد الإنشاء، كما تخطط لإنشاء 25 محطة ليصل إجمالي محطاتها لـ300 محطة، وفقًا لموقع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

وكان صندوق مصر السيادي، أضاف في يناير الماضي شركتي «صافي» و«وطنية» إلى صندوق ما قبل الطروحات التابع له، والذي أسس في سبتمبر الماضي(2022) كصندوق فرعي يختص بإعادة هيكلة الأصول المملوكة للدولة، وطرحها على القطاع الخاص.

وحسب موقع "مدى مصر" فإن الإعلان عن بدء إجراءات طرح الشركتين للخصخصة، جاء بعد أكثر من ثلاث سنوات من إعلان أيمن سليمان، التنفيذي لصندوق مصر السيادي، في فبراير 2020، أن الصندوق يجري تقييمًا لعشر شركات مملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، لطرحها على المستثمرين المحليين والأجانب، مشيرًا في حينه إلى أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أبدى سعادته بالتخارج من تلك الأصول حتى 100%.  وجاءت تصريحات سليمان بعد أشهر من تصريحات للسيسي دعا فيها للمرة الأولى لطرح بعض شركات الجيش في البورصة.

ويأتي طرح «وطنية» و«صافي» ضمن برنامج الطروحات الحكومية الذي يشمل في مرحلته الحالية 32 شركة في قطاعات متعددة، أعلن عنها مدبولي في فبراير الماضي، ومن أبرزها قطاعات التأمين والطاقة والفنادق والعقارات والبنوك، والتي نشرت «مدى مصر» عنهم تقارير مفصلة. وبخلاف «صافي» و«وطنية»، كذلك أشار بيان مجلس الوزراء لنية الحكومة طرح «أربع شركات كبرى أخرى من خلال بنوك استثمار دولية»، دون الإعلان عن هوية الشركات التي سيجري عرضها أو تقديم إطار زمني للطرح.

 

ترضية الجيش

وحسب ورقة بحثية نشرها موقع "الشارع السياسي" بعنوان: (كيف روَّض السيسي الجيش للقبول ببرنامج الخصخصة؟)، فإن السيسي قبل إعلان الحكومة في 08 فبراير 2023 عن خطة الخصخصة الجديدة، استرضى الجيش بإجراءين قبل الموافقة على بيع شركتي (وطنية وصافي) لمستثمرين أجانب،: الأول، هو تخصيص نحو 15 ألف كم من أراضي الدولة للجيش على جانبي 31 طريقا استراتيجيا. حيث أصدر السيسي الأحد 29 يناير22م قرارا جمهوريا رقم 17 لسنة 2023م؛  يقضي بتخصيص الأراضي الصحراوية الواقعة بعمق كيلومترين كاملين على جانبي 31 طريقاً رئيسياً لصالح الجيش، ما يحول الأخير فعلياً إلى أكبر مالك للأراضي القابلة للتنمية والترفيق والتطوير والاستثمار في البلاد، ويمنحه ميزة تنافسية على حساب الحكومة وهيئاتها المدنية، وكذلك المستثمرين.  القرار يعني بكل وضوح أن السيسي يمنح الجيش باليمين أضعاف ما أخذه منه باليسار في خطة الخصخصة الأخيرة، بما يكرس وضعية الجيش ومركزيته في اقتصاد البلاد؛ وبالتالي فإن أي حديث عن تخارج الجيش من الاقتصاد هي مجرد مسرحية هزلية لا أساس لها من الصحة.

الثاني، هو إعلان السيسي أن صندوق هيئة قناة السويس المرتقب إنشاؤه بعد موافقة البرلمان على قانونه سيكون تحت إدارة مؤسسة سيادية في إشارة إلى الجيش؛ فالسيسي يعد الجيش بمنحه امتياز حق إدارة قناة السويس كتعويض أكبر بكثير من شركتي وطنية وصافي؛ وقد انتهى تحليل أعده الباحث السياسي ماجد مندور والمنشور على موقع "صدى" التابع لمركز مالكوم كير ـ كارنيجي إلى أن هيئة قناة السويس لطالما كانت خاضعة لسلطة المؤسسة العسكرية، حيث يتسلّم ضباط سابقون في البحرية رئاسة الهيئة من دون انقطاع منذ عام 1964، ويؤكد أن الجيش يتقاضى عمولة غير رسمية على جميع المراكب التي تعبر القناة. وبالتالي فمشروع قانون صندوق هيئة قناة السويس الذي أقره البرلمان مؤخرا يستهدف الحفاظ على هذا التقليد؛ حيث أعلن السيسي أن الصندوق سيكون تحت إشراف "كيان سيادي"، وهو مصطلح مخفَّف تُقصَد به أجهزة الاستخبارات أو المؤسسة العسكرية. أدلى السيسي بهذا الكلام على الرغم من أن التعديل ينصّ على أن سلطة التعيينات في مجلس إدارة الصندوق منوطة بمجلس الوزراء الذي هو – نظريًا – هيئة مدنية. سوف يتيح ذلك، بصورة أساسية، للجيش الوصول إلى الصندوق غير الخاضع للإشراف، حيث يمكنه سحب مبالغ طائلة من عائدات القناة من دون أي رقابة مدنية.

 

غياب إرادة الإصلاح

ويضيف التحليل أنه عند التدقيق في دوافع قرار نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي لإنشاء صندوق خاص لهيئة قانون السويس، يتّضح أن القرار الذي اتّخذه النظام بإنشاء الصندوق هو مؤشرٌ على غياب الإرادة السياسية لإصلاح الصيغة العسكرية لرأسمالية الدولة. على النقيض، يبدو أن النظام يتمسّك أكثر بسياسته». ويرى أن نأ  الهدف من مشروع قانون صندوق هيئة قناة السويس ــ حسب تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي ــ هو السماح لهيئة القناة بتكوين احتياطياتها النقدية الخاصة لتمويل المشاريع الإنمائية الضرورية في القناة من دون أن تُضطر إلى العودة إلى وزارة المالية للحصول على الأموال اللازمة. وحسب مندور فإن تعديلات مشروع القانون ستجعل هيئة قناة السويس مفتوحةً أمام الجهات الاستثمارية الخاصة، في حال اختار الصندوق المقترح بيع بعض أصوله، أو إنشاء شركة مع جهة منتمية إلى القطاع الخاص. ولكن اللافت هو أن التعديل المقترح لم يأتِ على ذكر أي إشراف تشريعي على عمليات الصندوق. وفي 19 ديسمبر (22م)، أبدى مجلس النواب موافقته المبدئية على تعديل القانون رقم 30 الصادر في عام 1975، المتعلق بتنظيم عمليات هيئة قناة السويس. ينص التعديل على إنشاء "صندوق قناة السويس" حيث يُستثمَر فائض الإيرادات التي يحققها تشغيل القناة. ويجوز للصندوق أيضًا تأجير الأصول وبيعها وشراؤها، وإنشاء الشركات، والاستثمار في الأدوات المالية. وتَقرّر أن يكون للصندوق مجلس إدارة يعيّنه مجلس الوزراء ويقوده رئيس هيئة قناة السويس.