أنهكتهم سنوات من التضخم المرتفع .. “بلومبيرج”: زيادة لأعباء المعيشة على المصريين

- ‎فيتقارير

تحت ضغط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والكيان من جهة وإيران من جهة أخرى، وجدت مصر نفسها أمام اختبار اقتصادي جديد، رغم بُعدها الجغرافي عن الصواريخ التي تضرب الخليج.

وأكد تقرير بلومبيرج الذي جاء بعنوان (الأصول المصرية تتلقى الضربة الأقسى في الشرق الأوسط) أن الأصول المصرية كانت من بين الأكثر تضررًا في المنطقة، إذ خرجت مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ، وتراجعت السندات، وانخفض الجنيه إلى مستوى قياسي جديد، بينما يفاقم ارتفاع أسعار الطاقة الضغوط على الموازنة العامة ويهدد بزيادة أعباء المعيشة على المواطنين الذين أنهكتهم سنوات من التضخم المرتفع.

 

ورغم أن مصر واجهت صدمات مشابهة في السابق—مثل غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، ثم حرب غزة في أكتوبر 2023 التي شلّت إيرادات قناة السويس—إلا أن الحرب الحالية تضع الإصلاحات الاقتصادية المدعومة من صندوق النقد الدولي تحت اختبار أكثر قسوة.

 

57 مليار دولار… هل كانت كافية للتحضير للعاصفة؟

قبل عامين فقط، حصلت مصر على واحدة من أكبر حزم الإنقاذ في تاريخها، بقيمة 57 مليار دولار، قادتها الإمارات وصندوق النقد الدولي، هذه الحزمة ساعدت القاهرة على تجاوز أزمة العملة التي تفجرت بعد خروج الأموال الساخنة في 2022، وأعادت بعض الاستقرار النسبي، لكن السؤال الذي تطرحه بلومبيرج اليوم: هل كان هذا التحضير كافيا لمواجهة صدمة بحجم الحرب الحالية؟

 

يقول فاروق سوسة، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جولدمان ساكس: “الحرب تضع التزام مصر بالسياسات الاقتصادية التقليدية على المحك.”

ويضيف أن مصر “معرّضة للخطر ولكنها أكثر قدرة على الصمود” مقارنة بالأزمات السابقة.

 

مرونة سعر الصرف… صدمة مؤلمة لكنها ضرورية

منذ اندلاع الحرب، تراجع الجنيه المصري بنحو 9%، وهو أسوأ أداء عالميًا خلال الفترة نفسها. لكن هذا التراجع، وفق صندوق النقد الدولي، هو جزء من آلية “امتصاص الصدمات” التي يفترض أن يوفرها سعر الصرف المرن.

 

يقول محمد أبو باشا، رئيس قسم التحليل الكلي في إي إف جي هيرميس: “سعر الصرف المرن كان بمثابة ممتص للصدمات، فهو يحمي الاحتياطيات الأجنبية ويضمن توافر السيولة.”.

 

وهذا يختلف جذريًا عن الأزمات السابقة حين كان البنك المركزي يدافع عن الجنيه على حساب الاحتياطي النقدي.

 

الأموال الساخنة… خروج أقل من 2022 ولكن الخطر قائم

كانت الديون المصرية من الأصول المفضلة لدى المستثمرين الأجانب بفضل واحد من أعلى أسعار الفائدة الحقيقية في العالم، وقدّر سيتي بنك حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة بنحو 32 مليار دولار قبل الأزمة مباشرة.

 

ومع بداية الحرب، خرج نحو 7 مليارات دولار منذ منتصف فبراير، بحسب إي إف جي هيرميس، ورغم أن هذا الرقم أقل بكثير من الـ 20 مليار دولار التي خرجت خلال حرب أوكرانيا، إلا أن حجم المخاطر الحالية أكبر بسبب تزامنها مع ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع إيرادات قناة السويس.

 

وتشير بلومبيرج إلى أن 1.5 مليار دولار عادت في اليوم التالي لتلميح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكانية انتهاء الصراع سريعًا، ما يعكس حساسية المستثمرين لأي إشارات سياسية.

 

السندات والبورصة… خسائر تفوق الأسواق الناشئة

تراجعت السندات المصرية المقومة بالدولار بنسبة 2.6% منذ بدء الحرب، مقارنة بمتوسط تراجع 1.3% في الأسواق الناشئة، كما هبط مؤشر EGX30 بنسبة 4.9% خلال الشهر، هذه الأرقام تعكس هشاشة السوق المصرية أمام الصدمات الخارجية، رغم التحسن النسبي في الاحتياطيات.

 

ارتفاع أسعار النفط… عبء جديد على الموازنة

مع تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل صباح الخميس، لم تتردد “الحكومة” في تمرير الزيادة إلى المستهلكين، فرفعت أسعار الوقود بما يصل إلى 17%، وهي أكبر زيادة منذ سنوات.

 

ويرى فاروق سوسة أن هذا القرار—إلى جانب ترك الجنيه يتحرك بحرية—يمثل “دليلًا على الالتزام بالسياسات الاقتصادية التقليدية” التي يطالب بها صندوق النقد.

 

لكن هذا الالتزام يأتي بثمن اجتماعي مرتفع، إذ يواجه المواطنون موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في وقت يعانون فيه أصلًا من ضغوط معيشية خانقة.

 

احتياطيات قياسية… ولكن هل تكفي؟

بلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية 52.7 مليار دولار الشهر الماضي، بزيادة تقارب 30% مقارنة بفترة اندلاع حرب أوكرانيا، كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية إلى 14.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ 2012.

 

هذه الأرقام تمنح مصر هامشًا أكبر للصمود، لكنها لا تلغي المخاطر، فارتفاع أسعار النفط والغاز سيزيد الضغط على الموازنة والحساب الجاري، كما أن استمرار الحرب قد يهدد خطط مصر للتحول إلى اقتصاد يقوده التصدير والاستثمار الخاص.

 

مخاطر التضخم… والأنظار تتجه إلى البنك المركزي

تحذر جولدمان ساكس من أنه إذا أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى “فكّ ارتباط توقعات التضخم”، فإن البنك المركزي سيضطر إلى التدخل عبر رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يضغط أكثر على الاستثمار والنمو.

 

وفي محاولة لطمأنة الأسواق، قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي: إن “الحكومة على تواصل مع المؤسسات الدولية لتسريع صرف القروض الموعودة”.

 

خلاصة: صمود نسبي… لكن الخطر لم يمر

تؤكد بلومبيرج أن مصر تدخل هذه الأزمة من موقع أقوى مقارنة بالأزمات السابقة، بفضل الاحتياطيات المرتفعة، ومرونة سعر الصرف، والدعم الدولي، لكن في المقابل، فإن حجم الصدمة—خروج الأموال الساخنة، ارتفاع أسعار الطاقة، تراجع الإيرادات الدولارية—يجعل قدرة مصر على الصمود تحت الاختبار الحقيقي.

 

ومع أن الإصلاحات الاقتصادية منحت القاهرة بعض أدوات الحماية، إلا أن استمرار الحرب أو اتساعها قد يضع الاقتصاد المصري أمام موجة جديدة من الضغوط التي قد تتجاوز قدرة هذه الأدوات على الاحتواء.
https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-11/ripples-from-iran-war-put-egypt-s-resilience-under-spotlight?

ضغوط غير مسبوقة

ومن جانب آخر، في تقرير لمجلة “فورين بوليسي” كشف عن ضغوط غير مسبوقة تواجه نظام السيسي نتيجة تداعيات الحرب الإقليمية من (عملية الغضب العارم).

 

بين انقطاع تدفقات الغاز المسروق “غاز الكيان” الذي يغذي 60% من الواردات، وتهديدات الملاحة في قناة السويس التي فقدت مليارات الدولارات، يجد النظام نفسه أمام اختبار صعب لوعده الأساسي للمصريين: “الاستقرار مقابل الخدمات”.

 

أهم ما جاء في التقرير:

تأثير توقف الغاز على الشارع المصري وتحوله لـ “وقود للغضب”.

خسائر قناة السويس التي تجاوزت 9 مليارات دولار.

مأزق “رجل الأزمات” في الموازنة بين الضغوط الدولية والاحتياجات الداخلية.