شهدت السياسة الخارجية المصرية بعد الانقلاب العسكري في صيف 2013، تحولات جذرية، لا تقل خطورة عن تغيرات المشهد الداخلي.
وبدأت الملامح الرئيسية لسياسة مصر الخارجية تتشكل سريعا بعد استيلاء عبد الفتاح السيسي علي الحكم في البلاد.
ويرى محللون أن هذه السياسة تترجم مخاوف عصابة العسكر من الإسلام السياسي إقليميا ودوليا، وهو ما جعل مكانة مصر تتراجع وتضعف في كثير من نقاط التماس.
وفي زيارته إلي دولة موزمبيق أول أمس الخميس، قال السيسي: إنه "تحدث مع الرئيس في موزمبيق، وأن مصر مستعدة من خلال الأزهر الشريف لتقديم تدريب للأئمة أو إرسال علماء إلى موزمبيق، لإعطاء صورة سمحة للدين بعيدا عن التطرف".
وتندرج دعوة السيسي تحت مسمي فاقد الشيء لا يعطيه، إلا إذا كان ينوي تصدير نسخة الإسلام العسكري الذي اخترعه في مصر، تحت مسمى تجديد الخطاب الديني.
وفي سياق تجريد مصر من كل أوراق القوة ومنها المركزية الدينية ممثلة في الأزهر، طفت على السطح في مصر دعوات لتجديد الخطاب الديني تكاد تكون مقصورة على الخطاب الديني الإسلامي، في الوقت الذي قد تشتمل فيه الخطابات الأخرى على ما هو أكثر إثارة للجدل من تلك الأفكار التي يستند إليها دعاة تجديد الخطاب الإسلامي في إسباغ الشرعية على دعوتهم.
وفي هذا السياق برزت الدعوة التي أطلقها السيسي في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لعام 1436هـ، وكان المحور الرئيس في هذا الخطاب هو دعوة علماء الأزهر والأوقاف والإفتاء إلى عمل ما سماه بـ(ثورة دينية) تقوم بتجديد الخطاب الديني؛ ليكون متناغما مع عصره، وتقضي على النصوص والأفكار التي تم تقديسها -وانحبسنا بداخلها- وهي تدفع الأمة إلى معاداة العالم، كما دعا للتصدي للفكر المتطرف الذي هجر وسطية الإسلام واعتداله، واستحل الدماء بفهم مغلوط.
وينبغي التوقف عند اللهجة التي غلبت على السيسي في دعوته الارتجالية للثورة الدينية، فالسيسي في هذا الخطاب لم يظهر بمظهر صاحب الدعوة الذي يبدي رأيا ويقترح حلا لمشكلة ما؛ كي يسهم برأيه واقتراحه في إثراء النقاش الذي يسفر عن رأي جماعي رشيد صادر عن تلاقح الأفكار واجتماع العقول.
وإنما تكلم السيسي بلهجة الأصيل الآمر أمرا واجب النفاذ، بحيث لا يترك لمستمعه فرصة للنقاش أو الجدل أو المعارضة، بل دوره ينحصر في قبول التكليف وتنفيذه دون أدنى مناقشة.
وتلك هي نظرة العسكر للمؤسسات الدينية وطبيعة الدور المنوط بها في نظام 3 يوليو، فالظاهر من لهجة هذا الخطاب -والتصريحات التالية عليه- أن العسكر ينظرون للمؤسسات الدينية لا على أنها مؤسسات مستقلة في تمثيلها للإسلام وإبداء الرأي الشرعي في المشكلات المتعلقة بالشأن الديني، وإنما على أنها تابعة ينحصر دورها في تنفيذ رؤية رأس السلطة حتى فيما يتعلق بالشأن الديني نفسه.
وهذا يقود إلى الانتباه لخطورة ما جرى في دستور الإنقلاب 2014 م من حذف لنصوص دستور 2012م التي كانت تحدد الاختصاصات الأصيلة للأزهر الشريف ومؤسساته في الاضطلاع بكل ما يخص الشأن الديني، ويدعونا للتعجب من السهولة الغريبة التي قبل بها الأزهر تجريده من هذه الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها في دستور 2012، مع أنها مكتسبات تاريخية قلما يجود بها الزمان في الفرص التاريخية المحدودة التي تمنحها الثورات للمؤسسات التي تعاني من الحصار والتهميش وتتطلع للاستقلال.
السيسي الذي يريد تصدير الإسلام العسكري إلي إفريقيا تطاول على الإسلام وعلى مليار ونصف مليار مسلم ووصفهم بالمعادين للبشرية، وأتباعه في الإعلام يتطاولون على الله، وإبراهيم عيسى يتطاول على الشريعة الإسلامية، وفاطمة ناعوت تعتبر أن أمر الله سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام بالتضحية بسيدنا إسماعيل كان "كابوسا"، ويخرج يوسف زيدان ليقول إن قصة الإسراء والمعراج ملفقة، وأن المسجد الأقصى لا وجود له في فلسطين، ويتلقط الخيط مسؤولون في وزارة التربية والتعليم لحرق الكتب الإسلامية وتنظيف المناهج من الإسلام العنيف والجهاد والعداء لليهود".
إنها حرب على الإسلام يقودها السيسي شخصيا، والإعلام العسكري أحد الجنود فيها، وهي حرب على هوية مصر وتاريخها وعقيدتها وإسلامها، وهو المشروع الحقيقي للانقلاب، تفكيك مصر ثقافيا ودينيا قبل تفكيكها جغرافيا ونقل تجربة التجريف الديني والتفكيك الجغرافي إلي إفريقيا.