بين الترحيب والإغلاق .. مراقبون: 15 سنة لحركة “علمانيون” دعم الأفكار المناوئة للإسلام

- ‎فيتقارير

أثار إعلان حركة "علمانيون" في مصر توقف نشاطها بعد مسيرة استمرت 15 عاماً بسبب أزمات تمويلية، حالة واسعة من السجال الرقمي بين مختلف الأطياف الفكرية والسياسية. وتنوعت القراءات والتعليقات الحاضرة في الفضاء الإلكتروني حول هذه الواقعة، ويمكن تلخيصها في اتجاهات رئيسية تعكس بنية الاستقطاب الراهن:

يمثل إغلاق مقرات حركة "علمانيون" وإعلان إفلاسها نهاية مرحلة تنظيمية بدأت بزخم كبير وانتهت نتيجة غياب الرؤية المؤسسية المستقلة، مؤكدةً أن استمرار المنابر الفكرية في المجتمعات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تعبيرها عن قضايا المجتمع الحقيقية وقدرتها على البناء الذاتي بعيداً عن الاستقطاب السياسي المؤقت.

وبرز تيار واسع شكك في الرواية الرسمية للحركة التي أرجعت الإغلاق لعجز مالي يتعلق بقيمة إيجار المقر. وفي هذا السياق، انتقد الكاتب Ahmed Mahmoud على فيسبوك المفارقة الساخرة -حسب وصفه- المتمثلة في عجز الجمهور العريض والنخبة المستضافة عن سداد كلفة الإيجار، مستشهداً بندوة حديثة للحركة استضافت النجم محمود حميدة لمناقشة فيلم "حرب الفراولة"، ومعتبراً أن غياب التبرعات أو الدعم البسيط من الرواد يثير التساؤلات حول جدية الالتزام الجماهيري بفكرة الحركة.

ومن جانبه، أكد أحمد السيد كامل أن العقل والمنطق يرفضان فكرة أن يقف إيجار شقة حائلاً أمام مشروع فكري صمد لأكثر من عقد ونصف، معتبراً أن الحقيقة خلف هذه الواجهة تكمن في طبيعة الأفكار التي كانت تطرحها المنصة، التي تضمنت -وفقاً لقراءته- الإساءة للمقدسات والشعائر الدينية، وتبني مواقف وسرديات سياسية تبرر للكيان البغيض أفعاله، مضيفا أن هؤلاء جمعوا تحت رايتهم كل من يبغض هذا الدين وينشر الإلحاد و يشوه صورة الإسلام .

 

الرؤية الحقوقية والنقد الدستوري

قدم د. هيثم طلعت (عبر منصة الترند الإيجابي – Positive Trend) قراءة بنيوية حادة، صنَف فيها "علمانيون" ككيان يستهدف الهوية الإسلامية للمجتمع بشكل مباشر تحت غطاء قضايا الحريات والحقوق.

واستعرض د. طلعت بعض تدوينات وندوات الحركة المتمحورة حول تفكيك المفاهيم الفقهية (كالصلاة على النبي، والزنا، وتحريم الخمر) معتبراً إياها محاولات لهدم الدين من الداخل. وأشار إلى أن هذا النشاط يُخالف نصاً المادة الثانية من "الدستور"، مما يستوجب -في نظره- إخضاع قادة الحركة للمحاكمة العادلة والتحقيق في مصادر تمويلهم بدلاً من الاكتفاء بإنهاء النشاط.

وفي سياق متصل، استعرض الصحفي محمد جمال عرفة أبعاداً ميدانية للأزمة، مرجعاً عزوف الشارع المصري عن الحركة إلى عدم سماع الأغلبية بها نظراً لكونها كياناً "مصطنعاً" يصادم الفطرة المتدينة للمجتمع، وهو ما يظهر في ضعف الإقبال العددي على الندوات؛ إلى جانب اتخاذ رموز الحركة (أمثال خالد منتصر وسامح مرقص ومحمد نبيل المصري) مواقف مناهضة للمقاومة الفلسطينية وداعمة للاحتلال حتى بعد أحداث غزة الأخيرة.

واعتبر أن السبب الأهم في نظري لعزوف المصريين عنهم – بخلاف علمانية أو إلحاد البعض منهم وفق اتهامات موجهة لهم من محام- فهو عداؤهم للمقاومة الفلسطينية ودعم بعض من يستضيفونهم في ندواتهم ضمنا لإسرائيل حتى بعد جرائم إبادة غزة!

 

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid094eceAnYhBBaAt5CBQokCE3cTDe92CvVFrdvj5ApS5ogEvGoDjAFPEmv63XqZif5l&id=61580513586453

 

قراءة عسكرية

علَّق اللواء عبد الغفار أبو العطا على المقالات الدفاعية المنشورة، منتقداً محاولات التهكم على الصحابة والرموز الإسلامية الأولى (مثل عكرمة وحذيفة) في الأدبيات المنسوبة لأعضاء الحركة.

وشدد أبو العطا على أن مبدأ الدولة المصرية الراسخ يكمن في إخراج البلاد من "مطرقة التطرف وسندان العلمانيين" نحو مساحة الإسلام الوسطي السمح الذي يجمع بين احترام الشريعة كمبدأ دستوري وبين مدنية الدولة التي تتسع للفكر وتمنع المتاجرة بالدين في السياسة.
 

في مقابل هذا النقد، اعتبر (حسن حماد) على فيسبوك أن قرار التوقف يمثل انعكاساً لواقع ثقافي وسياسي محبط يدفع المثقفين نحو العزلة والابتعاد عن السوشيال ميديا التي باتت تموج بالتفاهة، ومحاصرة بكتائب تكنولوجية تابعة للتيار الأصولي والتكفيري.

وأبدى حماد أسفه الشديد من "شماتة وفرحة" بعض المحسوبين على التيار التنويري بالإغلاق، مؤكداً أن توقف منصة "علمانيون" -بصفتها المنصة الوحيدة في العالم العربي التي تحمل هذا الاسم وتدعو للدولة المدنية- يعد طعنة في قلب الثقافة المستنيرة، وإهداراً لقيم التحديث والتنوير، مما يفسح المجال أمام الجماعات المتطرفة لتديين الفضاء العام وتجهيل المجتمع.

 

إفلاس العلمانية 

واستعرض الأكاديمي رضوان جاب الله إفلاس حركة "علمانيون" المصرية، موضحا كيف يمثل الفضاء الفكري والسياسي المصري ساحة حيوية للعديد من التيارات التي نشأت في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد. وفي هذا السياق، جاء إعلان حركة "علمانيون" المصرية في 27 مايو 2026 عن توقف نشاطها وإغلاق مقراتها المستأجرة بسبب أزمات تمويلية حادة ليعيد فتح النقاش حول مسارات الحركات الفكرية، ومدى قدرتها على الاستمرار في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية.

يتناول هذا التقرير تحليلاً شاملاً لنشأة الحركة، ورموزها، وأبرز القضايا التي ركزت عليها، وصولاً إلى الأسباب الهيكلية التي أدت إلى توقف نشاطها.

البيئة الحاضنة للنشأة

تأسست حركة "علمانيون" في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وهي الفترة التي تميزت بزخم سياسي غير مسبوق واستقطاب حاد بين مختلف التيارات الفكرية. ونشأت الحركة كجزء من جهد أوسع لبناء منابر فكرية وسياسية تتصدى لصعود تيار الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تتصدر المشهد الانتخابي آنذاك.

وتمثلت الرؤية السياسية للحركة في الدعوة إلى تأجيل الاستحقاقات الانتخابية المبكرة، انطلاقاً من فرضية تفيد بأن القوى المدنية والشبابية لم تكن مستعدة تنظيمياً للمنافسة، مقارنة بالتنظيمات الإسلامية الأكثر جاهزية. ودعت الحركة في هذا الإطار إلى استمرار المجلس العسكري في إدارة شئون الحكم لفترة انتقالية أطول تتيح للقوى المدنية بناء قواعدها الشعبية.

وشهدت تلك الفترة ظهور تجمعات شبابية ومنصات رقمية متنوعة دعمت هذا التوجه، مستفيدة من التمويل المتاح والدعم الميداني من أطراف متعددة، مما ساهم في تعزيز حضورها الإعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي.

 

الهيكل التنظيمي والرموز الفكرية

سعت الحركة منذ تأسيسها إلى صناعة واجهة فكرية تضم شخصيات عامة وأكاديميين ورجال أعمال، وبلغ عدد المؤسسين البارزين أكثر من 21 شخصية، من بينهم الدكتور خالد منتصر، الدكتور سامح مرقص، الكاتب إبراهيم عيسى، وسعيد الزهيري.

ورغم الأسماء البارزة التي ضمتها الحركة، إلا أنها واجهت تحديات داخلية حالت دون تحولها إلى مؤسسة حزبية أو تيار مستدام، وتتمثل هذه التحديات في افتقار الحركة إلى لوائح تنظيمية داخلية واضحة ومبادئ محددة بدقة ترسم حدود العمل والمسئوليات.

كما غلب التنافس الشخصي بين بعض الرموز على الأهداف المشتركة، مما أدى إلى غياب الانسجام التنظيمي. وارتبطت استمرارية النشاط بمدى توفر التدفقات المالية، وعندما تقلصت هذه الموارد في الأشهر الأخيرة، اقتصر الدعم على مبادرات مالية شخصية من قِبل خالد منتصر وسامح مرقص لتحمل الأعباء المالية قبل اتخاذ قرار الإغلاق النهائي.

 

القضايا الفكرية والمسارات الجدلية

انقسم خطاب حركة "علمانيون" بين مبادئ معلنة عامة وبين أطروحات تفصيلية شكلت جوهر نشاطها الثقافي من خلال صالوناتها الفكرية، حيث ركز الخطاب الرسمي للحركة على شعارات جاذبة مثل الدولة المدنية، حرية التعبير، رفض الإقصاء السياسي، بناء العقد الاجتماعي، والتنمية الفكرية.

في الممارسة العملية، ركزت الفعاليات الثقافية للحركة على نقد التراث الإسلامي والعربي، وإثارة جدليات حول جمع القرآن والسنة النبوية، ومراجعة مواقف أئمة المذاهب والقراءات الفكرية. وشمل ذلك قراءات نقدية لشخصيات تاريخية بارزة مثل عمر بن الخطاب، عمرو بن العاص، وصلاح الدين الأيوبي، في مقابل تقديم مراجعات تبرز دور التيارات الفكرية الحرة والتنويرية في التاريخ.

اتخذت الحركة مواقف حادة تجاه شخصيات سياسية وفكرية منتمية للتيار الإسلامي أو الوسطي، مثل محمد البلتاجي، عبد المنعم أبو الفتوح، رفيق حبيب، وحازم صلاح أبو إسماعيل. كما عارضت الحركة المبادرات التعليمية والتثقيفية المستقلة ذات الطابع المحافظ مثل فكرة "شيخ العمود"، ولجأت في بعض الأحيان إلى الاستقواء بالمنصات الإعلامية والأمنية لمواجهة القبول الاجتماعي الواسع لتلك المشاريع.

 

آليات التفاعل مع الفتاوى الشاذة

شهد المشهد الإعلامي حالة من تبادل الأدوار غير المباشر بين الحركة وبعض التيارات الدينية المتشددة، ولا سيما المحسوبة على التيار السلفي المدخلي، فكان بعض شيوخ هذه التيارات يطرحون فتاوى شاذة أو مسائل فقهية فرعية وافتراضية لا صلة لها بالواقع المعاصر (مثل فتاوى سن الزواج أو تهنئة غير المسلمين).

وكانت حركة "علمانيون" تتلقف هذه الأطروحات الغريبة للتوسع في الرد عليها، واتخاذها كدليل لإثبات عدم تلاؤم الفكر الديني مع متطلبات الدولة الحديثة، مما ساهم في خلق حالة من الجدل المستمر التي شغلت المجال العام بقضايا فرعية على حساب النقاشات التنموية والسياسية الرئيسية.

 

الأسباب الهيكلية للتوقف والانهيار

وتأسست الحركة لغرض محدد ارتبط بسياق ما بعد 25 يناير ومواجهة الإسلام السياسي. ومع تغير الخارطة السياسية وانشغال الجهات الممولة بأولويات إقليمية ودولية جديدة، تراجع الاهتمام بالحركة كمشروع قائم.

وتفتقر الحركات التي تعتمد كلياً على التمويل الخارجي أو الدعم الرسمي إلى الجذور الاجتماعية العميقة. فالعمل الفكري المستدام يتطلب قاعدة شعبية تؤمن بالفكرة وتبذل من أجلها جهداً طوعياً ذاتياً، وهو ما تفتقده الحركة مقارنة بالحركات الدينية (الإسلامية أو المسيحية) في الشرق، التي تستند إلى قناعات وجدانية وممارسات يومية راسخة تجعلها عابرة للأزمات التمويلية.

يوضح التحليل أن التوقف هو لحركة تنظيمية بعينها وليس للفكرة العلمانية كفلسفة حكم وإدارة، التي تظل قائمة في مجالات العلوم السياسية والاجتماعية وتشهد صعوداً وهبوطاً بحسب المزاج السياسي الإقليمي والدولي.

 

 

https://www.facebook.com/dminisi/posts/pfbid02ExNDy6TC8W4cui2SAakEs8y7iGPyv3EJmcjfYr9myaRXWbJaQ5xW6yzypkesGrZhl