ورقة بحثية: طبخ “الأحوال الشخصية” تجاهل المرجعية الدستورية ل”الأزهر”

- ‎فيتقارير

أكدت ورقة بحثية أن التغطيات الإعلامية والنقاشات على منصات التواصل الاجتماعي حيال قانون الأحوال الشخصية أظهرت انقساماً حاداً يتجاوز الخلاف الفقهي التقليدي، ليصل إلى شعور متنامٍ لدى قطاعات واسعة من الشارع المصري بأن الآلة التشريعية تحاول تفعيل بنود قانونية قسرية لإعادة صياغة النسيج الأخلاقي والاجتماعي للأسرة المصرية وفق رؤية تجمع بين "البراجماتية المالية" والضبط الإداري والأمني.

وتناولت الورقة المنشورة على منصة "إنسان للإعلام" الجدل المحتدم حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر، والذي عاد ليصدر واجهة المشهد الإعلامي والرقمي وسط أجواء مشحونة بالاستقطاب والتوجس.

السرديات الإعلامية

وتوضح الورقة التي جاءت بعنوان "قانون “الأحوال الشخصية” في مصر.. اشتباك إعلامي حول كواليس “الطبخ التشريعي” " أن الآلة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية تبذل جهوداً مكثفة لتقديم مسودة القانون بوصفها "إنجازاً تاريخياً" يهدف إلى الانتقال من النزاعات المفتوحة إلى القواعد الواضحة، عبر رقمنة العدالة الأسرية وتفعيل الإعلانات الإلكترونية وتقليص مدد التقاضي.

ورأت أن هذه السردية الحكومية تصطدم بانتقادات حادة من جبهتين رئيسيتين: الأولى هي القوى المعارضة والتيارات المحافظة التي ترى أن القانون يفتقر إلى "الشرعية المجتمعية" نتيجة صياغته خلف الأبواب المغلقة، والثانية هي الجبهة الحقوقية والاجتماعية المستقلة التي ترى أن التعديلات لا تعدو كونها "مسكنات إجرائية" لا تلمس الجذور الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية لأزمات الطلاق والفقر، بل تصنع ترسانة تشريعية تزيد من تغول الدولة في المجال الخاص للمواطنين.

الغضب الرقمي

ورصدت الورقة تجاوز السوشيال الجدل الاستوديوهات التلفزيونية لينفجر بشكل غير مسبوق، حيث تحول وسم "#قانون_الأحوال_الشخصية_الجديد" إلى ساحة حرب كلامية. ويمكن تقسيم الاتجاهات الرقمية السائدة إلى تيارين: تيار الرفض المطلق الذي يمثل الأغلبية الرقمية، حيث عبر آلاف المغردين والمستشارين القانونيين عن صدمتهم من المواد المسربة، وانتشرت تدوينات تتهم القانون بالسعي لتطبيق اتفاقيات دولية مثل اتفاقية سيداو بشكل غير مباشر.

ورصدت صب قطاع واسع من الشباب غضبهم على "صناديق دعم الأسرة" المقترحة معتبرين الرسوم الجديدة بمثابة جباية مالية مقنعة، وفي المقابل، دافعت بعض المجموعات النسوية وبعض الأمهات الحاضنات عن بعض بنود القانون، معتبرات أن توثيق الطلاق والرؤية الإلكترونية يحمي الأطفال من العناد الكيدي بين الطليقين، إلا أن هذا التيار ظل مدافعاً على استحياء أمام موجة الهجوم الشعبي العارم.

صدمة للمسار الحكومي

ورأت أن بيان الأزهر الشريف يشكل محوراً رئيسياً في الورقة، حيث احتل صدارة التغطيات الإخبارية والتحليلية وشكل صدمة عنيفة للمسار الإجرائي الذي اتخذته الحكومة. فقد خرج الأزهر ببيان قاطع وحاسم أعلن فيه بوضوح أن مشروع القانون بصيغته الحالية التي أحيلت من مجلس الوزراء إلى البرلمان "لم يُعرض عليه، ولم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال".

وتشير الورقة إلى أن المادة السابعة من الدستور المصري تنص صراحة على أن الأزهر هو "المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية"، ولهذا اعتبر المحللون أن الالتفاف الإجرائي عبر صياغة القانون داخل أروقة حكومية مغلقة يمثل محاولة لتهميش رمزية مشيخة الأزهر.

وأثار هذا الطرح الإعلامي الرسمي موجة سخرية وغضب على منصات التواصل، وطالب مغردون بضرورة التمسك بمشروع قانون الأحوال الشخصية الذي كان الأزهر نفسه قد شكل لجنة برئاسة الإمام الأكبر وأعده كاملاً منذ عام 2019.

مواد مثيرة للجدل

وتتناول الورقة بالتفصيل أبرز المواد المثيرة للجدل، والتي تتجاوز الجانب الشكلي لتضرب في عمق الفلسفة البنائية للأسرة. فمن بين هذه المواد، إعادة تعريف الولاية وقضايا الولي، حيث يُطرح توجه نحو تقليص أو إلغاء اشتراط الولي في عقد زواج المرأة الثيب أو البالغة، وهو ما يراه التيار المحافظ قفزة نحو نمط غربي يفصل الفرد عن حاضنته العائلية.

كما استحدث مشروع القانون ملحقاً مالياً وتنظيمياً مسبقاً يرفق بعقد الزواج ويمنحه قوة "السند التنفيذي" لتسييل الحقوق والالتزامات فوراً عند النزاع، وهو ما يراه مراقبون إعادة صياغة لمؤسسة الزواج على أنها شراكة تجارية قائمة على سوء النية المسبق.

ويستمر السجال حول الطلاق الشفهي، حيث تصر السلطة التنفيذية على عدم الاعتداد به إلا إذا كان موثقاً رسمياً، في حين يرى الأزهر في ذلك افتئاتاً على الأحكام الشرعية المستقرة.

معضلات الحضانة

ويتجاوز الجدل الدائر في الأوساط السياسية والإعلامية الجانب الشكلي البحت، ليضرب في عمق تلاعب القانون المقترح بالفلسفة البنائية للأسرة، وتشير القراءات الأولية للبنود والمسودات المطروحة إلى حزمة من التعديلات التي تواجه اعتراضات شرعية واجتماعية واسعة.

ففيما يخص المستحدثات المالية الصارمة، استحدث مشروع القانون ملحقاً مالياً وتنظيمياً مسبقاً يُرفق بعقد الزواج ويمنحه قوة "السند التنفيذي" لتسييل الحقوق والالتزامات فوراً عند النزاع.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعيد صياغة مؤسسة الزواج على أنها "شراكة تجارية" قائمة على سوء النية المسبق والملاحقة القضائية. ترافق ذلك مع غضب شعبي عارم من فرض رسوم مالية جديدة لصالح "صناديق دعم الأسرة السيادية"، وهو ما يعتبره الشارع جباية تُثقل كاهل الشباب وتساهم في تعميق أزمة العنوسة وعزوف الشباب عن بناء أسر جديدة.

أما بخصوص معضلات الطلاق الشفهي والحضانة الإلكترونية، فيستمر السجال الإعلامي والفقهي القديم المتجدد حول الطلاق الشفهي؛ حيث تصر السلطة التنفيذية على عدم الاعتداد به إلا إذا كان موثقاً رسمياً لضبط الظاهرة إدارياً وإحصائياً، في حين يرى الأزهر الشريف في ذلك افتئاتاً على الأحكام الشرعية المستقرة التي تقع بمجرد اللفظ الشرعي المستوفي لشروطه.

ويضاف إلى ذلك مقترحات إدخال نظام "الرؤية الافتراضية الإلكترونية" للأطفال عبر الإنترنت، وتعديل ترتيب الحضانة ليتنازل الأب بموجبه صعوداً أو هبوطاً في الترتيب، وهي أمور يراها خبراء علم الاجتماع عاجزة عن تعويض الرابطة الإنسانية المباشرة وتزيد من جفاء المشاعر وفجوة الأجيال.

 

البراجماتية ومستقبل السلم الأهلي

وحذرت القراءات التحليلية المنشورة في المجلات الفكرية والصحف المستقلة إلى أن الفلسفة الحاكمة لهذا القانون تسعى إلى نقل عبء الخلافات الأسرية من عاتق الدولة والمجتمع إلى النيابات والمحاكم عبر رؤية "براجماتية أمنية ومالية".

واعتبرت أن التوسع في منح صفة "السند التنفيذي" للاتفاقات الملحقة، وتسهيل إجراءات الحبس والمنع من السفر عبر إدارات تنفيذ الأحكام المتخصصة، يهدد بتحويل محاكم الأسرة إلى فروع من مكاتب التحقيق الجنائي.

وبدلاً من حل النزاعات ودياً، يحذر خبراء من أن هذه البيئة التشريعية الصارمة ستؤدي إلى زيادة معدلات التقاضي والعداء المستحكم بين العائلات، مما ينعكس سلباً على الاستقرار النفسي للأطفال ويسرع من وتيرة تفكك الأسرة.

أسئلة معلقة

وتختتم الورقة بالتأكيد على أنه عندما تتحول العقود الإنسانية القائمة على المودة والرحمة إلى أوراق بيروقراطية جافة مهددة بالحبس والملاحقة الأمنية والجباية المالية، فإن النتيجة الحتمية لن تكون تنظيم المجتمع، بل تفكيك ما تبقى من روابطه التقليدية، وتظل الأسئلة معلقة بين البرلمان المصري والمجتمع: هل يجرؤ المشرع على تمرير قانون يرفضه الأزهر صراحة وتتوجس منه الأسرة المصرية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن مآلات هذه الأزمة المفتوحة على كل الاحتمالات.

https://insan-center.org/%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%ae%d8%b5%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d9%83-%d8%a5/