“الزحف المقدس” لا يوقفه استبعاد مؤقت.. أبناء القضاء الأولى في تعيينات النيابات 34%ثم “الجيش” و”الداخلية”

- ‎فيتقارير

رغم الضجة التي أثارتها موجة الاستبعاد الأخيرة (التي كشفت عنها منصة متصدقش) لبعض أبناء القضاة من التعيين في الهيئات القضائية بعد إخضاعهم لدورات الأكاديمية العسكرية لأسباب اللياقة البدنية والمظهر، فإن ما يُعرف تاريخيًا بـ "الزحف المقدس" الذي أعلنه أحمد الزند القاضي الانقلابي البارز لم يتوقف فعليًا، بل أعاد إنتاج نفسه في صورة جديدة، فالأرقام تكشف أن أبناء القضاة ما زالوا يحتفظون بالنصيب الأكبر داخل التعيينات، حيث يشكلون 34% على الأقل ( حسب تقرير في أغسطس 2025) من المقبولين، بينما يذهب الجزء الأكبر من النسبة المتبقية إلى أبناء الجيش والداخلية، في استمرار واضح لهيمنة شبكات النفوذ التقليدية على بوابة الالتحاق بالقضاء.

ورغم الخطاب الدعائي الذي يروّج لفكرة أن الدورة العسكرية الجديدة جاءت لـ"حسم الجدل" و"منع الوساطة" و"إغلاق باب التوريث"، فإن الواقع يشير إلى أن الاستبعاد كان مؤقتًا وانتقائيًا، ولم يمس البنية العميقة التي حكمت التعيينات لعقود، فالغضب الذي يسود الأوساط القضائية اليوم بسبب رسوب بعض أبنائهم لا يلغي حقيقة أن الامتيازات ما زالت قائمة، وأن التوريث لم يُلغَ بل تغيّر شكله فقط.

105 مستبعد

ونشرت منصة @matsda2sh عن ( 105 مستبعدين من أبناء القضاة) من 3 دفعات لا يمثلون أكثر من 4% في مجمل تعيينات القضاة، حيث  بلغ عدد المستبعدين 42 مرشحًا للتعيين في النيابة العامة، من تظلمات دفعة عام 2021، والدفعة الأصلية لعام 2022، و37 من دفعات مجلس الدولة من تظلمات عام 2021، والدفعة الأصلية لعام 2022، إضافة إلى 26 من دفعة النيابة الإدارية لعام 2021، بإجمالي 105 مستبعدًا.

وجاءت الاستبعادات (لتعيين المتفوقين والأكاديميين بكليات الحقوق "لا سمح الله"!) من مرحلة الاختبارات التي بدأت في أبريل 2026 واستمرت لمدة ثلاثة أسابيع، والتي تعقد لتصفية المرشحين للتعيين، قبل الدورة التأهيلية التي تستمر بالأكاديمية العسكرية لمدة 6 أشهر، التي بدأت في 25 أبريل الماضي، بحسب المصادر التي تحدثت إلى “متصدقش”.

و شملت مصادر المنصة، رئيس محكمة وهو والد أحد المستبعدين من التعيين في النيابة العامة، ومستشاران بدرجة نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية أحدهما نجله استُبعد من الاختبارات، وقاضٍ بدرجة نائب رئيس بمحكمة النقض، وآخر نائب رئيس بمجلس الدولة.

وقالت: إن "الاستبعاد أدى لاندلاع موجة غضب داخل الأوساط القضائية للعام الثاني على التوالي، بسبب استبعاد عدد كبير من أبناء القضاة والمستشارين من التعيين في الهيئات القضائية، بعد رسوبهم في اختبارات الأكاديمية العسكرية التي أصبحت منذ 2023 شرطًا أساسيًا للتعيين في مختلف قطاعات الدولة، بما فيها الجهات القضائية".

الاستبعادات جاءت بعد اختبارات استمرت ثلاثة أسابيع في أبريل 2026، قبل بدء الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر.

في أبريل 2023 أصدر رئيس الوزراء قرارًا يلزم جميع المعينين الجدد بالحصول على دورة تأهيلية عسكرية لمدة 6 أشهر كشرط للتعيين.

هذا القرار امتد إلى النيابة العامة، مجلس الدولة، النيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، رغم أن التعيينات القضائية كانت سابقًا تخضع فقط لقوانين السلطة القضائية دون أي اشتراطات عسكرية.

وفي عام 2025 ظهرت أول موجة كبيرة من الاستبعادات، حيث تم استبعاد 173 مرشحًا من الجهات القضائية المختلفة، رغم اجتيازهم كل مراحل التعيين القضائية التقليدية.

وأبرز أسباب الاستبعاد كانت: عدم اجتياز الاختبارات الرياضية والرسوب في الكشف الطبي بسبب الوزن أو أمراض مزمنة، ومعايير عسكرية صارمة مثل الوزن المثالي وقوة النظر وأسباب أمنية، منها واقعة غش لأحد المرشحين.

ونقلت المنصة عن "قضاة" اعتبارهم  أن هذه المعايير لا تتناسب مع طبيعة الوظيفة القضائية التي تعتمد على الكفاءة القانونية والعلمية.

تعيينات فبراير 2026

يكشف التقرير الصادر في فبراير 2026 (قبل 3 أشهر فقط) عن صورة مقلقة داخل مسار التعيينات بالنيابة الإدارية، حيث أظهرت البيانات أن ما يقارب نصف المقبولين ينتمون إلى عائلات قضائية أو أمنية أو عسكرية، فقد بلغت نسبة أبناء القضاة وحدهم نحو 40% من إجمالي التعيينات، بينما شكّل أبناء القيادات الأمنية والعسكرية حوالي 15% إضافية، ما يعني أن 55% من التعيينات جاءت من داخل شبكات النفوذ التقليدية. هذا النمط أثار جدلًا واسعًا حول غياب تكافؤ الفرص وتكريس التوريث الوظيفي داخل مؤسسة يفترض أن تكون رقابية ومستقلة.

 

وجاء القرار الرئاسي الصادر في 27 يناير 2026 ليعتمد تعيين 379 عضوًا جديدًا من خريجي دفعات 2019 و2020، بالإضافة إلى بعض المقبولين من تظلمات دفعات 2017 و2018، وذلك بعد موافقة المجلس الأعلى للنيابة الإدارية، لكن الجدل لم يتأخر، إذ سرعان ما ظهرت تسريبات لكشوف تعيينات دفعة 2022 التي ضمت نحو 790 اسمًا، مؤكدة أن هذه النسب ليست حالة استثنائية، بل امتداد لنمط متكرر في تعيينات النيابة الإدارية ومجلس الدولة. كثير من خريجي الحقوق رأوا في ذلك دلالة على أن الطريق إلى هذه المناصب أصبح مغلقًا أمام الأكفأ، وأن التوريث بات قاعدة غير معلنة.

 

ويستعرض التقرير نماذج حيّة لخريجين متفوقين، مثل مروة* وعلي إبراهيم*، من أوائل دفعات 2012 و2013 و2014، الذين حصلوا على أحكام قضائية نهائية تلزم الدولة بتعيينهم، لكنهم ظلوا خارج القرارات المتتالية، المفارقة أن قرارات رئاسية لاحقة عيّنت خريجي دفعات أحدث (2017–2020)، بينما بقي أصحاب الأحكام في الانتظار رغم أحقيتهم القانونية، ويشير التقرير إلى أن التعيينات تباطأت منذ مطلع الألفية، وأن اشتراطات جديدة مثل دورات الأكاديمية الوطنية للتدريب، ثم الأكاديمية العسكرية زادت من تعقيد المسار، وفتحت الباب لاستبعاد غير مبرر.

 

وتكشف الخلفية أن التحريات الأمنية لعبت دورًا حاسمًا في استبعاد بعض المتفوقين، حيث أشارت في حالة مروة وعلي إلى أن مستواهما المادي والاجتماعي “متوسط”، وهو سبب رفضته المحكمة باعتباره غير قانوني، مؤكدة أن الوظائف العامة لا يجب أن تكون حكرًا على طبقة بعينها، ورغم صدور أحكام نهائية لصالحهما في 2021 و2022، واجها جولات جديدة من التحريات وطعونًا متكررة من النيابة الإدارية، قبل أن تصبح الأحكام باتة في 2023، لكن التنفيذ ظل معلقًا، إذ أحيل الملف إلى وزارة العدل التي بررت التأخير بعدم توافر الدرجات المالية أو بضرورة الخضوع لدورات تدريبية مكلفة في الأكاديمية العسكرية، وهو ما اعتبره الخريجون تعنتًا واضحًا.

 

وتظهر التبعات الإنسانية والمهنية لهذه الممارسات بوضوح؛ فقد ضاعت سنوات من عمر المتفوقين بينما أصبح زملاؤهم رؤساء نيابة، في حين ينتظر أصحاب الأحكام التعيين كوكلاء رغم حصول بعضهم على درجات علمية عليا كالماجستير والدكتوراه، مروة فقدت فرصة منحة دراسية بسبب طول الإجراءات، بينما ابتعد علي عن المشاركة العامة، ويرى حقوقيون أن الحل القانوني يكمن في دعاوى الامتناع عن التنفيذ أو طلب التعويض، لكنها مسارات طويلة ومعقدة.

وتعيينات النيابة الإدارية الأخيرة تعكس أيضا هيمنة واضحة لأبناء القضاة والشرطة والجيش، بما يتجاوز نصف التعيينات، وهو ما يعزز نمط التوريث الوظيفي ويثير تساؤلات حول استقلالية القضاء وعدالة تكافؤ الفرص، ويضع التقرير هذه الظاهرة في سياق أوسع من عسكرة الدولة وإعادة هندسة مؤسساتها لتكون خاضعة لشبكة ولاء واحدة، ما يضعف الثقة في المؤسسات المدنية ويكرّس الانغلاق الاجتماعي والسياسي، ومن أبرز الدلالات، وفق التقرير، استبعاد الأجدر والأكفأ لصالح أبناء النخبة، وإخضاع التعيينات القضائية لإشراف الأكاديمية العسكرية، بما يعكس توجهًا لإخضاع المؤسسات القضائية لمنطق الولاء الأمني، وتآكل استقلالية جهاز رقابي مهم كالنيابة الإدارية

 

الزحف المقدس

تعود ظاهرة ما يُعرف بـ “الزحف المقدس” إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيدًا، حيث يتقاطع الحديث عن استبعاد بعض أبناء القضاة من التعيين مع استمرار حضورهم القوي داخل الهيئات القضائية، فبرغم الضجة المثارة حول رسوب عدد من أبناء القضاة في الدورات العسكرية الجديدة، فإن الأرقام تكشف أن 34% من التعيينات ما زالت تذهب إليهم، إضافة إلى 30% أخرى لأبناء الداخلية والجيش، بما يعني أن بنية النفوذ التقليدية لم تتراجع، بل أعادت إنتاج نفسها تحت غطاء جديد.

 

ورغم الدعاية التي تروّج لفكرة أن القوات المسلحة باتت “تحسم الجدل” وتغلق أبواب الوساطة عبر دورة عسكرية تمتد لستة أشهر لا يجتازها إلا الأكفأ، فإن الغضب الذي يسود الأوساط القضائية بعد رسوب بعض أبنائهم لا يلغي حقيقة أن باب الامتيازات لم يُغلق، بل تغيّر شكله فقط، فالشكر الموجّه إلى السلطة السياسية على “وقف الزحف المقدس” يبدو أقرب إلى خطاب رمزي، بينما الواقع يشير إلى استمرار الامتيازات الطبقية داخل القضاء، وإنْ بآليات مختلفة.

 

هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فحملة “تطهير القضاء” التي بدأت في يناير 2012 كشفت لأول مرة قوائم تضم أبناء القضاة والمستشارين المعيّنين كوكلاء نيابة وقضاة، قبل أن تتصاعد التوترات في ديسمبر من العام نفسه حين أُجبر النائب العام على الاستقالة تحت تهديد السلاح على يد وكلاء نيابة كان 90% منهم من أبناء أو أقارب قضاة، وفي يناير 2015 أعاد المستشار أحمد الزند إحياء مصطلح “الزحف المقدس”، معتبرًا تعيين أبناء القضاة “انتصارًا على الأعداء”، في خطاب يعكس رؤية طبقية ترى أن الشعب “لا يستحق النعمة”.

 

ومع مرور السنوات، ظلّ المشهد ثابتًا: 30% من أبناء القضاة يقابلهم 60% من أبناء ضباط الداخلية ومسؤولي الدولة ورجال المال، بينما لا تتجاوز حصة أبناء الطبقات العادية 10% في أفضل الأحوال، وتؤكد الوقائع ذلك؛ ففي أبريل 2017 ضمت تعيينات النيابة العامة 185 وكيل نيابة، بينهم 47 من أبناء القضاة و7 من أبناء الضباط واثنان من خريجي الشرطة، وفي سبتمبر 2015 جاء استثناء أبناء القضاة والضباط من قواعد التوزيع الجغرافي في الجامعات بذريعة “اعتبارات قومية”، في خطوة رسّخت الفصل الاجتماعي بين “شعب” و“شعب”.

 

بهذا السياق، تبدو موجة الاستبعاد الحالية مجرد فصل جديد في قصة طويلة من توريث النفوذ داخل القضاء، حيث تتبدل الأدوات، لكن البنية العميقة تبقى كما هي، بين امتيازات موروثة، ومعايير انتقائية، وخطاب رسمي يقدّم ما يحدث باعتباره إصلاحًا بينما يعيد إنتاج نفس الشبكات القديمة بطرق أكثر إحكامًا.

هذه الظاهرة ليست طارئة؛ فمنذ الكشف عن قوائم تعيين أبناء القضاة في يناير 2012، مرورًا بأحداث ديسمبر من العام نفسه حين أُجبر النائب العام على الاستقالة على يد وكلاء نيابة كان 90% منهم من أبناء القضاة، وصولًا إلى تصريحات أحمد الزند في 2015 حين وصف تعيين أبناء القضاة بأنه "زحف مقدس" وانتصار على "الشعب الذي لا يستحق النعمة" — ظلّ المشهد ثابتًا: الامتيازات تورَّث، والفرص تُوزَّع وفق الانتماء الطبقي والأمني لا وفق الجدارة.

 

ومع استمرار استثناءات أبناء القضاة والضباط من قواعد التوزيع الجغرافي في الجامعات، وتكرار تعيينات تُظهر تفوق أبناء النخبة على حساب عموم الخريجين، يتأكد أن ما يجري ليس إصلاحًا، بل إعادة هندسة تُبقي القضاء تحت سيطرة نفس الشبكات، حتى وإن تغيّرت الأدوات والواجهات.