مع اقتراب شهر رمضان فوجئ المصريون باختفاء السكر من الأسواق وإذا نجح البعض فى العثور عليه فلا يقل سعره عن 70 جنيها، وأصبح يباع، مثل الدولار، في السوق السوداء ويسجل أضعاف السعر الرسمى الذى تعلن عنه وزارة التموين بحكومة الانقلاب كما يباع الدولار بأضعاف سعر البنك المركزي.
كانت أزمة ارتفاع سعر السكر قد تجددت فى الأسواق لتسجل الأسعار مستويات قياسية غير مسبوقة، حيث قفز سعر الكيلو لما يتراوح بين 60 و 70 جنيها، وسط شكاوى المواطنين من عدم توافره واختفائه من الأسواق، وفرض قيود من قبل السلاسل التجارية على الكميات المشتراه.
تأتى الأزمة رغم إعلان “تموين الانقلاب” التصدي للممارسات الاحتكارية وتطرح السكر بسعر 27 جنيها للكيلو فى المنافذ الحكومية. كما قررت حكومة الانقلاب حظر تصدير السكر إلى الخارج لمدة ثلاثة أشهر اعتبارًا من ديسمبر الماضى، وأعلنت تحديد السلع الاستراتيجية ومن بينها الزيت والسكر والأرز على نحو يعاقب من يتلاعب بأسعار هذه المنتجات الاستراتيجية أو يحتكرها بعقوبات مغلظة كما تم الإعلان عن التسعير الجبرى لجميع السلع الغذائية داخل المحال التجارية ثم طرح 2 كيلو سكر لكل بطاقة تموين على حصتها الشهرية إلا أن هذه الحلول لم تحقق شيئا بل تصاعدت الأزمة بشكل أكبر.
ارتفاع غير مبرر
فى هذا السياق قال حسن الفندي رئيس شعبة السكر بغرفة الصناعات الغذائية، إن عودة أسعار السكر الحر فى السوق المحلى للارتفاع مجددًا أمر غير مبرر، ولا توجد أسباب مباشرة وراء هذه الزيادة الكبيرة فى الأسعار، خاصة بعد تعاقد وزارة التموين على استيراد كميات كبيرة من السكر الخام الذي يتم تكريره فى المصانع الوطنية تمهيدا لطرحه فى أسواق التجزئة.
واعتبر “الفندى” فى تصريحات صحفية، أن زيادة حدة التقلبات فى سعر السكر الحر، يعود إلى عدة عوامل مساعدة منها حدوث مضاربات ووجود دخلاء على السوق من ناحية وتكالب المواطنين على الشراء بكميات كبيرة والتخزين خشية اختفاء السلع أو ارتفاع أسعارها من ناحية أخرى، موضحًا أنه رغم الأزمة لكن لا يوجد نقص فى إمدادات السكر لدى المصانع والشركات الغذائية.
وأضاف أن غرفة الصناعات الغذائية تقوم بإعداد كشوف تضم أسماء أكثر من 100 شركة من الشركات الغذائية واحتياجاتها وإرسالها إلى وزارة التموين لتوفير كافة الاحتياجات اللازمة من السكر من خلال أحد المصانع التابعة لها.
وأوضح “الفندى” أن مصر لديها فجوة بين العرض والطلب تقارب نصف مليون طن سنويًا، حيث يبلغ متوسط الإنتاج نحو 2.800 مليون طن مقابل 3.200 مليون طن استهلاك، وهوما يتم تعويضه من خلال استيراد ما يتراوح بين 400 لـ 500 ألف طن من السكر الخام كل عام لسد العجز، مؤكدا أن مصر لديها رصيد استراتيجي يكفى أربعة أشهر على الأقل، خاصة مع بدء موسم الإنتاج المحلي من محصول قصب السكر، وقرب موسم حصاد بنجر السكر منتصف شهر مارس المقبل والذي يمتد تقريبا لشهر يونيو المقبل.
وحول تأثير تلك الارتفاعات على أسعار المنتجات الغذائية، شدد على أنه لا يمكن الحديث عن استقرار الأسعار قبل السيطرة على أزمة الدولار، والتعامل مع الأزمة بقدر كبير من المصارحة والشفافية لتجاوزها سريعًا.
التوزيع العادل
من جانبها طالبت جمعية “مواطنون ضد الغلاء” جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الإحتكارية بسرعة التحقيق فى بلاغ تقدمت به الجمعية قبل ثلاثة أشهر ضد ستة من محتكرى السكر فى مصر.
وقال محمود العسقلانى رئيس الجمعية إن أزمة السكر الحالية فى جميع المحافظات ناتجة عن ممارسات إحتكارية تحظرها المادة السادسة من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية والتى تحظر الاتفاقات الأفقية المسبقة إذا كان من شأنها حجب السلعة وتعطيش السوق والاتفاق على سعر بيع موحد أو توزيع الحصص جغرافيا، وهو ما تم رصده بوضوح فى الايام القليلة الماضية.
وأضاف العسقلاني فى تصريحات صحفية: تسلمت الشركات الكبرى ما يقترب من ٣٥ مليون كيلو سكر من الشركات التابعة للحكومة، التى يساهم فيها المال العام، وهى الكميات التى سلمت لهم يوم 10 يناير الماضى وحتى يوم الثامن عشر من نفس الشهر طبقا لبيان حصلنا عليه، وهى كميات تم توزيعها على عدد من أصحاب مصانع التعبئة ومصانع الحلاوه وياميش رمضان، وهناك كميات ممنوعة من التداول يسأل عنها الكبار ومن يتسترون عليهم فى وزارة التموين حتى الآن؛ رغم رصد الرقابة الإدارية 3 قضايا فى الآونة الأخيرة، وهو ما يدعونا للمطالبة بإقالة رؤساء شركات السكر التى يساهم فيها مال الشعب الذى يعانى المرارة من قرارات هذه القيادات التى تصر على منح الحصص الكبرى لشركات بعينها، ما يجعلنا نشم رائحة “مش كويسة” وفقا لقوله.
وشدد العسقلاني على ضرورة التوزيع العادل لهذه الحصص الكبرى على مئات من الموزعين ومصانع التعبئة وتفعيل البورصة المصرية التى توقفت مؤخرا، وتشديد الرقابة عليهم للحيلولة دون تكرار العبث بهذا الملف بالغ الخطورة.
خطة واضحة
وطالب الخبير الزراعي المهندس حسام رضا الحكومة بالعمل على حل أزمة السكر حلا جذريا بداية من دعم الفلاح المصرى ورفع أسعار توريد قصب السكر والبنجر حتى تغطى التكلفة وتحقق هامش ربح للمزارعين مشددا على ضرورة الحفاظ على المحاصيل الزراعية وتوافرها فى البلاد من خلال خطة واضحة، تشمل المحاصيل التى تحتاجها الدولة، وتطبيق الزراعة التعاقدية بسعر عادل يضمن الربح للمزارعين، حتى لا يضطر المزارع للبحث عن مصلحته الشخصية والبحث عن أعلى سعر لتجنب الخسائر مع موسم حصاد أى محصول.
وشدد “رضا” فى تصريحات صحفية على ضرورة السيطرة على التصدير والحفاظ على وجود كميات مناسبة فى السوق المحلية من أجل تحقيق استقرار فى الأسعار وعدم المغالاة فى أسعار سلع أساسية مثل البصل والأرز والسكر وغيرها.
وقال إن المشكلة الحقيقية تتمثل فى عدم وجود منظومة تعمل لصالح الدولة وتدعم المزارع ، وأقرب مثال على ذلك الزيادة الرهيبة فى أسعار الأسمدة والمبيدات، فالشيكارة وصلت إلى ٥٠٠ جنيه فى السوق السوداء، وغير متوفرة ، فمن أين نحقق الاكتفاء الذاتى والفلاح لا يجد مستلزمات الإنتاج الأساسية.
وأضاف “رضا”: إذا كنا نستهدف الاكتفاء الذاتي، ونبحث عن منع وجود سوق سوداء لتجارة المحاصيل الزراعية المهمة، يجب أن تكون هناك خطة ترتكز على تحديد مجموعة من المحاصيل الاستراتيجية التى نعتمد فيها على الاستيراد وتكثيف زراعتها فى مصر لتخفيض فاتورة الاستيراد .
وخلص إلى القول ان القطاع الزراعى والحفاظ عليه يجنبنا الارتفاعات المتتالية فى أسعار الأغذية، وتوفير منتج محلى يسهم فى الحفاظ على استقرار السوق ومنع المغالاة فى الأسعار ، وتوفير حوافز ومميزات للمزارع مثل التسوية بالليزر للأراضي، وأن يكون هناك سعر عادل معروف من بداية الموسم، وتنظيم المنظومة الزراعية، وتحديد المحاصيل الأساسية للزراعة مثل القمح والفول والذرة وقصب السكر والقطن.