في كل عيد، تتكرر الحكاية نفسها بصيغ مختلفة، الألم واحد في صورة «أب» أو «أم» أو شاب يعمل بعيدًا عن قريته، يحسب ألف حساب لتذكرة السفر ومصاريف الطريق، ثم يقف أمام قرار صعب، هل يعود ليشارك أهله الفرحة، أم يرسل ما لديه من مال ليضمن أن يلبس أطفاله الجديد ويعيشوا العيد ولو من دونه؟.
بعضهم يختار أن يبقى في مكان عمله، ويكتفي بأن يفرح أبناؤه بدونه، لأن «الفلوس» التي في جيبه لا تكفي الرحلتين معًا: رحلة الطريق ورحلة الفرح.
وآخرون يرسلون ما لديهم كله، ويظلون في الغربة، يقنعون أنفسهم أن سعادة أولادهم تكفي لتعويض الغياب.
حسام وخليل
من محافظة قنا، جاء الشقيقان حسام وخليل السيد، إلى القاهرة، اختارا طريقًا شديد الخطورة لكسب الرزق، عبر العمل في تنظيف واجهات المباني الشاهقة وهم معلقون في الهواء على ارتفاع كبير، بين السماء والأرض.
عمل لا يحتمل الخطأ أو التردد، اعتاد عليه الشقيقان، يعتمد بشكل أساسي على الحبال وأدوات السلامة البسيطة، بينما يواجهان يوميًا مشهدًا مرعبًا من الأعلى، تبدو فيه الأرض بعيدة جدًا، وكأنها عالم آخر، ومع ذلك، فإن الحاجة وظروف المعيشة الصعبة جعلت هذا العمل خيارًا شبه وحيد لتوفير دخل ثابت لأسرتهما.
ومع قدوم عيد الأضحى، يواجه الشقيقان أزمة إضافية تتعلق بتكاليف السفر المرتفعة، جعلتهما يتخليان عن فكرة زيارة ذويهما ، فأسعار المواصلات تمثل عبئًا ثقيلًا، خاصة مع ما يفرضه بعض سائقي الميكروباص من رسوم إضافية غير رسمية على الركاب وأمتعتهم، وهو ما يصل في بعض الحالات إلى نحو 400 جنيه للرحلة الواحدة، وهو مبلغ كبير مقارنة بدخلهما اليومي.
ظروف قاسية دفعت «حسام» و«خليل» إلى اتخاذ قرار مؤلم بالبقاء في القاهرة خلال العيد، بدلًا من السفر لقضاء الوقت مع العائلة، هذا القرار يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها العمال.
نفكر ألف مرة
يقول حسام السيد: "إحنا ممكن ندفع حوالي 400 جنيه للفرد رايح بس، غير فلوس الشنط، فبقينا نفكر ألف مرة قبل السفر ".
وأضاف : أكيد نفسنا نقضي العيد وسط أهلنا، لكن الظروف صعبة، وإحنا نحاول نوفر أي جنيه لأولادنا .
وأشار السيد إلى أنه خلال عمله عينيه دايمًا شايفة أطفاله الثلاثة في المرحلة الابتدائية، متفوقين، بيكبروا قدامه كأنهم الحلم الوحيد اللي يستاهل يعيش عشانه.
وأضاف: أصعب لحظة مش وأنا واقف قدام الرياح معلق على الحبال، لكن لما بسمع من أبنائي جملة: «يا بابا نفسنا لما نرجع البيت نترمي في حضنك.. أنت بتسيبنا بالشهور .
متطلبات السفر
عيسوي خلف الله، رجل سبعيني من سوهاج، يقف كل يوم خلف فرشة بسيطة لبيع الخضار في أحد شوارع القاهرة، يحاول أن يؤمّن لقمة عيشه ورغم سنه الذي تجاوز السبعين، لا يزال يخرج يوميًا إلى الرصيف نفسه، يعمل نحو عشر ساعات ، يواجه الشمس والبرد والزحام.
عيسوي لا يحمل في جيبه سوى حسابات يومية دقيقة، إيجار بسيط يدفعه في نهاية الشهر، فواتير مياه، وطعام على قد الحال، يحاول أن يوازن بينها جميعًا حتى لا ينكسر، يقول: إن "كل جنيه يخرج من يده له حساب، وإن أي زيادة في المصروف قد تعني يومًا بلا طعام أو دين جديد يطارده".
وأكد عيسوي أنه يرفض الرجوع إلى سوهاج رغم اشتياقه لأهله وبلده، لأن تكلفة السفر أصبحت فوق قدرته، مشيرا إلى أن تذكرة الذهاب والعودة مع متطلبات السفر قد تصل إلى ألف جنيه، وهو مبلغ كبير على رجل يعيش بالكاد من يومه.
وأوضح أن السفر ليس وحده ما يضغط عليه، بل متطلبات العيد أيضًا، لافتا إلى ضرورة شراء ملابس جديدة، وتقديم العيديات لأبناء الأقارب، وهي عادات أصبحت عبئًا ثقيلًا لا يستطيع تحمله.
وقال عيسوي: إن "وضعه الاقتصادي لا يسمح، مؤكدا أن المسئولية أصبحت مضاعفة، بين واجبه تجاه أهله في الصعيد، وواجبه تجاه أولاده الذين يعيشون معه نفس الضيق".
تكاليف المواصلات
أشرف بسيوني، شاب في الثلاثين من عمره، يعيش حياة يومية ثقيلة ، يحمل على كتفيه أربعة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، ويحاول أن يوفر لهم احتياجاتهم الأساسية في ظل ظروف اقتصادية لا ترحم. يعمل أشرف حدادًا متنقلًا، يتجول بين القاهرة والجيزة لتنفيذ أعمال لحام الحديد، مقابل يومية لا تتجاوز 300 جنيه، وهي أجر بالكاد يكفي احتياجات يومه.
يقول بسيوني: إن "كل جنيه يدخل جيبه له حساب دقيق، وإن أي خلل في الدخل يعني ضغطًا إضافيًا على أسرته، موضحا أنه مع العيد، تتضاعف الضغوط عليه بشكل أكبر، ففكرة السفر إلى الأقصر لقضاء العيد مع أسرته في الصعيد أصبحت عبئًا ماليًا لا يستطيع تحمله، بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات ذهابًا وإيابًا، إلى جانب مصاريف العيد الأخرى التي تثقل كاهله.
وأكد أن الرحلة وحدها قد تستهلك جزءًا كبيرًا من دخله المحدود، وهو ما يجعله مضطرًا للتفكير في البقاء في القاهرة رغم اشتياقه لأهله، موضحا أن الأمر لا يتوقف عند السفر فقط، بل تمتد التحديات إلى تجهيزات العيد.
وأشار بسيوني إلى أنه حاول أن يوفر لأبنائه ملابس جديدة، فقام بتحويل ما يملك من أموال إليهم، حتى يضمن أن يفرحوا بالعيد، لكنه وجد نفسه بلا سيولة كافية تجعله قادرًا على السفر أو المشاركة في الاحتفال معهم.