النصر شرف يحرم الله منه من لا يستحقه، وتحت أقدام المقاومة في غزة تتغير كل المعادلات العسكرية، وتفضح هزيمة العدو الصهيوني الستر عن أرباب الخيانة العربية، ففي اليوم الـ72 من العدوان على غزة واصل جيش الاحتلال قصف مناطق متفرقة في القطاع بالتزامن مع معارك عنيفة تخوضها المقاومة، حيث أقر قائد أسبق للواء غولاني بخسارة اللواء ربع قواته منذ 7 أكتوبر الماضي.
ويتعجب المراقبون والعسكريون والمراكز البحثية من صمود المقاومة في غزة طيلة الـ 70 يوماً الماضية، مقارنة بهزيمة 3 جيوش عربية في يونيو 1967، عندما شن كيان العدو الصهيوني حربا على 3 من دول جوارها العربي، دامت 6 أيام وهزمت فيها الأطراف العربية هزيمة ساحقة.
كان من نتائج هذه الحرب خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي.
ويرى مراقبون عسكريون أن النصر الإستراتيجي لا يقاس بعدد القتلى والجرحى والأسرى في صفوف الأعداء، ولكن معروف منذ القدم، أنه كسر إرادة عدوك، إلى الدرجة التي ييأس فيها من تحقيق النصر عليك.
وأنه عندما تجبر عدوك على الاستسلام دون أن تطلق رصاصة واحدة أو تسقط ضحية واحدة تكون حققت نصرا إستراتيجيا، أما إن ظل عدوك يقاوم رغم فارق القوة، والفجوة في عدد الضحايا، فإن الحرب تصبح معركة إرادات، ومن يملك النفس الأطول، والقدرة على التحمل، ووحدة الجبهة الداخلية وعدم انقسامها هو من سيحقق النصر الإستراتيجي.
ويؤكد المراقبون أنه عادة ما يكون لأصحاب الأرض الكلمة الأخيرة في أي صراع مع الاحتلال الأجنبي، لأن التمسك بالأرض هو الخيار الأخير لأي شعب، والتخلي عنه يعني الإبادة والتهجير والفناء كأمة واحدة، والذوبان في شعوب أخرى، أما الغزاة فسيعودون من حيث أتوا.
تقول الكاتبة الصحفية شرين عرفة :” تعجبنا من المقاتل الذي ينتعل “شبشبا” في قدمه، ويحمل قذيفة على كتفه، فيُفجر بها الدبابة، فخرج لنا المجاهدون، حفاة الأقدام، بأسلحة خفيفة، دون مؤن أو عتاد، يشتبكون مع جنود، يحملون أحدث الأسلحة، ويرتدون واقيا للرصاص، ويتحصنون بالمواقع العسكرية، وتحميهم الرادارات والطائرات، فيقتلونهم جميعا”.
وتضيف عرفة :”حينما ترى تلك الفيديوهات، وتعلم أن أكثر الدول العربية، يتولى حكمها، عسكريون فسدة، يكدسون المال والسلاح، بينما هم باعوا الأرض والعرض، وخضعوا رقابهم للأعداء، تفهم لماذا كل هذا الحقد على رجال حماس “.
وإن كانت الأزمات تفرج بعد اشتدادها، فإن الأحداث الأخيرة قد تكون بداية انفراج ليس فقط في الأراضي المحتلة بل في منطقة الشرق الأوسط، وربما أول سؤال يجب أن يطرح هو ما الدافع من وراء عملية طوفان الأقصى العسكرية التي أطلقتها حركة حماس ضد الاحتلال العدو الصهيوني؟ وماذا توقعت من ورائها؟
ومهما تعددت الإجابات لن يكون من بينها إنهاء الاحتلال الصهيوني، هناك جواب منطقي واحد وهو أن حماس أرادت إكراه العدو الصهيوني والعالم على وضع حل للمأساة الفلسطينية، وفك الحصار المفروض على سكان غزة.
وللوهلة الأولى يبدو أن العكس هو ما يحصل، حيث بادر رئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو للإعلان عن فرض حصار أشد على القطاع، وقطع الماء والكهرباء عنه، أيضا، من جانبها أوقفت أوروبا مساعداتها للقطاع، ولم تتردد الولايات المتحدة طويلا قبل أن تدفع بحاملة طائرات وسفن حربية إلى الضفة الشرقية من البحر المتوسط، وسارعت دول المنطقة العربية إلى النأي بنفسها، مؤكدة أنها لن تتورط بالصراع الحاصل.
من جهته أكد ضابط الاستخبارات العسكرية الأمريكي السابق سكوت رايتر أن حركة حماس أصبحت أكثر من منظمة أو جماعة في صورتها المادية التقليدية.
وقال رايتر: إن “حماس أصبحت مفهوما أوسع لمعنى المقاومة، وعلينا أن نتذكر أنها قامت بعمل لم يقم به من قبل إلا الجيش المصري الذي استطاع هزيمة الجانب الإسرائيلي في ساحة القتال، حماس انتصرت بالفعل في 7 أكتوبر، ولا يمكن تغيير ذلك”.
وأشار إلى أنه “عندما عبرت القوات المصرية قناة السويس يوم 6 أكتوبر 1973 انتصرت مصر، بعد ذلك قامت إسرائيل بهجمات مضادة وقوية، لكن ذلك لم يغير أن القاهرة انتصرت، والشيء نفسه مع حماس اليوم، لقد انتصرت في 7 أكتوبر حتى لو قامت إسرائيل بالعمل على تدمير الحركة”.
بدوره، يرى البروفيسور أفراهام شاما من جامعة نورث ويسترن أنه بغض النظر عن الكيفية التي تتكشف بها حرب غزة وما جرى وما يجري الآن، فقد خسرت إسرائيل بالفعل وانتصرت حماس.
واستشهد شاما بمغادرة مئات آلاف الصهاينة الأراضي المغتصبة في الشمال والجنوب، وانتقالهم إلى ملاجئ أو مراكز آمنة نسبيا في وسط البلاد، وإغلاق مدارس وجامعات كثيرة أبوابها، وتدهور الوضع الاقتصادي بصفة عامة.
وتتفق المصادر العسكرية في العديد من المعطيات الإحصائية المتعلقة بميزان القوى العسكري قبل هزيمة يونيو 1967، وإن كانت تختلف في بعض الجزئيات، وتجمع بلا استثناء على أن عدد وعدة الجيوش العربية في الجبهات الثلاث كانت أكثر من عدد وعدة جيش العدو الصهيوني.