بإعلان كل من توفيق عكاشة وأسامة الغزالي حرب، نيتهما الترشح في مسرحية انتخابات الرئاسة المرتقبة بنهاية العام الجاري (2023) ضد الجنرال عبدالفتاح السيسي؛ يتساءل الكثيرون عن أسباب لهفة الكثيرين لأداء دور الكومبارس في مسرحية الانتخابات؛ وهل يقدمون بذلك خدمة لنظام العسكر أم أنهم فعلا طامعون في السلطة والفوز في ظل تقديرات الموقف التي تؤكد أن أي انتخابات نزيهة ضد أي مرشح مهما كان ضعيفا فإن السيسي سوف يسقط سقوطا مدويا؛ اعتمادا على أن السيسي بات لا يحظى بأي مساندة شعبية أو تأييد جماهيري بعدما أدخل البلاد في نفق الفشل والإفلاس والظلم والطغيان والجوع والغلاء الفاحش الذي حول حياة المصريين باستثناء فئة اللصوص الكبار إلى جحيم لا يطاق.
وفي تصريحات إعلامية ألمح مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير معصوم مرزوق، إلى إمكانية ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة "في حال وجود الضمانات التي تحقق نزاهة وحيادية وسلامة العملية الانتخابية". وقال مرزوق، في مقابلة خاصة مع موقع "عربي21": "الوضع القانوني حتى الآن لا يشجع على المبادرة بالترشح للرئاسة، لكن إذا أدرك القائمون على الأمر أهمية إحداث التغيير الخاص بالوضع القانوني والسياسي الحاكم للعملية الانتخابية، فسوف يكون لكل حدث حديث". وكان من المفترض أن تنتهي الفترة الثانية والأخيرة للسيسي في السلطة في يونيو 2022، إلا أن النظام مرّر في عام 2019 تعديلات دستورية مثيرة للجدل، جعلت مدة الولاية الرئاسية ست سنوات بدلا من أربع، مع إبقاء تقييدها بولايتين، مع السماح للسيسي وحده بفترة ثالثة، ما يسمح له بالبقاء على رأس السلطة حتى 2030م.
وكتب عكاشة عبر حسابه على "تويتر"، مساء الاثنين 7 أغسطس 2023م: "من الآن وحتى الانتخابات الرئاسية القادمة سوف تشهد مصر أياما حاسمة لمستقبلها في القرن الـ21. لذلك، فإنه وجب على كل صاحب قرار أن يضع مصر فوق الجميع بأمانة وإخلاص وليس بهوى أو رغبات وكلها بأمر ربك". وخلال الفترة الماضية، عاد توفيق عكاشة إلى الساحة السياسية، مهاجما بشكل لافت نظام السيسي، وهو ما أثار جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان كل من عبدالسند يمامة رئيس حزب الوفد، وجميلة إسماعيل رئيس حزب الدستور، وأكمل قرطام رئيس حزب المحافظين، وأحمد طنطاوي النائب السابق ورئيس حزب الكرامة السابق الذي استقال احتجاجا على مشاركة الحزب في الحوار الوطني الشكلي. قد أعلنوا جميعا ترشحهم في مسرحية الرئاسة المقبلة.
بحسب قانون الانتخابات، يحتاج كل مرشح لرئاسة الجمهورية إلى تزكية 20 عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو تأييد ما لا يقل عن 25 ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في 15 محافظة على اﻷقل، بحد أدنى ألف شخص في كل محافظة. ومن المفترض فتح باب الترشح للانتخابات، كحد أقصى في الثالث من ديسمبر المقبل، بحسب تصريحات منسق الحوار الوطني ضياء رشوان.
12 طلبا لضمان النزاهة
وكان المرشح المحتمل أحمد طنطاوي قد طالب بضمان نزاهة الانتخابات المرتقبة، وكتب في منشور على صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، يوم الإثنين 7 أغسطس 2023م، أنه سلم الهيئة الوطنية للانتخابات ما قال إنها "قائمة أولى بطلباتنا لضمان إجراء انتخابات رئاسية تليق بمصر والمصريين وتستوفي المعايير المقبولة والمتعارف عليها على مؤشر الشفافية والنزاهة".
ووفق القائمة فقد طالب طنطاوي بمراقبة منظمات دولية للانتخابات. كما طالب بحيادية أجهزة الدولة وعدم تدخلها في الانتخابات. وطالب بضرورة إصدار الهيئة ما يلزم "من قرارات تفرض على الأجهزة الأمنية القيام بدورها المنوط بها في حفظ النظام والأمن العام دون التدخل في إجراءات وسير العملية الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر". وطالب طنطاوي كذلك الهيئة بالقيام "بواجبها حيال تجاوز الحد الأقصى للإنفاق من أي من المرشحين، والمواجهة الصارمة لظاهرة المال السياسي". ودعا طنطاوي الهيئة إلى "إلزام السيسي (إذا قرر الترشح مجدداً) بعدم استغلال موقعه الحالي وتوظيف أجهزة ومؤسسات الدولة في الترويج والدعاية الانتخابية له". وبشأن وسائل الإعلام طالب الهيئة بـ"إلزام كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة بتطبيق ميثاق الشرف الصحفي والإعلامي والالتزام به، وضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين وذلك من قبل وسائل الإعلام كافة". ومن ضمن المطالب دعا طنطاوي إلى "إدراج نموذج توكيل المواطنين لمرشحي الرئاسة وفق منظومة التوكيلات الإلكترونية". كما طالب باعتبار "محضر اللجنة الفرعية نتيجة في حد ذاته، وإلزام رئيس اللجنة الفرعية بإلصاق صورة منه على باب اللجنة وتلاوته شفاهة على الحاضرين أمامها من مندوبي المرشحين أو الصحافة أو السيدات والسادة المواطنين".
النزاهة مستحيلة
وانتهت ورقة بحثية أعدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان نشرها في مايو 2023م، إلى أن الانتخابات الرئاسية، التي من المقرر أن تشهدها مصر في الشهور الأولى من العام المقبل (2024) «من المستحيل أن تتسم بالحرية والنزاهة». وأرجع المركز موقفه هذا إلى ما أسماه بـ«ترسانة التشريعات القمعية، والبناء المؤسسي الذي يجمع كل موارد الدولة وهيئاتها في قبضة الرئيس، ورفض السلطات الممتد لأكثر من 10 سنوات لجميع أشكال المعارضة والانتقاد».
«وحتى الحوار الوطني، الذي ينطلق بعد مرور أكثر من عام على إعلانه، لن ينعكس إيجابًا على الانتخابات المقبلة»، حسبما قال المركز، مضيفًا: «الأطر القانونية والسياسية القائمة تصادر الحريات السياسية، ولا تلبي المعايير الدنيا لضمان الإشراف المحايد على الانتخابات. هذا بالإضافة لما أسفرت عنه التعديلات الدستورية في 2019 من مصادرة تامة للاشتراطات الأساسية لعقد انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، بما في ذلك تآكل مبدأ الفصل بين السلطات، ومصادرة استقلال المؤسسات وخاصة القضائية، فضلًا عن تقنين تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية».
وحول «توجيهات» السيسي للحكومة وأجهزة الدولة في مارس 2023 بفحص مقترح من أمانة الحوار الوطني حول تمديد أجل الإشراف القضائي على الانتخابات، والذي كان من المقرر أن ينتهي قبل الانتخابات المقبلة». قال المركز في هذا السياق إن الرقابة القضائية على الانتخابات الرئاسية أصبحت لا يعول عليها، فيما يتعلق بضمان نزاهة الانتخابات الرئاسية بعد عشر سنوات من السيطرة والقمع، تمددت فيها هيمنة الرئيس على مؤسسات الدولة وعلى القضاء، مضيفًا: «بينما يعد الإشراف القضائي المستقل على الانتخابات، ومراقبة المجتمع المدني المستقل لمجرياتها، خطوات مرحب بها في الظروف العادية؛ إلا أن الإصلاح الجذري هو وحده القادر على إضفاء الشرعية على الانتخابات الرئاسية المصرية 2024».
تملص خليجي
وخلال الأيام والأسابيع الأخيرة، خرجت انتقادات حادة للسيسي من شخصيات إعلامية محسوبة على النظام ولكنها تعمل حاليا في منصات وفضائيات خليجية مملوكة لكل من السعودية والإمارات؛ فتصريحات معتز بالله عبدالفتاح جاءت على منصة "الشاهد" الإماراتية. و تصريحات محمد صبحي جاءت على فضائية "الحدث" السعودية؛ الأمر الذي يبعث رسالة واضحة في مضمونها وتوجهاتها بأن حكومات هذه العواصم بدأت تتخلى فعليا عن السيسي لا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المرتقبة بنهاية العام الجاري؛ وما يتردد حول احتمال الإطاحة بالسيسي عبر انقلاب ناعم من خلال دعم شخصية قوية ضده من أجل تفادي السيناريوهات الخشنة والتي يمكن أن يكون لها تداعيات مؤلمة على الوضع الاقتصادي والسياسي للبلاد في ظل بؤس الحالة الراهنة وإغراق البلاد في مستنقع الديون والقروض. وقد يعزز ذلك بالهجوم الذي شنه عمرو أديب في نفس التوقيت تماما على فضائية "إم بي سي مصر" المملوكة للمخابرات السعودية؛ حيث طالب بانتخابات رئاسية حقيقية تشهد تنافسا حقيقيا ؛ وقال نصا: «مصر متقلش عن أي حد، ونحن نستحق زي أي حد. أم الدنيا مش تعبير فلسفي مجازي، لازم تكون أم الدنيا حقا وصدقا، ونحن نستحق أن يكون عندنا معركة انتخابات حقيقية، لما بقول الكلام ده ناس كتير ببتريق عليا؛ طب أعملكم إيه؟».
الخلاصة أن الجميع يترقب موقف الجيش وأجهزة الدولة، وهي ينجح السيسي في إخضاع الجميع وتمرير المسرحية بكل ما فيها من تزوير وانتهاكات بهدوء أم أن للجيش والأجهزة رأيا آخر؟ وهذا ما سوف يتضح خلال الشهور المقبلة إذا سمحت هذه المؤسسات لجنرال آخر مدعوم منها بمنافسة السيسي بما يشبه انقلابا ناعما للتخلص من السيسي بعدما فقد أوراق اعتماده وخسر أي دعم شعبي معتبر. أو سمحت بنزاهة الانتخابات فعلا وهو ما يضمن الإطاحة بالسيسي ضد أي منافس مهما كان ضعيفا، على أن يكون مجرد ستار مدني يتحكم الجيش من خلاله في إعادة ترتيب الأمور من جديد.