بقلم /خالد وليد محمود
ثمة لحظاتٌ في التاريخ لا تُهزم فيها المدن بالنار وحدها، بل تُهزم حين تنطفئ الإشارة. لحظةٌ خاطفةٌ تفصل بين عالمٍ يتنفس عبر الشبكة وعالم يُغلق عليه الباب من الداخل… بلا صوت. شاشةٌ لا تُحدِّث أخبارها، رسائل لا تصل، خرائط لا تعمل، واتصالٌ يُقطع كأنّ أحداً سحب الهواء من رئة البلاد. في تلك اللحظات، لا يعود الإنترنت مجرّد "خدمة"، بل يصبح حياةً موازية تقوم عليها الحياة الأولى؛ ومن يملك زرّ الإطفاء لا يقطع الشبكة فحسب، بل يقطع حقّ الناس في الشهادة والتنظيم ورواية الحقيقة كما هي.
هذا ما يرويه المشهد الإيراني اليوم بوضوح. فقد أفادت بيانات جمعها مرصد مراقبة الإنترنت العالمي "نتبلوكس" بأنّ البلاد شهدت انقطاعاً شبه كامل للإنترنت على مستوى الدولة، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات في طهران، ومدن أخرى مثل مشهد وأصفهان. ووفق بيانات لحظية ينشرها المرصد، هبطت حركة الإنترنت إلى نحو 1% من مستوياتها الطبيعية، ما يعني أن نحو 99% من حركة الاتصال توقّفت فعلياً، وأن ملايين المستخدمين يعيشون عزلةً رقميةً شبه كاملة، في وقت يبقى فيه الوصول إلى الشبكات الدولية متوقّفاً أو مشلولاً في معظم المناطق.
يكشف المشهد الإيراني أن الاتصال لم يعد ترفاً تقنياً، بل صار أحد مفاتيح القوة في زمن الاضطرابات
ليس الانقطاع هنا عرضاً جانبياً للأزمة، بل جزءٌ من بنيتها. ففي سياق الاحتجاج، يتحوّل الإنترنت إلى شريان تنظيم وحشد وتبادل معلومات، وإلى منصّة توثيق تُخرج الصورة من الداخل إلى الخارج، وتمنح المحتجّين قدرةً على تجاوز الرواية الرسمية. لذلك تتعامل السلطات مع الشبكة بوصفها ساحة مواجهة قائمة بذاتها، لا تقلّ أهميةً عن الشارع، فالهدف من القطع لا ينحصر في تعطيل التطبيقات والمنصّات، بل في تعطيل المجال العام الرقمي نفسه، ومنع تشكّل سردية مضادّة، وإضعاف القدرة على التنسيق، والأهم: تقليص فرص رصد القمع وإخراجه إلى العلن.
في مواجهة هذا الإطفاء، يعود دائماً سؤالٌ معاكس: كيف يمكن كسر العزلة الرقمية عندما تتحوّل الشبكة إلى أداة ضبط سياسي وأمني؟ هنا عاد اسم الملياردير الأميركي إيلون ماسك وخدمة شركته ستارلينك إلى الواجهة مجدّداً، مع تداولٍ واسعٍ لأنباء تتحدّث عن إمكانية توفير اتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية بديلاً من الشبكات الأرضية الخاضعة لسيطرة الدولة، وكما في محطّات سابقة، بدا الإنترنت الفضائي وكأنّه نافذة قادرة على اختراق التعتيم وإعادة وصل الداخل بالخارج. غير أن القصة أعمق من فكرة "حل تقني"؛ فالمنظومة التي بدأت مشروعاً لتوفير الإنترنت في المناطق النائية، صارت في السنوات الماضية عنصراً استراتيجياً في ميادين الحرب والاحتجاج، وأداةً تُربك فكرة السيادة كما اعتدنا فهمها.
بالعودة إلى الوراء، وعندما اجتاحت القوات الروسية أوكرانيا في 2022، اتضح دور "ستارلينك" الحاسم بصورة غير مسبوقة. فمع تدمير شبكات الاتصالات التقليدية أو تعطيلها تحت ضغط الحرب، وجد الأوكرانيون أنفسهم أمام تهديد مزدوج: تهديد ميداني مباشر، وتهديد بانقطاع الاتصال يُفقد الدولة تماسكها الإداري والعسكري في لحظة حرجة. في تلك اللحظة تحوّلت "ستارلينك" إلى ما يشبه "شريان نجاة اتصالياً"، يربط الجبهات والخدمات الأساسية ومراكز الطوارئ بالإنترنت، ويُبقي الدولة في قيد العمل تحت القصف.
وبحلول مطلع 2025، سُلِّم الجيش الأوكراني عشرات آلاف محطّات "ستارلينك"، بتمويل مشترك من "سبيس إكس" وحلفاء غربيين. وفوق أنها وسيلة اتصال، أصبحت المنظومة جزءاً من بنية العمليات؛ إذ ساعدت في الربط بين الوحدات، وفي توجيه الطائرات المسيّرة، ودعم الاستهداف في الزمن الحقيقي. وقد وجّهت جهات أوكرانية رسمية الشكر علناً إلى ماسك لإبقائه الاتصال قائماً في أوقات وُصفت بأنها الأقسى. هكذا خرجت "ستارلينك" من أن تكون خدمةً لتصبح بنيّةً تحتيّةً حيويّةً في زمن الحرب.
ثم اتّسع نطاق حضورها خارج ميادين الجبهات. ففي أعقاب ثوران بركان تونغا في يناير/ كانون الثاني 2022، وبعد أن انقطعت الجزر عن الإنترنت، تبرّع ماسك بعدة محطّات "ستارلينك" لتغطية المناطق النائية، حتى إصلاح كابلات الاتصالات. وفي زلزال تركيا عام 2023، عُرضت الخدمة حلّاً طارئاً عندما تعثّرت الشبكات، لكن أنقرة رفضت العرض وفضّلت الاعتماد على بنيتها المحلّية لدواعٍ تتصل بالسيادة والتحكّم. وفي حرب غزّة 2023، وعندما تسبّب القصف الإسرائيلي في انقطاع الاتصالات، اقترح ماسك تفعيل "ستارلينك" لصالح منظّمات الإغاثة الدولية، لكن الاقتراح قوبل بتحذير إسرائيلي شديد وتهديد باتخاذ إجراءات لمنع تشغيل الخدمة من دون موافقة رسمية، وكانت "ستارلينك" قد وسّعت خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في أفريقيا، معلنةً أنها أصبحت متاحة في 18 دولة حتى مارس/ آذار 2025، في خطوة تعزّز البنية التحتية الرقمية في قارّةٍ تعاني فجواتٍ كبيرة في الاتصال، هذه الأمثلة لا تقول فقط إنّ "ستارلينك" قادرة على "إعادة الإنترنت"، بل تكشف أنها أصبحت نقطة تماس سياسي وأمني، وأن الاتصال ذاته بات جزءاً من حسابات النفوذ.
في إيران، تحوّلت الفكرة سريعاً إلى واقعٍ سوقي معقّد. فمع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال 2022 – 2023، ظهرت سوق سوداء لأجهزة ستارلينك، بعدما مُنحت الولايات المتحدة ترخيصاً استثنائياً لتفعيل الخدمة فوق إيران رغم غياب أيّ ترخيص محلّي. تسابقت شبكات ناشطين بالخارج لتهريب الأجهزة إلى الداخل عبر دول الجوار ومسارات غير رسمية. وبسبب المخاطر وندرة الأجهزة، ارتفعت الأسعار داخل إيران إلى مستويات كبيرة؛ إذ تجاوز سعر الجهاز أحياناً ثلاثة أضعاف سعره العالمي. هذه التكلفة المرتفعة جعلت امتلاكه محصوراً بفئات محدودة، ما دفع بعضهم إلى تقاسم جهاز واحد بين أسر عدّة أو مبانٍ لتخفيف النفقات، في مشهد يعيد إلى الذاكرة زمن أطباق "الستالايت"، حين كانت تُخفى وتُهرّب وتُعامل نافذةً على عالم محجوب.
لكن الأنظمة لا تنظر إلى "النافذة" بوصفها تفصيلاً، بل بوصفها تهديداً. لذلك تعمّدت السلطات الإيرانية تتبُّع الأجهزة ومصادرتها عند العثور عليها، ووجّهت اتهامات لمن يُضبط بحوزته جهاز ستارلينك تشمل حيازة بضائع مهرّبة، وقد تصل العقوبات إلى مستويات أشدّ إذا اعتُبر الأمر مرتبطاً بالتخابر. وعلى الرغم من ذلك، يعكس الحديث عن وجود أعداد كبيرة من المستخدمين النشطين داخل إيران بحلول أواخر 2025، حجم التحدّي الذي يواجهه النظام في منع تدفّق التقنية عبر الحدود، والطلب الشعبي المتزايد على إنترنت غير مراقَب.
إيلون ماسك، بحكم امتلاكه منظومة ستارلينك، وجد نفسه صانع قرار يؤثّر في نزاعات شديدة التعقيد
لا تقف هذه الحساسية عند إيران وحدها. فروسيا حظرت "ستارلينك" رسمياً منذ 2021، وهدّدت بفرض غرامات على الأفراد والشركات، باعتباره مشروعاً غربياً يهدّد السيادة الرقمية. أما الصين، فإلى جانب رفضها منح ترخيص تشغيل للمنظومة، تنظر إلى تمدّد "ستارلينك" العالمي بقلق، باعتباره تهديداً للأمن القومي، وبرزت نقاشات بحثية حول وسائل محتملة لتعطيل أو استهداف أقمار ستارلينك عند الحاجة. المشترك في هذه المواقف أن الدول الكبرى لا ترى في ستارلينك مجرّد "خدمة اتصالات"، بل عنصراً سياسياً قادراً على اختراق المجال السيادي.
في قلب هذا التحوّل، تقف مفارقة أخرى أكثر حساسية: لا تمنح "ستارلينك" قوةً للدول والشعوب فحسب، بل تمنح قوةً غير مألوفة لمالكه. فإيلون ماسك، بحكم امتلاكه منظومة الاتصالات الفضائية، وجد نفسه في موقع صانع قرار يؤثّر في نزاعات شديدة التعقيد. ففي أوكرانيا، ورغم الدور الحيوي لمنظومته، كشفت تقارير أنه قيّد استخدامها لأغراض هجومية في محطّات معيّنة، ورفض تفعيل التغطية في مناطق حسّاسة خشية التصعيد. بغضّ النظر عن تفسير دوافعه، النتيجة سياسية بامتياز: قرار فرد واحد يمكن أن يؤثّر في مسار عمليات عسكرية أو في إمكانية الوصول إلى الاتصال في لحظة حاسمة. وهذا ما يفتح باب الأسئلة عن حيادية البنية التحتية الحيوية، وحدود نفوذ القطاع الخاص، ومن يملك حقّ التحكّم في "مفاتيح الاتصال" عندما يصبح الاتصال مسألة أمن قومي.
في المحصلة، لا تختزل واقعة الاحتجاجات في إيران، وما وثّقته "نتبلوكس"، وصعود "ستارلينك" إلى الواجهة، في مواجهة تقليدية بين حكومة ومحتجّين، ولا في سباقٍ تقني بين دولة تُطفئ الشبكة ومنظومةٍ تسعى لتجاوزها. نحن أمام تحوّل بنيوي في طبيعة الصراع ذاته؛ إذ غدا الفضاء السيبراني ساحةً تُدار فيها معارك الشرعية، وتُصاغ عبرها الروايات، وتُختبر داخلها حدود السيادة. فحين تُقدم الدولة على قطع الاتصال، فهي لا تعطّل منصّات فحسب، بل تعطّل القدرة على التوثيق، وتُفرغ المجال العام من صوته، وتفرض عتمةً سياسيةً تُدار بأدوات رقمية. وفي المقابل، يمنح الإنترنت الفضائي فرصةً لكسر الحصار المعلوماتي وفتح نافذة للعالم، لكنّه يطرح مفارقةً موازيةً: إذ قد تتحوّل حرية الاتصال من قبضة الدولة إلى تبعية جديدة، تُصبح فيها إمكانية الوصول مرهونةً بإرادة منصّة خاصة تتحرّك فوق الحدود، وتتقدّم على أدوات الدولة وقيودها وقوانينها.
تأسيساً على ما سبق، يكشف هذا المشهد أنّ الاتصال لم يعد ترفاً تقنياً، بل صار أحد مفاتيح القوة في زمن الاضطرابات. وما بين قرارٍ يعزل بلداً في الأرض، وقرارٍ يعيده إلى العالم من السماء، يظلّ السؤال الأكثر إلحاحاً: من يحكم الاتصال حين يصبح الإنترنت سلاحاً؟

