حملت نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في تركيا 14 مايو 2023، عددا كبيرا من المفاجآت التي خالفت الكثير من توقعات وتحليلات الانقلابيين العرب من أنصار الثورة المضادة والإعلام الغربي المعادي لعودة تركيا لتراثها الإسلامي.
كما حمل قدرا أكبر من المفاجأت التي صفعت شركات استطلاعات الرأي، التي تنبأت كذبا بهزيمة أردوغان وأن يصوت الأتراك في مناطق الزلزال، التي صوتت 11 مدنية منها لصالح لأردوغان ، ما دعا المعارضة العلمانية لتمني الموت لهم، لأنهم خالفوا توقعاتهم بالتصويت للمعارضة.
المفاجأة الأولى: فوز أردوغان
لم يكتف إعلام الغرب والثورة المضادة بالتحريض ضد أردوغان وتدخل أجهزة استخبارات أجنبية في توجيه الرأي العام التركي، بل ظل يروج أن رجب طيب أردوغان ديكتاتور ومستبد وسوف يخسر، فجاءت الصفعة الأولى من الشعب التركي بالتصويت لأردوغان الذي يعتبر فائزا، لكن عدم حصوله على أكثر من 50% أجل الحسم للجولة الثانية.
وحصل الرئيس أردوغان على غالبية الأصوات في 51 ولاية من أصل 81، في حين نال كليجدار أوغلو أصوات الأغلبية في 30 ولاية.
وتقول صحف غربية: إن “زعيم المعارضة العلمانية كمال كليشدار أوغلو كانت أمامه فرصة لاستغلال هذا العداء والزخم المعادي لأردوغان للفوز من الجولة الأولى، لكن تأخره للجولة الثانية يعني انتهاء فرصه وهزيمته بصورة أكبر في الإعادة 28 مايو، حيث تعرضت مصداقية استطلاعات الرأي لاهتزاز بسبب توقعاتها الكبيرة بتقدم المعارضة على مستوى الرئاسة والبرلمان بخلاف النتائج الفعلية”.
ورغم عدم فوز أردوغان من الجولة الأولي، فربما تسهم هذه النتيجة والوصول إلى جولة إعادة في تهدئة الاتجاهات العنصرية التي كانت تستعد إما للاحتفال بالفوز أو الاحتجاج على النتيجة حال فوز أرودغان، وكان من الممكن أن تتحول تلك الاحتجاجات إلى صدامات مع المهاجرين الأجانب كنوع من رد الفعل.
ويقول محلل الشئون التركية سعيد الحاج: إن “الفوز في الإعادة شبه محسوم لأردوغان لعدة أسباب أهمها، الفارق الكبير في الأصوات عن كليجدار أوغلو، وفوز حزبه بأغلبية البرلمان، والمعنويات المرتفعة في تحالف أردوغان عكس المعارضة، ولأن معظم أنصار “سنان أوغان” من القوميين لن يصوتوا لكليجدار أوغلو بسبب معارضتهم لتحالفه مع الحزب الكردي (الشعوب الديمقراطي).
المفاجأة الثانية: مدن الزلزال
ضرب زلزال تركيا 11 ولاية تركية هي: كهرمان مرعش وهتاي وكليس وديار بكر وأضنة وعثمانية وشانلي أورفا وأديامان، وملاطية، وغازي عنتاب، وإيلازيغ وأعلنت مناطق منكوبة.
وشكل الزلزال المدمر، تحديا كبيرا لأردوغان و”تحالف الجمهور” لاسيما أنه جاء قبل شهرين من الانتخابات، واتهامات للحكومة بالتقصير في التعامل الأولي مع الزلزال، وظلت المعارضة تتمنى أن تصوت هذه المدن ضد أردوغان.
لكن المفاجأة هي أن أردوغان و”تحالف الجمهور” الذي يقوده بزعامة حزب العدالة والتنمية فاز في 10 ولايات من أصل 11 ضربها الزلزال المدمر والذي مركزه كهرمان مرعش، لأن أردوغان زار المدن وتعامل بسرعة مع تداعيات الزلزال وبنى لهم منازل جديدة، بينما اكتفت المعارضة بالكلام وانتقاد الحكومة.
وبسبب تصويت غالبية مدن الزلزال لصالح أردوغان قامت حسابات موالية للمعارضة على مواقع التواصل بكيل الشتائم والسباب لهم، ما دفع المدعي العام في إسطنبول لفتح تحقيق ضد هذه الحسابات.
https://twitter.com/TR99media/status/1658144627898085376ا
المفاجأة الثالثة: اكتساح البرلمان
تنبأت أغلب التحليلات واستطلاعات الرأي قبل الانتخابات التركية، بقوة بتراجع عدد مقاعد حزب العدالة والتنمية في برلمان 2023 وتفوق أحزاب المعارضة الستة المتحالفة، حتى بدأ الحديث عن إلغاء النظام الجمهوري وطرد اللاجئين العرب من تركيا وإلغاء الحجاب وعودة الديكتاتورية العلمانية.
ونشرت صحف مثل “الغارديان” البريطانية، نتائج استطلاع للرأي أجري قبل الانتخابات التركية، وأشار إلى أن تحالف “الجمهور” قد يخسر الأغلبية البرلمانية لصالح تحالف “الأمة” وتحدثت الصحيفة عما قالت إنه تزايد بالانتقادات للحكومة بسبب الزلزال، وفق قولها.
إلا أن تحالف أحزاب الداعمة لأردوغان حقق تفوقا ملحوظا في النتائج، وحصل 326 مقعدا من 600 مقابل 216 لأحزاب المعارضة الستة.
كذلك حقق حزب “الرفاة الجديد” لنجل نجم الدين أربكان من تحالف “الجمهور” مفاجأة بدخوله البرلمان، وذلك لأول مرة منذ تأسيسه، وحصل الحزب الذي يقوده فاتح أربكان، نجل الزعيم التركي الراحل نجم الدين أربكان، على 5 مقاعد بالبرلمان.
ووفقا لوكالة الأناضول، حصل حزب العدالة والتنمية على 267 مقعدا في البرلمان، مقابل 169 لحزب الشعب الجمهوري، وتشمل الأخيرة مقاعد لأحزاب “السعادة” و”المستقبل” و”الديمقراطية والتقدم (ديفا)” لأنها جزء من تحالف “الأمة” المعارض.
في حين نال حزب “اليسار الأخضر” 61 مقعدا، مقابل 50 معقدا لحزب “الحركة القومية”، و44 لحزب “الجيد”، وتمكن حزب “الرفاة من جديد” من دخول البرلمان بـ 5 مقاعد، وكذلك حزب “العمال التركي” بـ 4 مقاعد.
ورغم الدخول إلى جولة ثانية على مستوى الرئاسة إلا أن تحالف الجمهور الحاكم حافظ على أغلبية برلمانية مريحة تمكنه من تولي رئاسة البرلمان وتولي رئاسة اللجان الأساسية فيه.
ويقول الصحفي قطب العربي عبر فيس بوك: إن “هذه الأغلبية البرلمانية ستكون عنصرا أساسيا في جولة الإعادة، حيث سيفكر الناخبون في التصويت لصالح الرئيس أردوغان بعد اكتشافهم لأوهام المعارضة من ناحية، وحتى يحققوا انسجاما بين الرئاسة والبرلمان من ناحية أخرى، ولا يقعوا فريسة خلاف البرلمان مع الرئاسة حال فوز كليشيدار، ما قد يهدد بالدعوة لانتخابات مبكرة والعودة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي الذي عانت منه تركيا كثيرا من قبل”.
أيضا هذه الأغلبية البرلمانية حال فوز كليشيدار ستكون حائلا دون نجاحه في مهمته، وستمنعه من إجراء أي تعديل دستوري أو قانوني، وستضع له العصي في الدواليب دوما، خاصة مع وجود الوزراء والقادة الكبار لحزب العدالة والتنمية داخل البرلمان مثل وزراء الدفاع والخارجية والداخلية والشباب الخ.
المفاجأة الرابعة: 16 وزيرا من العدالة في البرلمان
أسفرت الانتخابات عن انتخاب 16 وزيرا من مجلس الوزراء الرئاسي التركي كنواب لحزب العدالة والتنمية في البرلمان الجديد، حيث انتخب الشعب التركي أعضاء الحكومة الذين تم ترشيحهم على رأس قوائم حزب العدالة والتنمية في 16 منطقة انتخابية و15 مدينة كبيرة، ليكونوا أعضاء في البرلمان بدورته الـ28.
دخل البرلمان بعد الانتخابات العامة التركية كل من نائب رئيس الجمهورية فؤاد أوقطاي كنائب عن أنقرة، ووزير العدل بكير بوزداغ في شانلي أورفة، ووزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية دريا يانيق في عثمانية، ووزير العمل والضمان الاجتماعي وداد بيلغين في أنقرة.
كما انتخب أيضا وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي مراد قوروم في إسطنبول، ووزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو في أنطاليا، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز كعضو في البرلمان الجديد عن إسكي شهير.
وتم انتخاب وزير الشباب والرياضة محمد محرم قصاب أوغلو في إزمير، ووزير الخزانة والمالية نور الدين نباتي في مرسين، ووزير الداخلية سليمان صويلو في إسطنبول، ووزير التربية والتعليم محمود أوزر في أوردو.
وفي قيصري تم انتخاب وزير الدفاع خلوصي أكار، ووزير الصناعة والتكنولوجيا مصطفى ورانك في بورصة، ووزير الزراعة والغابات وحيد كيريشجي في قهرمان مرعش، ووزير التجارة محمد موش في صامصون، ووزير النقل والبنية التحتية عادل قرة إسماعيل أوغلو كعضو في البرلمان الجديد عن طرابزون.
فيما انتخب وزير العدل السابق عبد الحميد غول عضوا في البرلمان عن غازي عنتاب، بينما انتخب الوزير السابق فاروق جليك عن ولاية أرتوين.
المفاجأة الخامسة: هزيمة الغرب
ظلت وسائل الإعلام والساسة الغربيون يحلمون بهزيمة أردوغان ويتمنون سقوطه لأسباب تتعلق بمخالفة تركيا شروط التبعية للغرب وسعيها لبناء معادلة تنمية مستقلة عن الهيمنة المالية الغربية الرأسمالية وبناء صناعات حيوية مثل السلاح وغيرها، لذلك شكلت الانتخابات صدمة كبيرة لهم.
لم تخف صحف ومجلات الغرب هذه «الأيدلوجية» المسيحية الغربية المعادية لـ “الإسلامية” في تركيا، ولعبت دورا مؤثرا في طبيعة وشدة الحملات التي شنتها المجلات الغربية.
صحيفة واشنطن بوست الأمريكية لم تكتف بالهجوم على أردوغان بل وكتبت تقول 8 مايو 2023 “إذا هُزم أردوغان، يجب على الغرب مساعدة حكام تركيا العلمانيين على النجاح”.
اعترفت بأن أردوغان بنى صناعات عدة في تركيا تهم أوروبا مثل السيارات والأثاث والأسمنت والغداء والأحذية وأجهزة التلفزيون وغيرها حتى إن تركيا يمكن أن يطلق عليها “الصين الأوروبية” ولكنها تحدثت عن كيفية دعم المعارضة التي ستستولي على هذه الإنجازات للرجل وتنسبها لنفسها، ما يشير لحقدهم على أردوغان .
وقبل هذا كتبت هيئة التحرير في “واشنطن بوست” يوم 4 مايو 2023 تقول: إن “هناك قلقا في واشنطن وأوروبا من فوز أردوغان بولاية أُخرى، بسبب ما ترى أنه إضراره بمصالح أمريكا وأوروبا وبنائه دولة ذات جذور إسلامية”.
مجلة “إيكونوميست” البريطانية كتبت تقول بالمخالفة للأعراف الصحفية ووقارها المعتاد يوم 4 مايو 2023: “أردوغان ديكتاتور ولا بد أن يرحل احموا الديمقراطية”.
مع أن الإيكونوميست اعترفت أن “أردوغان قام ببعض الأشياء الجيدة في سنواته الأولى في منصبه” زعمت أن “التراكم المطرد للسلطة المفرطة طغى على حكمه وحسه الأخلاقي” وقالت: “أما نحن فنؤيد بحرارة كمال كيليجدار أوغلو كرئيس جديد لتركيا”.
وكان تحليل مجلة ديرشبيجل الألمانية 3 مايو 2023 أكثر فجورا تجاه أردوغان فلم تخفِ المجلة أماني الألمان في هزيمة أردوغان وتمنيها أن تكون الانتخابات فرصة للتخلص من أردوغان، وأن المعارضة لديها فرصة لأول مرة منذ 20 عاما للتخلص من أردوغان”.
https://twitter.com/HasanQatamish/status/1653799150167765004
لكن كل هذه الصحف عادت بعد ظهور تفوق أردوغان في الجولة الأولى وتوقع فوزه في الثانية لتقول: إن “الغرب يعيش صدمة بسبب صمود أردوغان وحزبه رغم كل هذا الحشد ضده”.