بعد إهانات متواصلة من نظام السيسي لمعالم مصر التاريخية وإهدار قيمة الكثير من الآثار المصرية، سواء بتهريب بعضها أو بيع بعضها أو تأجيرها للإمارات ولمن يدفع، وصولاً لتحويل كثير من قاعات القصور الرئاسية التاريخية إلى قاعات أفراح وخيام رمضانية وقاعات لاجتماعات الشركات، مقابل الأموال التي يراها السيسي أهم شيء في الدنيا، تعالت أصوات حول أزمة كبيرة تدور في كواليس الرئاسة، مع وزارة الثقافة وإدارة المتاحف التاريخية بمصر، من أجل ضم بعض المتاحف إلى الرئاسة، لا للحفاظ عليها من النهب، ولكن من أجل تحصيل الأموال من ورائها!
فقد كُشف مؤخرًا عن العديد من اللقاءات بين مسؤولين في رئاسة الجمهورية وقطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، حول نقل تبعية ثلاثة قصور ومتاحف أثرية من الوزارة إلى الرئاسة، بذريعة الإخفاق في استغلال هذه المعالم التاريخية لتحقيق إيرادات مالية خلال السنوات الماضية.
بزنس المتاحف
ووفق تقارير، فقد بنت الرئاسة تصورًا للاستفادة من هذه القصور وطابعها الأثري في إقامة حفلات ومؤتمرات وندوات بمقابل مادي كبير، وهي قصر عائشة فهمي، ومتحف زعماء الثورة، ومنزل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وسادت خلافات بسبب اتهام الرئاسة لمسؤولي الوزارة بالتقصير بسبب عدم إعدادهم البيانات اللازمة حول المتاحف الثلاثة، لكنها انتهت إلى التوافق على ضرورة تسريع الإجراءات وإزالة العقبات التي تعيق نقل تبعيتها وإدارتها.
عائشة فهمي وجمال عبد الناصر وقيادة الثورة
الإجراءات ستطال قصر عائشة فهمي في شارع عزيز أباظة المطل على النيل، ويُطلق عليه “مجمع الفنون بالزمالك”، والذي كان يملكه علي باشا فهمي، المرافق الشخصي (ياور) للملك فؤاد، قبل أن تنتقل ملكيته إلى ابنته عائشة.
القصر من تصميم المعماري الإيطالي أنطونيو لاشياك، ويضم لوحات وزخارف أوروبية، وهو مكوّن من طابقين، يحتوي على ست غرف في كل طابق، وصالة كبيرة، وبهوين، وسطح، وقد تم بناؤه عام 1907 بمساحة تُقدّر بـ 2700 متر مربع.
ويخضع قصر عائشة فهمي لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، الذي يحظر بيعه أو إزالته، فضلاً عن إلزامية ترميمه وصيانته كلما تطلب الأمر ذلك.
ومن المتوقع أيضًا نقل تبعية “متحف زعماء الثورة” لتشغيله في أنشطة تجارية، على غرار تأجير قاعات قصري القبة وعابدين لإقامة حفلات استقبال واجتماعات لرجال الأعمال، كان المبنى يُعرف سابقًا بمجلس قيادة الثورة، ويقع في منطقة الجزيرة على ضفاف النيل، ويتكون من ثلاثة طوابق على شكل مربع يحتوي على 40 غرفة، وتبلغ مساحته أكثر من 3200 متر مربع، تحيط به حدائق يتوسطها بهو كبير.
تم إنشاء المبنى خلال عهد الملك فاروق بتكلفة بلغت 118 ألف جنيه، وكان من المقرر أن يُفتتح في يوليو 1952، إلا أن انقلاب الجيش أطاح بحكمه قبل أن يُفتتح.
وقد صدر القرار الجمهوري رقم 204 لسنة 1996 بإلحاق المبنى بوزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية، ثم صدر قرار بضم المبنى إلى “المركز القومي للفنون التشكيلية.”
قصر جمال عبد الناصر
أما قصر جمال عبد الناصر بمنشية البكري، فقد تم تحويله إلى متحف بعد رحيل أرملة عبد الناصر في مارس 1992، وتم ترميمه وتحويل تبعيته إلى وزارة الثقافة حتى افتتح عام 2016، بعد أن كان تابعًا للإشغالات العسكرية منذ عام 1952.
يتكون القصر من طابقين ويضم مصعدًا، وبه قاعة كان يستقبل فيها عبد الناصر ضيوفه من رؤساء الدول، إلى جانب صالة كبيرة مزينة بصوره مع القادة العرب والأجانب، وصور لزياراته إلى العواصم الدولية والعربية، بالإضافة إلى صور لمناسبات وطنية عديدة.
وتشير التسريبات إلى أنه يتم البحث حاليًا عن مقرات بديلة للعاملين بالمباني الأثرية الثلاثة، خاصة مجمع الفنون بالزمالك حيث تُدرس مقترحات لنقله إلى قصر المانسترلي بمنيل الروضة بشكل مؤقت، مع دراسة إمكانية إنشاء مبنى جديد للمجمع.
تأجير القصور
يُشار إلى أنه في أبريل 2023، كُشف عن تنظيم حفلات إفطار داخل “قصر عابدين” التاريخي، وهو ما تكرر من إقامة معارض تجارية بقصر القبة الرئاسي، مما أثار غضب ملايين المصريين لما يمثله الأمر من إهانة تاريخية لكل المصريين.
فتح قصر عابدين التاريخي أبوابه للراغبين بالإفطار في أجواء ملكية، وسميت الإفطارات باسم “مولاي”، وتكلفة دخول الإفطار 1800 جنيه مصري للشخص الواحد، بترتيب من فندق الفورسيزونز.
وبحسب البروشور المنتشر، فإن الفطور يطلق عليه مطعم مولاي داخل قصر عابدين، والدخول بحجز مسبق عن طريق الموقع، والمطعم يستقبل الحجوزات إلى تاريخ 13 أبريل 2023، والطعام بإشراف من فندق الفورسيزونز.
ويعد قصر عابدين أحد أهم القصور، فقد كان مقرًا لحكم البلاد في الفترة من عام 1874 وحتى قيام الثورة المصرية في 23 يوليو 1952.
وبعد الثورة، عام 1952، تحول قصر عابدين بعد ذلك بقرار من مجلس قيادة الثورة إلى أحد القصور الرئاسية.
وجاء بناء قصر عابدين ضمن خطة الخديوي إسماعيل لبناء قاهرة حديثة على غرار المدن الأوروبية، وقد استغرق البناء حوالي 10 سنوات، وقدرت تكلفته بما يقرب من 100 ألف جنيه ذهبية.
المعابد الأثرية قاعات أفراح
وسبق تحويل قصر عابدين لخيمة رمضانية، تنظيم حفلات زفاف داخل معالم أثرية، اعترض عليه أثريون وعلماء مصريات، مع انتشار صور سابقة لمرتادي حفلي زفاف داخل معبدين أثريين في مدينتي الأقصر وأسوان.
الغريب أن مسؤولين في وزارة الآثار في حكومة الانقلاب اعتبروا الأمر قانونيًا تمامًا، ولا ينطوي على مخالفات تُذكر، بسبب تنظيم الحفلات وفق قرار صادر عن المجلس الأعلى للآثار.
وبحسب قرار أصدره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية، في يوليو 2016، يُحدد سعر تأجير المناطق الأثرية لإقامة الاحتفالات العامة والخاصة، ولأغراض التصوير السينمائي أو الأفلام التسجيلية في المعابد والمناطق الأثرية. باتت تقام الحفلات من هذا النوع في مكان بعيد نسبيًا عن المباني الأثرية، أو يُطل عليها، لكن صورًا التقطت للحفلين الأخيرين وتم تداولها عبر مواقع التواصل، كشفت وجود تجاوزات يمكن أن تنعكس سلبًا على سلامة معالم تاريخية شهيرة، خاصة المعابد التي تخطت بعض الاحتفالات قلبها وأعمدتها الأثرية.
وهكذا تُهدر حرمة المواقع الأثرية والمتاحف وتُهدر قيمتها، كما هو الحال مع المساجد والمؤسسات الدينية والتاريخية والعلمية.