يرى مراقبون ومغردون أن السيسي أعاد إنتاج ذات النمط السلوكي والنفسي للقذافي، سواء عبر الاستعراض المعماري، أو الخطاب الفوقي، أو حتى التوجس الدائم من النهايات الحتمية للديكتاتوريات.
ولطالما كان "جنون العظمة" هو القاسم المشترك الذي يجمع بين الطغاة عبر التاريخ؛ تلك الحالة النفسية والسلوكية التي تنفصل فيها مخيلة الحاكم عن واقع شعبه، فيرى نفسه فوق النقد، وحصونه فوق السقوط، وممتلكات الدولة إرثاً شخصياً.
وفي الساحة السياسية العربية، يتجلى هذا النموذج بشكل صارخ عند المقارنة بين العقيد الليبي الراحل معمر القذافي (1942-2011) وبين عبد الفتاح السيسي من عدة جوانب منها هندسة التحصين والقصور.
والحكام المصابون بجنون العظمة يعبرون عن توجسهم الداخلي عبر بناء حصون عملاقة وقصور منيعة، ظناً منهم أنها ستحميهم من غضبة الشعوب الجائعة، فالقذافي اتخذ من مجمع "باب العزيزية" حصناً حصيناً، واخترق حصنه، واليوم يتكرر المشهد في مصر من خلال العاصمة الإدارية الجديدة ومبنى القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون".
في هذا السياق، علقت الإعلامية دينا زكريا على افتتاح هذا المبنى الضخم مشبهةً مظهر السيسي وخطابه بأسلوب القذافي وعبر @dinazakaria9 "أخيرا بعد طول انتظار أخطر اعترافات للسيسي عند افتتاح الأوكتاجون مرتديا مثل القذافي السلام عليكم السيسي يعترف اعترافه الأخير، و يتباهى بحصنه الذي يظنه منيعا و هو مبنى الأوكتجون الأكبر على مستوى العالم هل تمكن السيسي أخيرا من حكم مصر؟ ما الرسائل الحقيقة التي لم يقلها السيسي و لمن يوجّهها؟".
https://x.com/dinazakaria9/status/2073836271378522409
هذا التباهي بالحصون والقصور في ظل أزمات اقتصادية طاحنة يفتح الباب للمقارنات التاريخية الحتمية مع دكتاتوريات سابقة سقطت رغم قلاعها المشيدة، كما يشير حساب "ديلي تايمز برس":·هل يعيد التاريخ نفسه هل نهاية الدكـتاتور ستكون كنهاية موسليني إيطاليا أو قذافي ليبيا بمجاري أو شاوشيسكو برومانيا كلهم بنوا قصورا وحصونا ليحموا أنفسهم من ثـوره شعب يعاني، وكانت نهايته بالإعـدام والتاريخ به الكثير من أمثالهم وكانت نهايتهم أيضا كارثية، لكل مستبد نهاية عاجلا أو آجلا
https://x.com/dailytimespress/status/2073913759152705879
متلازمة "ملك مصر"
ويتعدى جنون العظمة السلوك المادي إلى تلبّس "عقدة الفرعونية" والاعتقاد بالحق الإلهي أو الإشارات الغيبية. فالقذافي نصب نفسه "ملك ملوك إفريقيا"، بينما تتوارد الأنباء والتحليلات حول استدعاء السيسي لرموز تعكس تضخم الذات لديه، والربط بين أحلامه الشخصية ونهايات القذافي.
وحساب @NewEgypt_ يضف ذلك المشهد "هو كاتب في القصر الجديد على جدار قاعة العرش "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون" وشاف السادات وسيف الدم في الحلم يوحي بنفس الشيء وأنا من اول يوم شفت كلامه شايفه نهاية القذافي الصور التلاتة بتقول إن نهايته هتبقى على الملأ وبأيدي متطرفة مهما بلغ التحصين عبرة للناس"
وتعكس هذه الحالة النفسية نمطاً كاملاً من التفكير، يعتبره الأكاديميون مقياساً لمدى تدهور الأنظمة العسكرية، كما يوضح المغرد د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem "القذافي ليس شخصية عابرة؛ القذافي مقياس لدرجة التخلف العقلي للانقلابيين، ومقياس لجنون العظمة عند الحكام المجرمين، ومقياس لدرجة الإفساد المجتمعي للأوطان والمواطنين، ورؤية مستقبلية لما ستؤول إليه أحوال البلاد والعباد، وهو-قبل كل ذلك-قاموس تكتشف به من عمت بصائرهم والجهلة والمنافقين من الأتباع المغفلين".
حصر الأوقاف وتبديد المقدرات
ولم يقتصر الشبه بين التجربتين على البعد النفسي والمعماري، بل امتد إلى إدارة مقدرات الدولة وثرواتها، حيث يربط مراقبون بين سياسات السيسي الحالية في حصر أملاك الدولة والأوقاف، وبين تصريحات قديمة للقذافي حذر فيها من أطماع ومخططات تستهدف الجغرافيا المصرية، وتحديداً مناطق مصبات النيل:
عبد الحميد قطب @AbdAlhamed_kotb قال: "في التوقيت ذاته الذي طالب فيه الســــيسي بحصر وتوثيق الممتلكات التابعة لهيئة الأوقاف المصرية، أُثيرت قضية وقف الأمير العثماني مصطفى عبد المنان، الذي يشمل مدينتي رشيد ودمياط، وهما المنطقتان اللتان تقعان عندها مصبات نهر النيل في البحر الأبيض ويربط البعض بينهما وبين "مجمع البحرين" المذكور في القرآن الكريم، حول قصة نبي الله موسى والخضر عليهما السلام، كان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، قد تحدث في فيديو عن حوار جرى بينه وبين فيلـــسوف يهــــودي يتحدث فيه الأخير عن مخطط لإقامة عاصمة للدولة يهو،،ودية في هاتين المنطقتين، حتى تكتمل خريطة "من النيل إلى الفرات"، وبناءً على هذه الشواهد، يرى مراقبون أن قرار السيسي حصر أملاك الأوقاف قد يكون تمهيدًا لبيع أو تسليم تلك المناطق لجهات أجنبية، سواء إســـرائيلية أو إمـــاراتية، لإقامة الكيان المزعوم عليها".
ويأتي هذا التوجه في ظل أزمة ديون خانقة تعيشها الدولة المصرية، تعيد إلى الأذهان الأيام الأخيرة للأنظمة الشمولية التي استدانت من "طوب الأرض" كما يصف المهندس محمود السيد @Elsayed26671350 "..اخر ايام القذافي وقد خاب من حمل ظلما بدله جديدة ولكن مديونه لطوب الارض سبحانك اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك لاإله إلاالله البقاء لله".
الطبيعة السيكوباتية
ولا ينفصل جنون العظمة عن السادية والانتهاك الممنهج لكرامة الشعوب، فالأنظمة التي تقوم على تأليه الحاكم غالباً ما تخفي وراء الستار وحشية وشذوذاً في التعامل مع المحكومين، وهو ما وثقته كتب التاريخ عن حقبة القذافي، كما يروي الإعلامي أحمد منصور مستشهداً بكتاب "الطرائد":
وكتب @amansouraja "طرائد القذافي من يغوص في سيرته بعمق ويطلع على جرائمه ووحشيته و شذوذه يجده لا يختلف كثيرا عن الشيطان الصهيوني إبستين ففي كتابها «الطرائد» تروي أنيك كوجان قصة ثريا الفتاة التي لم تتجاوز الخمسة عشر عامًا، والتي كانت طالبة في المدرسة، أعجب القذافي بها حينما تقدمت لتقدم له باقة من الزهور حينما كان يقوم بزيارة مدرستها فأشار لزبانيته أنه يريدها، ولم تكن تدري الفتاة وهي تقول له «بابا معمر» أنها سوف تنتقل من حياة أحلام الفتيات إلى جحيم القذافي، أخذوها عنوة من بين أهلها، وهي غضة لم تعرف الحياة بعد، ليقوم الشيطان الندل الخسيس باغتصابها وانتهاك روحها وضمها إلى عشرات أو مئات مثلها ممن قام باغتصابهن وتدمير أرواحهن وحياتهن كما قام بتدمير حياة وأرواح شعب كامل معتقدًا أنه بعيد عن القصاص، فكانت نهايته عبرة لكل من كان له قلب، لكن جراح ثريا ومئات وربما آلاف مثلها ممن سرق القذافي منهن الطفولة والبراءة ستظل دليل إدانة لوحشية وشذوذ هذا الطاغية، طرائد القذافي وأبنائه وزبانيته وعصابته لا حصر لها لكن البيئة العربية المحافظة وحرص العائلات على شرف بناتهن لم يفتح هذا الملف المشين لطاغية سادي كان ينافس الشيطان في جرائمه وربما تفوق عليه في جرائمه".
ورغم هذه الوحشية وتكديس الثروات الأسطورية التي بلغت مليارات الدولارات وعادلت ميزانيات دول بأكملها، فإن دوام الحال من المحال. والتحول الحاد من النفوذ المطلق إلى العزلة والحياة البسيطة أو الموت المهين هو القاسم المشترك لنهاية هؤلاء الحكام، كما يستعرض الإعلامي أيمن الغبيوي @ayman999 حول مصير عائلة القذافي: " الرجل الذي كانت ثروته مع أبيه تعادل ميزانية دول يظهر في حياة بسيطة قبل مقتله كان سيف الإسلام القذافي يوماً من الأيام يمتلك ووالده معمر القذافي، الذي حكم ليبيا لأكثر من أربعين عاماً، ثروة تُقدّر بأكثر من 90 مليار دولار، ولإعطاء فكرة عن حجم هذا الرقم، فإنه يعادل تقريباً الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدول مثل بنما (90.4 مليار دولار)، وتنزانيا (87.4 مليار دولار)، وبيلاروسيا (85.7 مليار دولار)، وأوروغواي (85 مليار دولار)، وفنزويلا (82.7 مليار دولار)، وسلوفينيا (79.2 مليار دولار). لكن في أيامه الأخيرة، ظهر سيف الإسلام وهو يعيش حياة بسيطة جداً، في مشهد يعكس التحولات الحادة التي طرأت على مسار حياته، حيث يتجلى التناقض بين النفوذ والثروة الضخمة في الماضي، وواقع الحاضر المتواضع.
وفي نهاية المطاف، تتدخل الحسابات السياسية الدولية لإنهاء هذه الظواهر الصوتية عندما تنتهي صلاحيتها الأداتية، تماماً كما قادت الجامعة العربية بجهود عمرو موسى التدخل الدولي لإنهاء حقبة القذافي في 2011 بناءً على القرار الأممي 1973، كما يذكر خليل الحصي @ElhasseKhalil "هل تعلمون أن عمرو موسى عندما كان أمينا للجامعة العربية 2011 هو الذي ضغط وقاد جهدا ضخما لاستصدار قرار دولي في مجلس الأمن ومن الأمريكيين للتدخل في ليبيا تحت قرار مجلس الأمن 1973 الذي صدر بعد طلب الجامعة العربية بفرض منطقة حظر جوي وإجراءات لحماية المدنيين في ليبيا؟ فهل كان القذافي أخطر من إيران التي اعتدت على ست عواصم ودول عربية؟ مع إضافة أن إيران قتلت الآلاف من مواطنيها الذين خرجوا في مظاهرات ضد نظام ولاية الفقيه؟".