كأحد النتائج المترتبة على سد النهضة الأثيوبي، تتحول أثيوبيا لتصبح مركز صناعيا وتجاريا كبيرا في أفريقيا بل وفي العالم، بينما تتقزم مصر في حدودها المتآكلة في ظل حكم السيسي، حيث انقطاعات المياه والكهرباء بصورة يومية في 26 محافظة مصرية، بل وقنن السيسي القطع المبرمج للكهرباء توفيرا للطاقة ، بعد تراجع إنتاج الغاز في حقل ظهر، وتراجع إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، وهو ما يفاقم حياة المصريين ويزيد من إفقارهم ، ويجلب الكثير من الأزمات في القطاعات الإنتاجية ويتسبب في أزمات ضعف التصدير وقلة الإنتاج وانهيار العملة المحلية واللجوء للقروض والديون.
ولعل الفارق الكبير بين الرئيس المنقلب الذي لا يعتمد على آراء العلماء والخبراء أو دراسات الجدوى، كالسيسي ونظامه العسكري، وآبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي المعتمد على الديمقراطية كأساس لحكمه، ويعمل وفق إرادة شعبه ولمصلحة شعبه، ويتوسع في مشاريع الصناعة والزراعة، وليس في إنشاء القصور المطلية بماء الذهب كالسيسي، أو يشتري أفخم طائرات العالم “ملكة السماء ” ليركبها، بينما يصرخ شعبه من زيادة الأسعار والغلاء ونقص الأدوية.
تعدين البيتكوين
ووفق تحقيق إقصائي لوكالة بلومبرج، فقد انتقل أشهر المعدنيين، الذين يعملون في تعدين عملة البيتكوين إلى أثيوبيا، التي تفتخ أبوابها للاستثمارات العالمية الفعلية، وليس لبيع الأصول كما في مصر السيسي، وتوفر أثيوبيا بعد تشغيل سد النهضة خدمات الكهرباء بأرخص الأسعار على مستوى العالم.
ووفق بلومبرج، فإن إثيوبيا، مستفيدة من مياه سد النهضة، تتحول إلى مركز استقطاب للصينيين الناشطين في تعدين العملة المشفرة بيتكوين.
ففي ربيع العام الماضي، بدأت حاويات البضائع في الظهور بالقرب من محطات الكهرباء الفرعية المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الحديث، والأكبر في أفريقيا، وفي الداخل، كانت هناك أكوام من أجهزة الكمبيوتر القوية التي تستهلك الكثير من الطاقة.
ويعتقد خبراء الشركة أن تلك كانت علامة واضحة على أن المستثمرين الصينيين الناشطين في تعدين “بيتكوين”، الذين انتقلوا من بلد إلى آخر بحثا عن طاقة رخيصة وأنظمة حميدة منذ أن طردتهم بكين قبل عامين، قد وصلوا إلى القرن الأفريقي.
ومع تعرضهم للرياح السياسية والاقتصادية المعاكسة، فقد اجتذبتهم بعض تكاليف الكهرباء الأقل في العالم، فضلا عن الحكومة الودية تجاه الاستثمار الأجنبي على نحو متزايد.
فقد عززت إثيوبيا علاقاتها مع الصين على مدار العقد الماضي، وسمحت بتعدين بيتكوين بدءا من عام 2022 على الرغم من أنها لا تزال تحظر تداول العملات المشفرة، علما أن العديد من الشركات الصينية ساعدت في بناء السد الذي تبلغ تكلفته 4.8 مليارات دولار، والذي يخطط عمال التعدين لاستخلاص الطاقة منه.
وبرزت إثيوبيا كفرصة نادرة لجميع الشركات التي تقوم بتعدين العملة المشفرة الأولى في العالم، حيث يؤدي تغير المناخ وندرة الطاقة إلى ردة فعل عكسية ضد الصناعة التي تبلغ قيمتها 16 مليار دولار سنويا (بالسعر الحالي لعملة بيتكوين) في أماكن أخرى، لكنها تحمل جاذبية خاصة للشركات الصينية التي كانت تهيمن ذات يوم على تعدين بيتكوين، لكنها كافحت لمجاراة المنافسين في تكساس، المركز الحالي.
مصدر للعملات الأجنبية
ويمثل التعدين مصدرا محتملا مربحا لعائدات النقد الأجنبي، وقد ارتقت إثيوبيا بالفعل لتصبح واحدة من أكبر المستفيدين من آلات تعدين بيتكوين في العالم، وفقا لتقدير من مزود خدمات التعدين “الأقصر تكنولوجي” Luxor Technology، رغم أن أولى الصفقات الكبرى لـ”الأقصر” لشحن المعدات إلى هناك جاءت في سبتمبر، حسبما قال رئيس العمليات إيثان فيرا.
وتقول الشركة المحتكرة للطاقة التابعة للدولة: إنها “أبرمت صفقات إمداد بالطاقة مع 21 من عمال تعدين بيتكوين، وجميعهم صينيون باستثناء اثنين”.
حول هذه النقطة، قال نو شو، مؤسس جمعية التعدين الرقمي الصينية التي تنظم المعارض وتسهل التجارة في آلات التعدين: “ستصبح إثيوبيا واحدة من الوجهات الأكثر شعبية للمعدّنين الصينيين” وهو يقوم بترتيب رحلة إلى إثيوبيا لمجموعة من مديري التعدين الصينيين للقيام بجولة في المواقع المحتملة.
إن استعداد القائمين بتعدين البيتكوين لشحن معدات تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات إلى بلد خرج قبل عامين فقط من حرب أهلية في شماله هو بمثابة شهادة على البيئة السياسية والاقتصادية المشحونة التي يوجدون فيها.
وتلعب الشركات دورا حاسما في الحفاظ على شبكة بيتكوين باستخدام أجهزة كمبيوتر قوية أو أجهزة في لغة الصناعة لحل الألغاز الرياضية والتحقق من صحة المعاملات المشفرة على “بلوكتشاين” blockchain، وفي المقابل، يحصلون على مكافآت بعملة بيتكوين الصادرة من الشبكة.
وهذا النوع من العمل متقلب، حيث تتبع الإيرادات صعود الرمز المميز وهبوطه، فقد تعرضت شركة “ماينر كور سيانتيفيك” Miner Core Scientific Inc للإفلاس في ديسمبر 2022، مع انهيار أسواق العملات المشفرة، وبعد 13 شهرا، حصلت على موافقة المحكمة للخروج من الفصل 11 بعد أن قفز سعر بيتكوين 150% تقريبا.
وتستهلك أجهزة التعدين كميات هائلة من الطاقة، لذا فإن الوصول إلى الكهرباء الرخيصة يعد ميزة تنافسية حاسمة، فقد استهلك تعدين بيتكوين 121 تيراواط/ساعة من الطاقة عام 2023، وفقا لتقديرات مركز كامبريدج للتمويل البديل، ويمكن أن تمثل الكهرباء ما يصل إلى 80% من تكاليف تشغيل المعدّنين.
وهذا ما يفسر السبب في أن الطاقة منخفضة التكلفة هي التي فرضت إلى حد كبير المكان الذي يضع فيه المعدّنون الكثير من معداتهم في السنوات القليلة الماضية، أولا في الصين، ثم في أماكن مثل إيران وكازاخستان وروسيا وشمال السويد، وأخيرا في تكساس، والقاسم المشترك بين هذه الأماكن هو الطاقة الرخيصة نسبيا.
وعلى رغم الجدل المثار حول تعدين البيتكوين، فإن الطاقة الرخيصة التي أنجزها سد النهضة الأثيوبي لأديس أبابا والتي جاءت على حساب خصم حصص مصر والسودان من مياه النيل، يظل نجاحا لأثيوببيا وتقزيما لمصر التي تعاني في ظل حكم العسكر من الانهيار الاقتصادي والأزمات الصناعية والإنتاجية، وتركيزإنفاق السيسي على مشايع فنكوشية بلا عائد تدر المظاهر والفقر والإفقار لأكثر من 80 مليون مصري، يرزحون تحت خخط الفقر واستبداد العسكر، على عكس أثيوبيا التي تتحرر من الفقر ونقص الطاقة والكهرباء إلى اجتذاب الصناعات العالمية والاستثمارات المباشرة، التي تهرب يوميا من مصر بفعل العسكرة وجبايات العسكر وعدم القدرة على منافسة العسكر.