تعاني مصر حاليا تحت حكم الديكتاتور عبدالفتاح السيسي من شح الموارد وتراجع إيرادات الدولة من مصادر الدخل القومي الكبرى، وحسب بيانات البنك المركزي خلال العام المالي الأخير 2022/2023، فإن مصادر الدخل القومي من الدولار تزيد عن مائة مليار سنويا. بلغت نحو 44 مليارا من صادرات سلعية ، و32 مليارا من تحويلات المصريين بالخارج، و11 مليارا من السياحة، وصافي استثمار أجنبي مباشر بلغ 9 مليارات دولار، إلى جانب 7 مليارات دولار من دخل قناة السويس بخلاف متحصلات الخدمات الأخرى المتعددة من نقل وخدمات مالية وصحية واتصالات وتشييد وبناء غيرها. بما يعني أن الموارد الدولارية تزيد عن "100" مائة مليار دولار سنويا؛ فأين تذهب كل هذه الموارد الدولارية الهائلة؟ ولماذا لا تكفي لاحتياجات مصر؟
هذه الموارد الدولارية رغم ضخامتها يتم التهامها بصورة مذهلة؛ ففاتورة الاستيراد تزايدت رغم القيود التي فرضها البنك المركزي على الواردات منذ فبراير 2022م، وزادت بنحو 5.3 مليار دولار لترتفع فاتورة الاستيراد السنوي إلى 94.5 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق تاريخيا، حيث تحول كثير من المستوردين من الاستيراد عبر الموانئ البحرية التي تخضع لشرط الموافقة المسبقة على الشحنات المستوردة، إلى الاستيراد عبر الموانئ الجوية التي لم تنضم بعد بشكل إجباري إلى منظومة الموافقة المسبقة.
ويلتهم الربا (فوائد وأقساط الديون) كثيرا من الإيرادات الدولارية لا سيما في أعقاب تضخم الديون الخارجية من 43 مليار دولار في 2014م إلى نحو 183 مليارا بنهاية ديسمبر 2022م. ويقدر صندوق النقد الدولي فوائد وأقساط الديون خلال العام المالي الحالي بقيمة 48.9 مليار دولار، وبالعام المالي المقبل 51 مليار دولار، وبالعام المالي 2024/ 2025 بنحو 54.6 مليار دولار. معنى ذلك أن مصر تحتاج سنويا إلى نحو 140 مليار دولار على الأقل لتوفير احتياجاتها من جهة وسداد ما عليها من فوائد وأقساط ديون من جهة أخرى؛ وبالتالي فالعجز السنوي يصل إلى نحو 40 مليار دولار على الأقل.
المشكلة الكبرى أن سياسات النظام وإذعانه المستمر لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي دفعت كل من يملك سيولة مالية إلى المضاربة في الدولار بعدما عاينوا جميعا كيف انهارت مدخراتهم بالجنيه خلال السنوات الماضية بنحو 75%؛ حين تم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي تحت لافتة (برنامج الإصلاح الاقتصادي)؛ فانخفضت قيمة الجنيه من نحو 8 جنيهات في 2016 إلى نحو 31 جنيها في مايو 2023م. بينما ربحت المدخرون بالدولار أو الذهب أرباحا خيالية.
هذه التجربة المرة دفعت المصريين إلى المضاربة على الدولار حتى ارتفع بهذا الشكل الجنوني؛ كلما تراجعت قيمة الجنيه زادت شراهة المصريين نحو التخلص منه والمضاربة على الدولار. ولما شح الدولار اتجه الناس إلى الاكتناز في الذهب حتى ارتفع سعر الجرام عيار 21 من 850 جنيها في منتصف 2022 إلى نحو 2850 جنيها في مايو 2023م!! وربما يكون قرار رفع القيود على البناء على غير الأراضي الزراعية مهما خلال هذه الفترة ليسحب الكثير من السيولة التي يتم المضاربة بها على الدولار أو وقف جنون أسعار الذهب لزيادة الطب على اكتنازه. كما قد يسهم ذلك في سحب بعض السيولة وتقليل الطلب بما يسهم في خفض معدلات التضخم.ربا
وحسب محطة "سي إن بي سي" فإن الجنيه المصري يحتل حالياً المرتبة السادسة بين أسوأ العملات أداء منذ الأول من يناير23م، مواصلاً انخفاضه الذي جعله يفقد أكثر من نصف قيمته خلال 2022. ويتم تداول العملة عند نحو 30.85 للدولار. وبنهاية مارس الماضي، احتلت الليرة اللبنانية المرتبة الأولى بين العملات الأكثر اضطراباً منذ بداية العام، حيث انخفضت قيمتها بنسبة تصل إلى 70%، يليها البوليفار الفنزويلي والدولار الزيمبابوي. واحتلت عملة أخرى في الشرق الأوسط، وهي الريال الإيراني، المرتبة الخامسة بين أسوأ العملات.
وقبل عام كامل، كان الأجانب يبيعون دولاراتهم على سعر 15.75 جنيهاً، ويشترون أدوات الدين المصرية بعائد في حدود 15%. والآن وبعد مياه كثيرة جرت تحت الجسر، لا يرى هؤلاء حافزاً لدخول السوق، رغم أن دولارهم الآن يباع بنحو 31 جنيهاً، واستثماراتهم تجني عائدا يتجاوز 20%، فإلى متى نستمر في إغرائهم بتخفيض سعر الجنيه ورفع الفائدة؟ المشكلة ــ حسب كثير من الخبراء والمحللين ــ ليست في الأسعار، وإنما هي في غياب الثقة بالعملة المصرية، والثقة لن تعود إلا من خلال تحجيم الطلب على الدولار للاستيراد. ووقتها فقط، ستأتي الأموال الساخنة والباردة مهرولة، ويمكننا وقتها أن نطمع في عودة الهيبة للعملة المصرية، بعد سنوات من "قلة القيمة".
هناك أيضاً عامل يجب النظر إليه والتعامل معه بجدية وليس بنكران أو تجاهل ــ حسب المحلل الاقتصادي مصطفى عبدالسلام ـ وهو أن عددا من أصحاب المدخرات الدولارية سحبوا أموالهم من البنوك ووضعوها داخل خزن حديدية في البيوت وتحت البلاطة لأسباب منها مثلاً حالة الذعر والقلق التي تصيب هؤلاء عقب انتشار مزاعم يطلقها البعض من وقت إلى آخر حول إمكانية وضع الحكومة يدها على الودائع الدولارية ومصادرتها كما حدث في البنوك اللبنانية منذ خريف 2019، كما أن المزاعم التي يتم إطلاقها من وقت إلى آخر حول قرب إفلاس مصر تثير مخاوف أصحاب المدخرات والمعاشات. في ظلّ هذا المشهد المعقد لا يستطع أحد تجاهل تبعات قرار شركة موديز العالمية خفض التصنيف الائتماني لأكبر البنوك المصرية وفي مقدمتها البنوك العامة، وذلك على خلفية خفض تصنيف مصر الائتماني للمرة الأولى منذ عام 2013م.
وحين لجأ السيسي إلى كفلائه في الخليج وجدهم هذه المرة غير ودودين مشترطين الحصول على مقابل يتمثل في الاستحواذ على أفضل شركات مصر الرابحة؛ وينتهي المطاف بالسيسي إلى بيع أصول مصر وشركاتها الرابحة ليتباهي بعدة مدن في قلب الصحراء ؛ فلماذا لا يبيع لهم هذه المدن الجديدة عديمة الجدوى والفائدة ويُبقى على شركات مصر وأصولها العظيمة الرابحة؟!