ضعف الجبهة الداخلية قد تخذل جيش الاحتلال وسط المعركة.. السيناريو المحتمل

- ‎فيتقارير

بلا شك فإن هيبة جيش الاحتلال الإسرائيلي قد تلاشت على وقع “طوفان الأقصى” التي أطلقتها المقاومة فجر السبت 7 أكتوبر2023م، هذا ليس رأيا بل حقيقة مقررة حتى عند الصهاينة أنفسهم وحلفائهم في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. ومن أجل استعادة هذه الهيبة فإن إسرائيل تقوم  بما يطلق عليه المصريون “تلويش”، بمعنى أنهم يضربون في كل مكان، ويوقعون أكبر عدد من الضحايا المدنيين بطريقة وحشية؛ ويرتكبون مئات المذابح  كل هذا من أجل أن يستردوا هذه الهيبة التي انكسرت.

قتل من الإسرائيليين أكثر من “1400” حسب تقديرات حكومة الاحتلال نفسها، وأصيب أكثر من 4500 آخرون،  قد يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، فهم على الدوام يخفون أرقام خسائرهم حتى لا يعايرهم أحد بذلك، وحتى لا يؤثر ذلك على الروح المعنوية لمواطنيهم، من جهة.  وحتى لا ترفع من الروح المعنوية للمقاومة من جهة أخرى.

لم يعد الإسرائيليون يثقون في جيشهم أو حكومتهم، هذه حقيقة مؤكدة تناولتها وكالة “فرانس برس” في تقرير لها الأحد 22 أكتوبر؛ تقول فيه: «للوهلة الأولى، يبدو الوضع طبيعيا في تل أبيب؛ حيث يمارس بعض أبناء المدينة الرياضة من هرولة أو ركوب الدراجة الهوائية. لكن السكان يُعربون عند الحديث معهم عن صدمتهم لشعورهم فجأة بأنهم “عرضة للخطر”، وعن فقدان الثقة في “المنظومة الأمنية”، بعد أسبوعين على انطلاق معركة “طوفان الأقصى”.».

وتنقل فرانس برس عن الخمسينية رافيت شتاين، التي تعمل في مجال التأمين وهي تنزه كلبها في وسط تل أبيب: “لم يسبق لي أن شعرت بهذا المستوى من الضعف والخطر”. تدوّي مرارا في اليوم في أرجاء المدينة صفارات الإنذار من رشقات صاروخية محتملة تطلقها المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة”. وتضيف ربة العائلة “منذ الهجوم الرهيب يلازمني هاجس أن يعيدوا الكرّة. لذا أحاول ممارسة نشاطات طبيعية مثل إخراج كلبي في نزهة”. وتؤكد أنهم “نجحوا في جعلنا نشعر بأننا معرّضون للخطر”. دون أن تذكر صراحة حركة حماس، التي شنت هجوما غير مسبوق في تاريخ دولة الاحتلال منذ قيامها في عام 1948م. وأقر الكنيست الإسرائيلي إجراءات قانونية جديدة لتسليح المستوطنين، وكشفت جلسة برلمانية أنه منذ السابع من أكتوبر(أسبوعان فقط) تقدم نحو 41 ألف مستوطن بطلب رخصة حيازة سلاح في مقابل ما معدله 38 ألفا سنويا. الأمر الذي يعكس مدى عمق عدم الشعور بالأمن وانعدام الثقة في المنظومة الأمنية والعسكرية.

 

انقسام حاد

وجاءت معركة “طوفان الأقصى” وسط صراع محتدم داخل الكيان الصهيوني على خلفية إقرار حكومة نتنياهو تعديلات قضائية تمنحها سلطات غير مسبوقة وتقوض السلطة القضائية؛ الأمر الذي عمق الانقسام وخرجت المعارضة في مئات التظاهرات رفضا لذلك. وقد أظهر استطلاع رأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية أنّ 21 % فقط من الإسرائيليين يريدون بقاء نتنياهو رئيساً للوزراء بعد الحرب، أما 66% فقالوا إنهم يريدون “شخصاً آخر”، بينما لم يحدد 13% موقفهم. وأشار الاستطلاع أيضاً إلى أن حزب الليكود سيخسر ثلث مقاعده إذا أجريت انتخابات اليوم، بينما سيحصل حزب الوحدة الوطنية المنتمي للوسط بزعامة منافسه الرئيسي بيني غانتس، على مقاعد أكثر بمقدار الثلث، ما يرشح غانتس للمنصب.

وفي مقال نشرته له صحيفة هآرتس الإسرائيلية، طالب الصحفي الإسرائيلي نحميا شترسلر برحيل نتنياهو فورا دون تأخير، واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بالعجز عن قيادة شعبه خلال الحرب، وحمّله المسؤولية عما يجري الآن. وقال شترسلر، في مقاله الذي عنونه بـ”ليس غدا، وليس الأسبوع المقبل، على نتنياهو أن يرحل الآن” إن نتنياهو غير لائق لقيادة البلد، ولا يمكنه البقاء في منصبه ولو ليوم واحد آخر. ويرى شترسلر أن نتنياهو إذا ما قاد الحرب، فإنها لن تكون حربا ضد حماس، بل حربا من أجل خلاصه الشخصي. وقال إن كل التحركات في الحرب وكل الاتصالات الدبلوماسية ستكون موجهة نحو هدف واحد فقط، وهو بقاؤه في السلطة. الأمر الذي لن يتيح لإسرائيل تحقيق النصر في الحرب على حد تعبيره. واستعرض الصحفي الإسرائيلي عدة نقاط تبرهن على أن نتنياهو يتحمل مسؤولية ما يجري الآن، من بينها تفكيك المجتمع الإسرائيلي وإضعاف الجيش من خلال إصراره على التعديلات القضائية التي عصفت بالداخل الإسرائيلي خلال الأشهر التسعة الماضية.

 

ثقة مفقودة

وفي مقال بعنوان “استقل” لصحيفة يديعوت أحرونوت، قالت الكاتبة الإسرائيلية سيما كدمون “إننا لسنا بحاجة إلى اعتذار رئيس الوزراء ببنيامين نتنياهو عن الفشل الذي حدث” بعد عملية “طوفان الأقصى”. وتابعت الكاتبة “لسنا بحاجة إلى اعتذارات من شخص نعرف أن كل كلمة تخرج من فمه سياسية أو أنها مصلحته، وكل ما نريده هو أن يذهب. أن يستقيل. ليس بعد نهاية الحرب، وليس بعد لجان تحقيق، بل الآن”.

وتذهب الكاتبة إلى أن البيت الأبيض ورؤساء الدول الغربية الأخرى يعلمون أنه يجب على نتنياهو أن يغادر، بل إن الجمهور الإسرائيلي نفسه والأجهزة الأمنية وأعضاء حزب الليكون الذي يقوده نتنياهو يعلمون ذلك؛ لأنه وعدهم بالأمن لكنه سقط وخسر ثقة الجميع. واستدلت الكاتبة على ذلك بمنشور كتبه نشطاء في حزب الليكود بعنوان: (نتنياهو يمنع إسرائيل من الانتصار). والجنود والمواطنون والأميركيون لا يثقون به، ولا أحد يصدّقه”، متسائلة “مَن كان يُصدق أن المنظمات اليمينية التي دعمته دائما، ستقف الآن ضده. بسبب الفشل الذي حصل والذي سيحصل؟”. وتبدي الكاتبة تشاؤما بشأن الحرب البرية المرتقبة مؤكدة أن جيش إسرائيل سوف يتعرض لخسائر باهظة وقد يضطر إلى الانسحاب من غزة. وتنتهي إلى أنه بمجرد انتهاء الحرب فإن المجتمع الإسرائيلي سوف ينتفض ضد نتنياهو بما يجعل مظاهرات رفض التعديلات القضائية مجرد نزهة بجوار ما سيحدث. في إشارة على عمق الانقسام المتوقع.

وقد بدأت الحركة الديمقراطية المدنية في إسرائيل بمطالبة المستشارة القضائية للحكومة جلي بهاراف ميارا، بفتح تحقيق فوري في شبهات حرق وثائق من قبل ديوان رئاسة الحكومة في أعقاب معركة طوفان الأقصى. وقالت الحركة إن لديها شبهات حول قيام ديوان رئاسة الوزراء بتوجيه من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بحرق وثائق أو منع تسجيلات، وخطوات أخرى من شأنها أن تصعب عمل لجان التحقيق التي ستشكل بعد الحرب على غزة.  وتعتبر الحركة هذه الخطوة محاولة من نتنياهو للتخلص من الوثائق والمستندات التي تدينه بوصفه المسئول الأول عن الإخفاق الذي وقع.

ويبقى التساؤل حول مدى تماسك الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني خلال فترة الحرب جوهريا، وهل يمكن أن يتحمل حربا طويلة المدى لعدة شهور، في ظل هذه الأوضاع المضطربة أمنيا واقتصاديا، وهل يمكن أن يفضي ذلك إلى مظاهرات داخل إسرائيل تطالب نتنياهو بوقف الحرب لعدم قدرتهم على تحمل تبعاتها. لكن بلا شك فإن المجتمع الإسرائيلي إذا تعرض لما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة من قصف ولو ليوم واحد فقط لفروا جميعا وانهار كيانهم الوهمي؛ لأنهم أحرص الناس على حياة.