خداع الحكومة للمصريين ..رعاية الدولة للمطورين العقارين يحرم العامة من الحق في السكن

- ‎فيتقارير

الحق في السكن من أهم حقوق الانسان، وللدولة دور مهم وضروري في تمكين مواطنيها من السكن المناسب في حدود الإمكانات المادية المتاحة. كانت مصر توفر مساكن لغير القادرين تحت مسمى الإسكان الشعبي بداية من ستينات القرن الماضي وقدمت الدولة بداية الالفية الجديدة مشروعات إسكان للشباب وحديثي الزواج وشباب الخريجين. وعقب الانقلاب العسكري وسعت الدولة سيطرتها على الأراضي الصحراوية المؤهلة للسكن وفي خطوة تالية سيطرة شركات تابعة لجهات سيادية والقوات المسلحة علي مجال البناء والإسكان بما في ذلك صناعة الاسمنت، وكما هي العادة أسعار المنتجات التي تخرج من الجهات سيادية غالبا يكون ثمنها مرتفعًا .

 

انتقادات واسعة

إعلان وزارة الإسكان بحكومة الانقلاب  تحديد سقف سعري لوحدات محدودي الدخل ضمن مبادرة "سكن لكل المصريين" التي تطرحها الدولة مع مطورين من شركات خاصة ليبلغ 1.25 مليون جنيه للوحدة " حوالي 23.500 ألف دولار"، و1.35 مليون جنيه "نحو 25.400 ألف دولار" للوحدات المزودة بمصعد، ما أثار انتقادات بعدم منطقية الطرح.

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، عن مفارقة عدم توافق السعر المعروض للوحدات السكنية لمحدودي الدخل مع دخلهم الشهري، ومع الحد الأدنى للأجور البالغ فقط 7 آلاف جنيه، مبينا أنه "لو تم التقسيط على 20 سنة، فإن القسط الشهري لن يقل عن 6 آلاف جنيه"، ملمحا إلى أنه "في هذه الحالة فإن دخل محدودي الدخل يجب أن يكون في حدود 24 ألف جنيه شهريا".

وأكد متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن "تلك الوحدات لا تُناسب محدودي الدخل وأنه يتم خداع المصريين بهذه المبادرات"، واعتبرها السياسي المصري سمير عليش "استمرارا لسياسات المنظرة على البعض، والفهلوة على محدودي الدخل، والتيسير على السلطات السيادية."

وأشار مصريون إلى أنه "وخلال عهد مبارك، تم طرح عدد من المبادرات الحقيقية لمحدودي الدخل، مع تخصيص واسع للأراضي بالمدن الجديدة بأسعار مدعمة وتقديم تسهيلات في سداد الأراضي، مع دعم حكومي بمواد البناء كالإسمنت والحديد"، في إشارة إلى مبادرة "ابني بيتك" بالمدن الجديدة.

 

خداع المصريين

 وأوضح المطور العقاري بمدن "العاشر من رمضان" و"بدر" و"الشروق"، قرب العاصمة الإدارية الجديدة، سيد محمود، أن "خداع البسطاء بحلم السكن في مدينة جديدة بعيدا عن زحام القاهرة وعدم وجود خدمات في الريف بدأ مع انتباه رئيس الانقلاب لأهمية وقيمة الأراضي الصحراوية، وتوجهه نحو شق طرق داخلية ومواصلات إلى شرق وغرب القاهرة."

وقال سيد، إنه "قبل ثورة يناير 2011، كان يُطلب فقط مبلغ 1000 جنيه كمقدم لقطعة أرض في مدينة بدر والشروق والعاشر من رمضان كاملة المرافق، ويتم سداد أقساطها على فترات طويلة، حتى تم إلغاء مسابقة الإسكان الاجتماعي عقب الثورة، ومع عودتها قرر السيسي، أن يحتكر جميع الأراضي، ليبني هو والجيش وشركات الدولة والمطورون العقاريون الكبار فقط."

ولفت الي أنه "قلص تماما حصص أراضي الإسكان الاجتماعي للفقراء ومحدودي الدخل، ووضع شروطا قاسية على الحصول على شقق الإسكان الاجتماعي مع رفع أسعارها، وبدأ بشراسة منافسة الأهالي وشركات بناء الإسكان محدودة الإمكانيات في البناء بالمدن الجديدة".

وأضاف مستدركا: "لكنه ورغم حصوله على الأراضي مجانا، ودفع مقابل بسيط عن الخدمات، وحصوله على مواد البناء بأسعار أقل من السوق والقطاع الخاص، فرض سطوته على السوق وضاعف أسعار الأراضي المطروحة وأسعار الشقق، خاصة كمبوندات الجيش مثل "دار مصر وسكن مصر" وغيرها، ما فاقم أسعار الشقق القديمة والجديدة على محدودي الدخل.

وأشار إلى أنه قبل أعوام من توغل الحكومة والجيش في قطاع البناء كان يمكن للمواطن دفع 50 ألف جنيه مقدم شقة بقيمة 150 و200 ألف جنيه بتقسيط لعدة سنوات من شركات الإسكان المتوسط والأهالي، ولكنه الآن وفي ظل الوضع الاقتصادي الصعب من أين يحصل على مقدم شقة ثمنها 2 و3 ملايين جنيه؟، وكيف سيدفع أقساطها؟"، ملمحا إلى أن "سوق العقار متضرر بشكل كبير ومصاب بحالة من الركود والمخاوف".

 

كيان مريب يهدف للسيطرة علي المجال

ويشير مقاول وتاجر مواد البناء أشرف محمود، إلى "تضييق الحكومة على البناء في المدن والقرى المصرية وحرمان آلاف المهنيين من العمل منذ العام 2017، وبالتالي حرمان ملايين الشباب من الحصول علي وحدة سكنية بالبناء أو بالتعلية بأدوار أعلى، مع منع توسعة الأجوزة العمرانية في المدن والقرى رغم مرور أكثر من عقد على آخر تحديث لها".

وقال إن "الدولة تتجاهل وجود أجيال جديدة من محدودي الدخل يحتاجون السكن ولا يقدرون على شراء وحدات سكنية من المطورين العقاريين الذين تعج بهم إعلانات الفضائيات، كما لا يمكنهم السكن في القاهرة أو المدن الجديدة لعدم قدرتهم المالية؛ ما خلق أزمات اجتماعية أخرى كتراجع معدلات الزواج وبطالة قطاع كبير من المهنيين، واضطرار كثرين للهجرة غير الشرعية إلى ليبيا وتعرضهم لخطر الغرق أو العمل بشكل غير قانوني بدول عربية كالعراق والإمارات".

ووصف الأمر بأنه "عقاب من الدولة للمصريين الذين تمكن بعضهم بسبب قدرته المالية عبر السفر للخارج أو عبر بيع أراضٍ أو ممتلكات قام ببناء سكن له ولأبنائه ليصطدم ببلدوزرات الوحدات المحلية وقوات الشرطة وهدم "شقى عمرهم"، لتصدمهم الحكومة بإصدارها قانون التصالح على البناء لعام 2019، و2023، الذي فاقم معاناة الأهالي المالية وعاقبهم بدفع مبالغ كبيرة وحرمهم من البناء أوالتعلية.

وقبل أيام شهدت مواقع التواصل الاجتماعي واقعة تكشف عن عقاب الحكومة للمصريين بهدم ما بنوه من عقارات، ففي مشهد مؤلم حاولت سيدة مُسنة تقبيل قدم رئيسة مركز ومدينة بني مزار بمحافظة المنيا، خلال حملة إزالة لمنزلها الأسبوع الماضي، قائلة لها: "سوف نبيت في الشارع". وبينما تتجاهل السلطات مطالبات الأهالي بوقف عمليات الهدم أو توفير سكن بديل لملايين المتضررين، حصلت الحكومة على 15.6 مليار جنيه من 1.75 مليون طلب تصالح في مخالفات البناء من مليوني طلب، بحسب بيان لوزارة التنمية المحلية.

ويلفت مواطنون إلى أن الحكومة تُعاقب كل من وضع حجرا لبناء مسكن، بمضاعفة أسعار تكلفة توصيل المرافق كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، مشيرين إلى زيادة أسعار الكهرباء عبر العدادات الكودية، في أبريل الماضي، وجعلها بسعر ثابت (2.74 جنيه لكل كيلوواط/ساعة)، على نحو 2.6 مليون عداد.

وفي حين مثَّل القرار صدمة للكثيرين حتى لغير المخالفين كونه يضع عبئا كبيرا على محدودي الدخل مقارنة بنظام الشرائح التدريجي المطبق على العدادات القديمة؛ قابل رئيس الوزراء مصطفى مدبولي شكاوى المواطنين، بالقول الاثنين الماضي، إن "الإجراء الأصلي تجاه تلك المباني كان الإزالة"، مستنكرا على آلاف من محدودي الدخل شكواهم.

 

عقاب المواطنين ودعم المطورين العرب والأجانب

وفي مقابل القيود الحكومية المفروضة على الطبقة المتوسطة والفقيرة من المصريين في قطاع البناء، خفضت الحكومة الرسوم المفروضة على مشروعات الشراكة العقارية بالساحل الشمالي، وقلَّصت قيمة الرسوم التي يتحملها المطورون بنحو 48 بالمئة إلى 50 بالمئة، وذلك في قرارات تسري على المطورين العرب والأجانب.

وأجمع عدد من المطورين العقاريين على أن أسعار العقارات في مصر تتجه لتسجيل زيادات جديدة العام الحالي، مع ضغوط التكلفة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات ومواد البناء، إلى جانب تأثيرات سعر الصرف والفائدة وفق حديثهم لـ"الشرق مع بلومبريج" رئيس مجلس إدارة "الأهلي صبور" وتوقع أحمد صبور زيادة من 15 إلى 20 بالمئة في أسعار البيع هذا العام، ليُضاعف رئيس مجلس إدارة "مجموعة السالم القابضة" بهاء سالم، توقعاته لتكون بين 30 و35 بالمئة زيادة بأسعار العقارات".

ومنذ بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تراجعت العملة المصرية من مستويات قرب 46 جنيها للدولار إلى ما يزيد على 53 جنيها حاليا، إثر هروب أجانب من أدوات الدين الحكومية والبورصة، في حين رفعت الحكومة أسعار الوقود والغاز بين 14 و30 بالمئة، ما أثر على قطاعات النقل وصناعات مثل الإسمنت والحديد وخامات التشطيبات.

 

بدائل مستحيلة

 وفي ظل تراجع مبيعات الشقق السكنية وفق تأكيد مطورين عقاريين وسماسرة ومتعاملين في السوق، ومع تراجع القدرة الشرائية لدى كثير من المصريين، يلجأ من لا يملك شقة من الشباب المقبل على الزواج إلى بديل الإيجارات بالعاصمة القديمة والمدن الجديدة ما دفع بهذا الخيار أيضا إلى زيادات سعرية لا يقدر عليها كثيرون.

وبلغت الزيادة السعرية بإيجارات مدينة السادس من أكتوبر 11.2 بالمئة، و10 بالمئة بالقاهرة الجديدة في الربع الأول من العام الحالي، بحسب شركة الاستشارات العقارية "جيه إل "، التي كشف تقريرها أن هذا الاتجاه دفع كبار المطورين إلى "تمديد خطط السداد وتقديم تخفيضات للمشترين، في حين أحجم صغار المطورين، الذين يعانون من أزمات سيولة، عن طرح أي مشروعات جديدة"، وفي جولة بمنطقة أرض الدلتا بحي شبرا الخيمة الشعبي شمال القاهرة، أكد سماسرة أن "أسعار الشقق السكنية ارتفعت إلى معدلات غير مسبوقة وأن الشقة التي كان سعرها 100 ألف جنيه بمساحة 80 و90 مترا قبل 10 أعوام سعرها اليوم مليون جنيه على التشطيب".