في ذكرى تحرير سيناء الشكلي .. وثائق بريطانية  تكشف كيف تم تحييد مصر بعد «كامب ديفيد»

- ‎فيتقارير

في ذكرى عيد تحرير سيناء الذي يوافق 25 من إبريل كل عام، كشفت وثائق بريطانية، أن شبه جزيرة سيناء، تحظى بأهمية خاصة لدى قيادات الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية، وأنها لم تفارق خيال الإسرائيليين، باعتبارها منطقة هامة وحساسة، رغم انسحابهم منها، في أعقاب اتفاقية السلام في  مارس 1979م. التي أعقبت زيارة الرئيس الأسبق محمد أنور السادات للقدس سنة 1977م ثم مفاوضات كامب ديفيد في 1978م. وبقيت مناطق بسيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي مدة (22 سنة) تبدأ من هزيمة يونيو 67 حتى خروجهم من طابا بالتحكيم الدولي سنة 1989م، في حين لا تزال منطقة أم الرشراش المصرية محتلة حتى اليوم وهي التي تم احتلالها سنة 1949م في اعقاب هزيمة 1948م وهي التي تمثل المنفذ البحري الوحيد للصهاينة على البحر الأحمر ويطلقون عليها حاليا اسم "إيلات". فيما تنازل الديكتاتور عبدالفتاح السيسي للسعوديين عن جزيرتي "تيران وصنافير" في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في إبريل سنة 2016م؛ الأمر الذي نزع من مصر سيطرتها على أهم موقع إستراتيجي على الإطلاق ومكن الصهاينة من الولوج والعبور دون إذن من الحكومة المصرية بعدما تحول مضيق "تيران" إلى مضيق دولي وليس مضيقا مصريا خالصا.

 

وثائق بريطانية

بهذه المناسبة، نشرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، تقريرا بمناسبة ذكرى إعادة العريش إلى مصر، عام 1979، وقالت وثائق للسفارة البريطانية في تل أبيب، إن سيناء "تعني أشياء كثيرة" بالنسبة للإسرائيليين فهي ساحة قتال ضار، غير أنها في أوقات أخرى ملعب مترامي الأطراف لجيش الدفاع الإسرائيلي، وحلم سياحي وذخيرة طبيعية ومشروع تجريبي زراعي، وهي أيضا نقطة التقاء تجمع البدو بالجمال. وفوق كل هذا هي امتداد لحدود (إسرائيل) الضيقة توفر متنفسا روحيا من ضغوط الحياة. ولفتت الوثائق إلى أن صحراء النقب، كانت هي البديل الوحيد أمام الجيش الإسرائيلي المنسحب من سيناء. وقدرت التقارير البريطانية تكلفة نقل القواعد والمنشآت العسكرية من سيناء إلى النقب بنحو مليار دولار أمريكي في عام 1979 وحده، ووصفت التقارير هذه التكلفة بأنها "عبء ثقيل".

 

تحييد مصر

النقطة الأهم  ما ينقله تقرير البي بي سي، عن الملحق الدفاعي والبحري والجوي في السفارة البريطانية بإسرائيل، قوله "إن الاتفاقية (اتفاقية السلام) نزعت بشكل فعال سلاح شبه جزيرة سيناء"، وأنه "لو اختارت مصر مهاجمة سيناء، سوف يتعين على قواتها استخدام ثلاثة محاور لوجستية عابرة 80 ميلا من صحراء سيناء، وهي منطقة مكشوفة بلا مراكز لوجستية متقدمة ولا شبكات دفاع جوي أو تحصينات دفاعية". ونتيجة لذلك "فلا يمكن إكمال العملية بسرعة تكفي لتحقيق مفاجأة توقع خسائر غير مقبولة في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي المرجح فوق شرقي سيناء". وأشار إلى أنه "طالما أمكن تحقيق هذا التفوق، فإن مصر لن تكون تهديدا ملحا لإسرائيل".

وحاول الإسرائيليون الاحتفاظ باحتلالهم لسيناء لمدة طويلة؛ في  أعقاب احتلالهم لها بعد حرب يونيو67م، حين تراجع المصريون إلى الضفة الغربية للقناة بينما حشد الإسرائيليون قواتهم على الضفة المقابلة، وبنوا خط بارليف في محاولة لمنع الجيش المصري من التفكير في العبور واسترداد سيناء. وظل هذا الوضع قائما حتى حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973.

في هذه الأثناء ــ حسب البي بي سي ــ كان النقاش يستعر في إسرائيل بشأن الانسحاب الكامل من سيناء، حيث طرح بعض الساسة الإسرائيليين، وأيدهم مناحيم بيجن رئيس الوزراء في ذلك الوقت، مبدأ استثناء رفح من أي اتفاق والاحتفاظ بها كاملة. ولهذا لقيت رفح، الواقعة على حدود مصر وقطاع غزة الفلسطيني، اهتماما بريطانيا في ظل تركيز إسرائيل الأمني عليها. كانت الحكمة الإسرائيلية الشائعة في إسرائيل تقول إنه لا ينبغي أبدا إعادة رفح وجوارها إلى مصر، لأنه يجب عزل قطاع غزة، ومنعه من أن يصبح مرة أخرى خنجرا موجها إلى قلب إسرائيل". يضاف إلى هذا أن إسرائيل أنشأت في رفح بعض المستوطنات الريفية، ومستوطنة ياميت الحضرية التي كان يسكنها 1500 مستوطن يهودي. وخلص البريطانيون إلى أن "تخلي الإسرائيليين عنها هو القرار الأصعب"، مقارنة بمناطق سيناء الأخرى. فبعد الاحتلال أزيل، كما تقول معلومات السفارة، 12 ألف بدوي من الذين اعتادوا العيش في رفح، سواء كملاك أو مجرد سكان للأراضي، قسرا من مساحة تبلغ حوالي نصف مليون دونم (5 آلاف كيلو متر)، وأعيد توطين بعضهم في الجنوب.

ولفتت الوثائق إلى أن صحراء النقب، كانت هي البديل الوحيد أمام الجيش الإسرائيلي المنسحب من سيناء. وقدرت التقارير البريطانية تكلفة نقل القواعد والمنشآت العسكرية من سيناء إلى النقب بنحو مليار دولار أمريكي في عام 1979 وحده، ووصفت التقارير هذه التكلفة بأنها "عبء ثقيل".  وحسب المعلومات البريطانية، كان على الجيش الإسرائيلي أن "ينشئ حوالي 50 معسكرا جديدا في النقب، وطرقا جديدة طولها 695 كيلومترا، ويعيد تعبيد طرق قائمة بطول 225 كيلومترا، ويمد أنابيب مياه بطول 700 كيلومتر وكابلات عالية الإجهاد بطول 1000 كيلومتر، ونقل قرابة 90 مليون متر مكعب من التربة لبناء بنية تحتية جديدة في المنطقة". غير أن تقييم البريطانيين حينها هو أن صحراء النقب "لن تكون أبدا بديلا" لسيناء.

فيما يتعلق بالجانب الأمني لهذه الأهمية، قال تقرير السفارة البريطانية أن إسرائيل "بررت احتلالها شبه الجزيرة بحرمان العدو من استغلالها في الهجوم عليها، أو خنق وصول إسرائيل إلى البحر الأحمر". وهذا ما يفسر، وفق التقرير، سلوك إسرائيل، مباشرة، بعد احتلال جيشها الجزيرة. وقال: "أول تأثير للاستيلاء عام 1967 هو تدفق الدبابات والمركبات والرجال الإسرائيليين بأعداد تفوق بكثير عدد القوات المصرية التي حلوا محلها". وأضاف أن سيناء كلها "أصبحت ساحة تدريب عسكري".  

واهتم البريطانيون أيضا بتتبع علاقة إسرائيل بالبدو سكان سيناء، ورأوا أنه نظرا لأن هؤلاء هم وحدهم القادرون على العيش في مناطق سيناء الداخلية الصحراوية، فإن الإسرائيليين "أولوا أهمية للحفاظ على علاقات ودية معهم". ولأهمية المنطقة، قررت إسرائيل أن "الحصول على أصدقاء أفضل من الحصول على أعداء فيها". وفق التقرير البريطاني، فإن الشاباك، "وجد أيضا أسبابا جيدة لتشجيع مشروعات الرعاية المعيشية لبدو سيناء، خاصة توفير إمدادات المياه للتجمعات المعزولة، لتشجيعهم على البقاء في المناطق الداخلية بدل الهجرة إلى المستوطنات الساحلية". وانتهى التقييم البريطاني إلى أنه "يبدو أن البدو قبلوا هذا" وفق زعم الوثائق.

 

نقد الاتفاقية

وقبل 44 سنة حاربت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بشراسة في مفاوضات "كامب ديفيد" لإقرار بنود معينة في اتفاقية السلام مع مصر، استقال بسببها وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل- خلال المفاوضات التي أُجرِيت بولاية ميريلاند الأميركية عندما رافق الرئيس المصري الراحل أنور السادات في سبتمبر عام 1978- من منصبه في الـ16 من الشهر نفسه بسبب "حجم التنازلات التي قدمها الرئيس المصري الراحل لإسرائيل في ذلك الحين". وكتب كامل، في كتابه "السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد" المنشور في القاهرة بداية ثمانينيات القرن الماضي، أن "ما قبل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل". وندد بالاتفاقية لإخفاق السادات في الإصرار على انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة، والنص على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وتنبأ في مذكراته أيضاً بمستقبل مظلم للمنطقة بأسرها، حيث قال إن "تلك الاتفاقيات ستؤدي إلى عزلة مصر وستسمح للدولة الصهيونية بحرية مطلقة في ممارسة سياسة القتل والإرهاب في المنطقة، مستخدمة السلاح الأميركي كمخلب لها". وقال أيضاً إن الأفكار الأميركية التي طرحت في "كامب ديفيد" كانت تهدف إلى إضفاء غطاء شرعي على احتلال إسرائيل للأراضي العربية.

وانتقد آخرون المعاهدة التي وقّعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن، بحضور الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، وتحديداً البنود الخاصة بخفض الوجود العسكري للجيش المصري في سيناء، والذي يعني غياب السيادة الكاملة للدولة المصرية على جزء من أراضيها. ولكن بعد كل هذه السنوات من توقيع المعاهدة، يبدو أن التشدد الإسرائيلي في بنودها، لم يعد موجوداً في صورته الأولى، حيث أجرى الطرفان تعديلات أمنية على الاتفاقية في نوفمبر 2021م؛ تسمح بموجبه إسرائيل بإدخال معدات عسكرية مصرية ثقيلة  لمواجهة التهديدات الأمنية والقضاء على التنظيمات المسلحة كداعش وولاية سيناء وغيرها. ويؤكد آخرون أن الهدف هو تميد الأرض لحل المشكلة الفلسطينية من خلال سيناريوهات الوطن البديل والحل الاقتصادي الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية وتفضله حكومات الاحتلال المتعاقبة.