أدهم حسانين/ يكتب :سؤال إلى مؤيدي الانقلاب في ذكراه المشؤومة: هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقاً؟

- ‎فيمقالات

هذا السطور ليس موجَّهة إلى مناهضين الحكم العسكري؛ فهؤلاء عرفوا الإجابة منذ 13عاماً، ودفعوا ثمن معرفتهم سجوناً ومنافيَ وقبوراً.

هذا المقال موجَّهٌ إليكم أنتم، أنتم الذين نزلتم في 30 من حزيران/يونيو، وصفَّقتم في 3 تموز/يوليو، ورأيتم في الرجل ذي النظَّارة السوداء مُخلِّصاً ومُنقذاً وأباً حنوناً. أنتم الذين قلتم لنا: اصبروا عليه، أعطوه فرصةً، إنَّه يبني. أنتم الذين اتَّهمتمونا بالخيانة لأنَّنا حذَّرناكم، وبالعمالة لأنَّنا أخبرناكم أنَّ الطريق الذي تسيرون فيه ينتهي إلى جرفٍ هارٍ.

إليكم أكتب، وسؤالي واحدٌ لا مراوغة فيه ولا مهرب منه: هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم السيسي حقاً؟

لا تجيبوني أنا؛ فأنا لا أنتظر منكم جواباً.. أجيبوا أنفسكم.. أجيبوا أولادكم حين يسألونكم بعد 20 عاماً: أين كنتم حين حدث كلُّ هذا؟ بل أجيبوا المرآة، إن بقيت فيكم جرأةٌ على النظر فيها.

أوَّلاً: تعالوا نُحاسِب الوعود وعداً وعداً

الكرامة التي وُعدتم بها تحوَّلت إلى وقوفٍ ذليلٍ في طوابير السلع التموينيَّة، وإلى شبابٍ يركب قوارب الموت هرباً من الجنَّة الموعودة، وإلى صوتٍ مصريٍّ لم يعد مسموعاً في أيِّ ملفٍّ إقليميٍّ، حتَّى الملفَّات التي تمسُّ أمنكم القوميَّ في الصميم: من سدِّ النهضة، إلى غزَّة، إلى ليبيا

تعد الذاكرة خصم الطغاة الأوَّل، ولهذا يجتهدون في محوها. لكنَّنا سنستعيدها الآن كاملةً، بالتواريخ والأرقام، لا بالانطباعات والأمزجة.

وُعدتم بالرخاء، قيل لكم عام 2014: اصبروا 6 أشهر فقط وسترون مصر أخرى، وقيل لكم: في عام 2020 ستصبح مصر قدَّ الدنيا. فلنقف اليوم، في منتصف 2026، ولنسأل بلا رحمة: أين مصر التي قدَّ الدنيا؟

كان الجنيه يساوي سُبع الدولار يوم صفَّقتم صار لا يساوي جزءاً من خمسين. مدَّخراتكم -أنتم لا نحن- تبخَّر منها أكثر من ثمانين في المئة.

تسلّم الدَّين الخارجيُّ عند 46 مليار دولار تجاوز الآن أكثر من 170 ملياراً؛ وليس دَيناً أُنفق عليكم، بل دَينٌ ستسدِّدونه أنتم وأولادكم وأحفادكم، في كلِّ رغيف خبزٍ، وكلِّ قرص دواءٍ، وكلِّ تذكرة مترو.

تجاوز التضخُّم اكثر35 في المئة في ذروته لم يلتهم مدَّخرات المعارضين وحدهم؛ لقد التهم مدَّخراتكم أنتم.

زخف الفقر حتَّى طال -بالتقديرات المستقلَّة- أكثر من نصف المصريِّين، لم يستأذن أحداً في موقفه السياسيِّ قبل أن يقتحم بيته. كانت الطبقة الوسطي عمود البيت المصريِّ انهارت فوق رؤوس ساكنيها جميعاً، مؤيِّدين ومعارضين، بلا تمييز.

وُعدتم بالاستقرار، وقيل لكم: الجيش وحده يحمي الدولة من المصير السوريِّ. فلنسأل: أيُّ استقرارٍ هذا الذي لا يقوم حسب التقديرات الأخيرة إلا على 250 ألف معتقل؟ أيُّ استقرارٍ هذا الذي تحتلُّ فيه بلادكم المرتبة 166 من أصل 180 في حرِّيَّة الصحافة؟

إنَّ الاستقرار الحقيقيَّ يُبنى على الرضا لا على الصمت المفروض بالرعب. والمقابر الجماعيَّة للحقيقة ليست استقراراً؛ إنَّها هدنة الخوف، وهُدَن الخوف تنفجر دائماً، والتاريخ على ذلك شهيدٌ لا يكذب.

وُعدتم بالكرامة، قيل لكم: مصر عادت، وهيبة الدولة رجعت. فلنسأل بهدوء القاتل: أين كانت هيبة الدولة حين تنازل الرجل عن تيران وصنافير؟ وأين كانت حين بيعت أصول البلاد قطعةً قطعةً لصناديق الخليج؟ وأين هي اليوم والقرار المصريُّ يُصاغ في عواصم أخرى، وقوت المصريِّين مرهونٌ بوديعةٍ من هنا وقرضٍ من هناك؟

الكرامة التي وُعدتم بها تحوَّلت إلى وقوفٍ ذليلٍ في طوابير السلع التموينيَّة، وإلى شبابٍ يركب قوارب الموت هرباً من الجنَّة الموعودة، وإلى صوتٍ مصريٍّ لم يعد مسموعاً في أيِّ ملفٍّ إقليميٍّ، حتَّى الملفَّات التي تمسُّ أمنكم القوميَّ في الصميم: من سدِّ النهضة، إلى غزَّة، إلى ليبيا.

ثانياً: العاصمة التي بُنيت لغيركم

ولأنَّ الكلام المرسل سهلٌ، تعالوا إلى الخرسانة؛ إلى الشيء الذي يُلمس باليد. بُنيت العاصمةٌ الإداريَّةٌ بتكلفةٍ تتجاوز 58 مليار دولار، رقمٌ يعجز الخيال عن استيعابه، فلنترجمه إلى واقع ملموس.

هذا المبلغ كان يكفي لبناء آلاف المدارس والمستشفيات، ولإصلاح منظومة تعليمٍ تُخرِّج أنصاف متعلِّمين، ولرفع أجور أطبَّاءَ يهاجرون بالآلاف كلَّ عام، فحسب الاحصائيات أكثر من 5000 طبيب مصري في كافة التخصصات وصلوا إلى بريطانيا وحدها بعدها كان يصلها في العام الواحد 1500 طبيب.

والسؤال الذي لا مهرب منه: هذه العاصمة، لمن بُنيت؟ هل بُنيت لكم أنتم يا من صفَّقتم؟ هل يقدر ابنكم على شراء شقَّةٍ فيها؟ هل تدخلونها أصلاً إلَّا عمَّالاً بأجر يوميٍّ أو زوَّاراً خاطفين؟

لقد بُنيت مدينةٌ كاملةٌ بأموالكم -بديونٍ ستسدِّدونها أنتم- لتسكنها نخبةٌ أنتم خارج أسوارها. هذه ليست عاصمة دولةٍ؛ هذه قلعةٌ شُيِّدت لتفصل الحاكم عن المحكوم، وموَّلها المحكوم نفسه من قوت أولاده.

وبينما كانت الرافعات ترفع أبراج القلعة، كانت القرى تغرق في مياه الصرف، والمستشفيات الحكوميَّة تتحوَّل إلى مستودعاتٍ للألم، والمدارس تكدِّس 100 تلميذٍ في الفصل الواحد.

لم يكن المال غائباً؛ كان مُوجَّهاً، وُجِّه بعيداً عنكم، أمام أعينكم، وبتصفيقكم أنتم.

ثالثاً: أنتم أيضاً لم تنجوا

ربَّما يقول بعضكم وهو لا يجد ما يستر عورته: نحن قبلنا الثمن؛ الحرِّيَّة مقابل الأمان، والصوت مقابل الخبز. صفقةٌ خاسرةٌ، لكنَّها صفقة. فانظروا حولكم: هل قبضتم أصلاً الطرف الآخر من الصفقة؟

أنتم بعتم الحرِّيَّة ولم تقبضوا الخبز، سلَّمتم الصوت ولم تستلموا الأمان. إنَّ الذي وقع ليس مقايضةً؛ إنَّه مصادرةٌ شاملة. أُخذ منكم كلُّ شيءٍ ولم تُعطَوا شيئاً. وحين جاع منكم من جاع، وشكا من شكا، اكتشفتم أنَّ شكوى الغلاء صارت تهمةً، وأنَّ منشوراً عابراً عن سعر الزيت قد يقود صاحبه إلى حيث قاد المعارضين منشورُهم عن الدستور.

وهنا بيت القصيد الذي أرجو أن تتأمَّلوه طويلاً: أنتم باركتم القمع حين نزل على رؤوس غيركم ولم يتوقَّف عند رؤوس غيركم. القمع لا يعرف الولاء، والآلة التي صنعتموها بتصفيقكم لا تميِّز بين رقبة معارضٍ ورقبة مؤيِّدٍ جائع.

سُجن إخوانٌ وليبراليُّون ويساريُّون، ثمَّ سُجن مؤيِّدون سابقون، ثمَّ سُجن من لا موقف له أصلاً: شبابٌ أخطأتهم عشوائيَّة الحملات الأمنية أو ثأر شخصي مع أحدهم فدفعوا سنواتٍ من أعمارهم ثمن وجودهم في الشارع الخطأ في الساعة الخطأ.

من يصفِّق للسجَّان لا يشتري لنفسه حصانةً؛ إنَّما يحجز لنفسه مكاناً مؤجَّلاً في الطابور.

رابعاً: الأسئلة التي تفرُّون منها

أعرف ما يدور في رؤوس بعضكم الآن: "وما البديل؟ ماذا كان الإخوان سيفعلون؟ كانت البلاد ستصير سوريا أخرى." هذا ليس جواباً؛ هذا مخدِّرٌ تحقنون به أنفسكم كلَّ صباحٍ كي لا تروا.

أوَّلاً: لأنَّ جريمة المُقارَن به لا تبرِّئ الجريمة؛ فلو صحَّ أنَّ البديل كان سيِّئاً، فإنَّ ذلك لا يجعل الحاضر حسناً. الجائع لا يشبع بالمقارنات، والمعتقل لا يُفرَج عنه لأنَّ سجناً افتراضياً آخر كان سيكون أضيق.

ثانياً: لأنَّ فزَّاعة "سوريا" صُنعت لإسكاتكم لا لحمايتكم. إنَّ سوريا لم تنهر لأنَّ شعبها طالب بالحرِّيَّة؛ انهارت لأنَّ حاكمها اختار حرق البلاد على التنازل عن الكرسيِّ. والذي يهدِّدكم بالمصير السوريِّ يقول لكم في الحقيقة: إن طالبتم بحقوقكم فسأفعل بكم ما فعله الأسد بشعبه. تأمَّلوا جيِّداً: هذا تهديدٌ لا حجَّة، وقد ابتلعتموه حجَّةً وهو وعيدٌ صريح.

ثالثاً :وهذا أقسى الأسئلة وأشدُّها وقعاً: لو كان الرجل واثقاً من أنَّكم معه عن قناعةٍ، فلماذا يحتاج إلى كلِّ هذا؟ لماذا ما يقرب من 250 ألف معتقلٍ إذا كان الشعب كلُّه راضياً؟ لماذا تُغلَق القنوات وتُحجَب المواقع ويُلاحَق أصحاب التعليقات إذا كانت الحقيقة في صفِّه؟

إنَّ الحاكم المطمئنَّ إلى شعبه لا يرتجف من تغريدة، والخوف من الكلمة اعترافٌ ضمنيٌّ بأنَّ الكلمة صادقة.

خامساً: لستم أشراراً، لكنَّكم مسؤولون

سأقول لكم ما قد يفاجئكم: أنا لا أحتقركم. أفهم -بالمعنى العلميِّ للفهم- كيف وصلتم إلى هنا.

أفهم أنَّ ماكينة إعلامٍ جهنَّميَّةً اشتغلت عليكم ليل نهارٍ منذ عام 2013، تصنع لكم عدواً كلَّ صباحٍ وتبيعكم خوفاً كلَّ مساء. وأفهم أنَّ الخطاب الدينيَّ الرسميَّ أفتاكم بأنَّ طاعة الحاكم من طاعة الله، وأنَّ من ينتقده خارجٌ على الجماعة مارقٌ عن الملَّة. وأفهم أنَّ الذاكرة نفسها زُوِّرت أمام أعينكم حتَّى صار بعضكم يشكُّ فيما رآه بعينيه في ميدان التحرير.

أنتم لم تولدوا مؤيِّدين للاستبداد؛ أنتم صُنعتم صناعةً، وهُندستم هندسةً، واشتغلت عليكم أدواتٌ تفوق قدرة الفرد العاديِّ على المقاومة.

لكن -وهنا الفارق الذي لا تنازل عنه- الفهم لا يعني الإعفاء، إنَّ كونك ضحيَّة تضليلٍ لا يعفيك من مسؤوليَّة اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة أمامك.

والحقيقة الآن منكشفةٌ عارية أمامكم؛ ليست في مقالي هذا، بل في جيبكم الفارغ، وفي طابور الخبز، وفي فاتورة الكهرباء، وفي عيون أولادكم حين تعجزون عن تلبية ما كان أبسط البديهيَّات قبل 13 عاماً.

لم تعد المسألة مسألة معلوماتٍ ناقصة؛ صارت مسألة شجاعةٍ في الاعتراف. أعلم أنَّ الاعتراف مؤلم، فالاعتراف بأنَّك خُدعت يعني مواجهة السنوات التي أهدرتها في الدفاع عن خديعتك، ويعني الاعتذار -ولو في سرِّك- لمن سخرت منهم وهم يُساقون إلى السجون، ويعني أن تنظر في المرآة وتقول: صفَّقتُ لمن أفقرني. وهذا من أثقل ما يحمله إنسان.

لكنَّ البديل أثقل: أن تُورِث أولادك الخديعة ذاتها، وتعلِّمهم الهتاف للقيد الذي سيقيدون به من بعدك.

سادساً: الإجابة التي لا تجرؤون عليها

لم تجدوا شيئاً ممَّا وُعدتم؛ بل وجدتم نقيضه حرفاً حرفاً. وأنتم لا تحتاجون منِّي إحصاءاتٍ لتدركوا ذلك؛ فالإحصاءات ترف من يجادل. وأنتم لا تجادلون – أنتم تكابرون

فلنعد إلى السؤال وقد صار عارياً تماماً: هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم السيسي حقاً؟

وَعدكم بالرخاء فوجدتم غلاءً يأكل الأخضر واليابس، ووَُعدكم بالاستقرار فوجدتم سكوناً مفروضاً بالحديد يغلي تحته البركان، ووَعدكم بالكرامة فوجدتم بلداً يُدار بالوديعة والقرض ويُباع بالفدَّان والجزيرة، ووَعدكم بالأمان فوجدتم خوفاً صار نظام حياةٍ كاملاً: خوفاً من الغد، ومن الفاتورة، ومن الكلمة، ومن الجار، ومن تعليقٍ قديمٍ على فيسبوك قد يطرق بابكم فجراً.

الإجابة تعرفونها؛ تعيشونها كلَّ يومٍ، وتبتلعونها مع كلِّ وجبةٍ تقلَّصت، ومع كلِّ حلمٍ أُجِّل، ومع كلِّ ابنٍ هاجر أو غرق أو انكسر.

الإجابة: لا. لم تجدوا شيئاً ممَّا وُعدتم؛ بل وجدتم نقيضه حرفاً حرفاً. وأنتم لا تحتاجون منِّي إحصاءاتٍ لتدركوا ذلك؛ فالإحصاءات ترف من يجادل. وأنتم لا تجادلون – أنتم تكابرون.

والفرق بين الجدال والمكابرة أنَّ المجادل يبحث عن الحقيقة، أمَّا المكابر فيفرُّ منها وهي تسكن بيته وتأكل من صحنه وتنام في فراشه.

أخيراً: الباب الذي ما زال مفتوحاً

لن أختم بالشماتة؛ فالشماتة ترفٌ لا يليق بجرحٍ في حجم وطن. سأختم بهذا: 30 يونيو لم تكن خطيئتكم وحدكم؛ لكنَّ الإصرار على الكذبة بعد انكشافها خطيئتكم وحدكم، كاملةً غير منقوصة.

التاريخ لن يسألكم لماذا صدَّقتم عام 2013؛ فالخديعة كانت محكمةً والماكينة جبَّارة، التاريخ سيسألكم: ماذا فعلتم حين انكشف كلُّ شيء؟ حين صار الدليل في جيوبكم الفارغة وعلى موائدكم الخاوية؟ حين لم يعد الإنكار جهلاً بل اختياراً واعياً للعمى؟

بينكم وبين استعادة عقولكم خطوةٌ واحدة: أن تقولوا -ولو لأنفسكم أوَّلاً، في السرِّ، بلا شهود- "لقد خُدعنا".

كلمةٌ واحدة، لكنَّها الكلمة الفاصلة بين السجين المُبرمَج على حراسة سجنه، والإنسان الذي لمح المفتاح ملقى على الأرض خارج القفص، حيث كان موجوداً طوال الوقت. المفتاح هناك، ما زال هناك.

والسؤال الأخير ليس: هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقاً؟ السؤال الأخير هو: كم جولةً أخرى من الجوع والفقر وبيع أصول البلاد تحتاجون قبل أن ترفعوا أيديكم عنه وتخلعوه من على كرسيه وتسترجعون ما فرط فيه؟