في تخطيط أمني محكم، لو طُبّق في إدارة الاقتصاد أو مواجهة أعداء مصر الحقيقيين، لانتصرت مصر فعلاً، لكن التدبير والتخطيط كلّه موجّه فقط لتعويم السيسي، الذي تتهاوى شعبيته بسبب سياساته الفاشلة والمؤامرة على الشعب.
استبقت أجهزة السيسي الإعلامية والأمنية، حفل استاد العاصمة، بنشر أخبار عدة عن “بُشريات” سيُطلقها السيسي، ومنح للشعب الذي يعاني من الفقر والعوز حاليًا، تحدث البعض عن زيادات في الرواتب والمعاشات، ومنح “تكافل وكرامة” لتغطية التكاليف المتزايدة للحياة، ما خلق حالة من التفاؤل لدى الفقراء، الذين ينتظرون أي مساعدة، لكن على أرض الواقع لم يحدث شيء.
ثم جاءت المرحلة الثانية من المؤامرة، حيث انتشر في القرى والمدن سماسرة الانتخابات وطالبوا المصالح والفاسدين من المقربين للأجهزة الأمنية، وقيادات حزبي “مستقبل وطن” و”حماة وطن” أذرع النظام السياسية، معلنين بدء موسم الحشد، سواء للانتخابات أو المناسبات الكبرى، بالإعلان عن وجبة فاخرة ومبلغ 500 جنيه، إضافة لعلبة سجائر، مقابل الذهاب في حافلات مخصصة للعاصمة الإدارية، لإعطاء تفويض للسيسي بحل الأزمة الاقتصادية والتعامل مع صندوق النقد الدولي، وغير ذلك من الذرائع التي ساقها سماسرة الأصوات في القرى والمدن.
ورغم الحنق الشعبي الكبير من الفقر المدقع، رصد مراسل “الحرية والعدالة” هذا الغضب في أوساط المشاركين قبل ركوبهم الحافلات باتجاه العاصمة الإدارية، حيث ترددت عبارات بينهم مثل:
“لن يحصل أي أحد على شيء من السيسي الـ500 أحسن من مفيش، المهم نروح نغيّر جو ونشوف العاصمة اللي بلعت فلوس البلد، كل شيء خربان أصلاً، محتاجين أي قرش، الوجبة لعيالنا اللي ماشافوش اللحمة من شهور”.
تعبّر هذه العبارات عن انهيار المستوى المعيشي للشعب، نتيجة سياسات السيسي، الذي يبدو وكأنه يتبع سياسة “جوّع كلبك يتبعك”.
وعلى الرغم من الحشد المالي والتعبوي الذي مورس على الشعب، كانت المشاركة متواضعة قياسًا لما أُنفق عليها من أموال كبار رجال الأعمال الفاسدين، مثل العرجاني، أبو العينين، فؤاد أباظة، ثروت سويلم، وآخرين.
ما وراء المسرحية؟
يرى مراقبون أن ما يجري هو محاولة لترميم شعبية السيسي المتراجعة، حيث أفادت تقارير مرفوعة من الأجهزة الأمنية بارتفاع درجة الغضب الشعبي إلى مستوى ينذر بانفجار وشيك، كان هذا من أسباب إقالة عباس كامل من جهاز المخابرات، واستبداله بشخصية متخصصة في الأمن الإلكتروني، ظنًا من السيسي أن بإمكانه التحكم في الغضب الشعبي عبر السيطرة على الإنترنت.
النكسة المصرية.. من أوصل البلاد لهذا الوضع؟
جانب آخر من المشهد يتجلى في حديث السيسي الذي خلا من أي أمل أو وعود لتحسين الحياة اليومية، جاء حديثه عن حالة الانهيار والفشل السياسي والاقتصادي، محملاً الأزمة لـ”فتنة 30 يونيو” التي قاد فيها انقلابًا عسكريًا دمّر مصر، وما تتحمل تبعاته هي دولة السيسي ونظام مبارك العميق.
قال السيسي: “ما تعيشه مصر الآن يشبه ما حدث بعد نكسة 5 يونيو 1967″، ومع ذلك، لم يحمّل نفسه المسؤولية عن هذه الأزمة.
وأضاف السيسي خلال احتفال في استاد العاصمة الإدارية الجديدة، قائلاً: “المصريون دفعوا من دمائهم ثمنًا لانتصار 6 أكتوبر 1973″، متجاهلاً أن المصريين يدفعون دماءهم الآن بفقرهم وجوعهم، في ظل حوادث طرق وكباري وقطارات متكررة.
إذ تُعاني مصر أزمة اقتصادية خانقة منذ توقيع الحكومة اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي لاقتراض 12 مليار دولار في 2016، وما تلاه من تحرير سعر صرف العملة، مما أدى إلى تراجع الجنيه أمام الدولار، وسط غضب شعبي من تضاعف أسعار الخدمات والسلع الأساسية بأكثر من 1000% خلال عشر سنوات، وآخرها زيادة الوقود بنسبة 17.3% للمرة الثالثة هذا العام.
يحاول السيسي تجاوز هذه الأوضاع الكارثية بالحديث عن التحديات الإقليمية، دون أي موقف فعلي ضد استهانة إسرائيل بمصر وحدودها، حيث تتواجد الآليات العسكرية الإسرائيلية على مقربة من سيناء، رغم معاهدات السلام التي يدّعي أن مصر حاربت من أجلها.
لم يُشر السيسي إلى موقف إسرائيل عندما أعلن وزير ماليتها عن طموح إسرائيل في غزو أراضٍ عربية، بما في ذلك سيناء.
كوارث نكسة السيسي
وسط هذه الأوضاع، تزداد المخاوف الشعبية من تنازل السيسي عن مزيد من الأراضي المصرية لصالح إسرائيل أو حلفائها الإقليميين، بحجة “التطوير”، كما يخطط السيسي لبيع الأصول الاقتصادية ومطارات وشركات الدولة للمستثمرين الأجانب مقابل الدولار، فيما يبقى للفقراء المزيد من الفقر والمعاناة، وتتوالى الزيادات في أسعار البنزين والنقل والأدوية والمساكن والتعليم، بغض النظر عن وجبة أو علبة سجائر و500 جنيه بين الحين والآخر، في احتفالات يمولها بارونات الفساد.