“رابعة السودانية” لماذا كشف حميدتي سر الكتيبة المصرية المختبئة في قاعدة “مروي”؟

- ‎فيتقارير

في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع السودانية على قاعدة مروي الاستراتيجية العسكرية، نشرت مقطعا مصورا على حسابها في تويتر قالت إنه "لجنود مصريين استسلموا لها في القاعدة العسكرية كانوا ضمن كتيبة من الجيش والقوات المصرية" وبات السؤال ماذا تفعل تلك الكتيبة هناك منذ العام 2021 وحتى الآن؟

يقول المتحدث الرسمي باسم عصابة الانقلاب في القاهرة إن "الكتيبة المصرية التي استسلمت لقوات الدعم السريع كانت ضمن تدريبات مشتركة باسم "حماة النيل" فهل كانت تلك الحقيقة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وأنه لولا تلك الأحداث الجارية في السودان، لتفاجأ الأشقاء هناك بقوات السيسي تمطرهم بالرصاص في مجزرة ربما لا تختلف عن مجزرة رابعة والنهضة في مصر.

 

لماذا نحن هنا؟

كان من الذكاء العسكري أن يتحرك "حميدتي" نحو قاعدة مروي، ليكشف المستور بين السيسي والبرهان، وكان هو نفسه مرحب به قبل الاقتتال الأخير، وربما خشى حميدتي أن يستعين البرهان بالكتيبة المصرية في القتال ضد قوات الدعم السريع، أما القول إن تلك القوات كانت لإرهاب أثيوبيا أو لتدمير سد النهضة فقد فات آوانه، والدليل أن أثيوبيا تعلم بوجود تلك الكتيبة ومع ذلك شرعت في الملء الرابع للسد غير آبهة بوجودها، لأنها تملك توقيع السيسي في 2015 بالموافقة على بناء السد. 

وحتى يتم إماطة اللثام عن الدور الحقيقي للكتيبة المصرية الداعمة لانقلاب البرهان، لابد من العودة إلى مكان آخر تفوق فيه الجيش المصري على الأعداء، ولم يكن الأعداء سوى أبناء الوطن من المصريين في ميدان رابعة العدوية شرقي القاهرة، والزمان صباح يوم 14 أغسطس 2013، حيث كان يرابط عشرات الآلاف من المصريين الرافضين لانقلاب عبد الفتاح السيسي والمنادين بعودة الرئيس المنتخب محمد مرسي، وكان شهرهم الثاني في الاعتصام.

لا يختلف حراك السودانيين الرافضين لانقلاب البرهان عن حراك المصريين الرافضين لانقلاب السيسي؛ فكانت مجزرة هنا في القاهرة صب فيها الجيش المصري النار على آلاف المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، فيهم النساء والأطفال والشيوخ، فأثخن قتلا وحرقا وعاث فسادا ودمارا حتى ضج الميدان واختلط الأموات بالأحياء، وحُرّقت الجثث وتطايرت الأشلاء وضاعت الهويات، وغصت المستشفيات والمشارح.

صبّح الجيش المعتصمين وهم هاجعون بعد صلاة الفجر، وقد بدأ الهجوم من شارع طيبة مول ثم شمل كل المداخل الرئيسية، واقتحمت المدرعات والمجنزرات الميدان، وانتشرت سحب غاز الدموع، واعتلى القناصة أسطح المنازل وحلقت الطائرات الحربية في سماء الميدان.

وتدفقت جحافل الجيش والشرطة وبدأت تمطر الناس بالرصاص الحي، وتحاصر المنافذ الرئيسية للميدان، وكانت طائرات الأباتشي تصب قنابل الغاز وتقنص المصورين.

لقد بدأ ما يشبه المعركة الحربية فهبت رائحة الموت، واهتزت الأرض وماجت الشوارع وتقطعت بالمعتصمين الأسباب، واندفعوا يبحثون عن ملاذ آمن، وقد وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها "إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث".

لم يخرج موقف السيسي الذي انقلب على رئيسه في القاهرة من التطورات في السودان عن المتوقع، بعد اكتفاء بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية بالحديث عن أهمية تحقيق الاستقرار والأمن للشعب السوداني والحفاظ على مقدراته، غير أن هذا الموقف العام، الذي تلا أحداثا مفصلية تمثلت بانقلاب عسكري واحتجاز رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قبل إعلان حل مجلس السيادة والحكومة، يعتبر امتدادا ونتيجة طبيعية لحالة من عدم ارتياح جنرالات الانقلاب في رابعة المصرية تجاه رئيس الوزراء السوداني، والرغبة في إفشاله وإقصائه.

 

البرهان بتاعنا 

قال مصدر سياسي إن "السيسي، وساعده الأيمن رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، أكدا في مناسبات سابقة خلال اجتماعات مع المسؤولين السودانيين والعرب والتابعين لدولة الاحتلال الإسرائيلي، عدم ترحيبهما باستمرار حمدوك رئيسا للوزراء".

وأوضحت المصادر أن ذلك، ليس فقط بسبب رغبة مصر في التعامل مع المكون العسكري وحده، وتحديدا مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو حميدتي، اللذين تجمعهما علاقة قوية بالسيسي، ولكن أيضا بسبب رؤية مستقرة بأن حمدوك مقرب من العواصم الغربية، وله أجندة تسمح بوصول قوى سياسية لا ترحب بها القاهرة إلى الحكم، فضلا عن وقوفه عائقا أمام بعض المخططات التي حاول النظام المصري الإسراع في تنفيذها مع المكون العسكري السوداني.

على رأس هذه المخططات المضي قدما في التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، وهو موضوع نوقش صراحة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت في سبتمبر الماضي إلى شرم الشيخ ولقائه السيسي هناك، حيث تطرق إلى حرصهما على تطوير علاقات إسرائيل مع السودان، كجزء من المشهد الجديد المراد للشرق الأوسط، وإجراء اتصالات متقدمة على مستويات عسكرية واستخباراتية واقتصادية، بمباركة من المكون العسكري في السلطة.

وبالإعلان عن اعتقال رئيس الوزراء الشرعي وعدد من المسؤولين السودانيين، دخل الانقلاب العسكري في السودان حيز التنفيذ صباح الإثنين ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، تماما كما حدث في انقلاب القاهرة في 30 يونيو 2013.

قبل أسابيع قليلة بدأ العسكريون في السودان ، وفي إطار شكل سيناريو معد سلفا ، الاستعدادات لتخويف وترهيب الشعب بذريعة إحباط انقلاب في هذا البلد. بعد هذا السيناريو أعلن 16 حزبا وتيارا مواليا للعسكر انفصالهم عن الحراك المدني، تزامنا مع ذلك تم قمع الحركات الاحتجاجية في شرق السودان والتي كانت نابعة من هواجس اقتصادية ليتم تمهيد الأرضية للانقلاب الذي جرى تنفيذه اليوم .

لاشك أن السعودية والإمارات، باعتبارهما المستفيدان الرئيسيان دعما الجيش السوداني خلال العامين ونيف الماضيين في مواجهة الحراك المدني والثوار السودانيين الذين نجحوا في الإطاحة بعمر البشير.

الانقلاب الذي حدث اليوم في السودان يشبه إلى حد كبير الانقلاب الذي حدث في مصر  ونفذه السيسي ضد الرئيس مرسي، ومن الواضح أن انقلاب السودان وفي حال نجاحه سيؤدي إلى ترسيخ سلطة العسكر وإلغاء دور الحراك الإصلاحي الشعبي في هذا البلد .

انقلاب السودان حدث في حين لم تمض سوى أيام قليلة على انتهاء مهلة العسكر لتسليم السلطة للمدنيين كما هو متفق عليه ، وكذلك على أعتاب شرعنة تطبيع العلاقات بين السودان والكيان الصهيوني، تلك المسألة التي عارضها حمدوك ولم يرضخ لها وعلق مصيرها بمصادقة البرلمان المنتخب من قبل الشعب عليها .

قالت مجلة "لوبوان" الفرنسية إنه "يبدو أن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي نفذ انقلابا في السودان في 25 أكتوبر، تلقى نصيحة من السيسي".

وأضافت المجلة أنه يبدو أن الانتهاك للوثيقة الانتقالية في السودان، الموقعة في أغسطس 2019 قد تم الموافقة عليه من قبل السيسي؛ فبعد أيام من ظهور الشائعات، أكدت صحيفة وول ستريت جورنال في 4 نوفمبر أن عبد الفتاح البرهان زار القاهرة في اليوم السابق لانقلابه.

ويعتبر السيسي الداعم الأساسي وعراب انقلاب البرهان الذي زار مصر قبل ساعات من تنفيذه الانقلاب الذي أودى بحياة 73 شهيدا وآلاف المصابين بينهم إصابات خطيرة بالرصاص الحي، وظل مدير المخابرات العامة عباس كامل في زيارة متكررة للسودان قبل الانقلاب، لمقابلة البرهان، وبعد الانقلاب استمرت الزيارات المشبوهة والمعادية لتطلعات الشعب السوداني، فهل كانت الكتيبة المصرية مستعدة لتكرار مجزرة رابعة في السودان؟