عانت رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات من التجميد فترات طويلة خلال حكم مبارك، وعندما تولي الرئيس الشهيد محمد مرسي الحكم أصدر في 2012 قرارات تتعلق بتحسين أوضاع التعليم العالي ودعم الأساتذة الجامعيين ضمن حزمة إجرائية لحل احتياجات التعليم بعد ثورة 2011، لدرجة أن أغلب أساتذة الجامعات ، يرفعون شعار "ولايوم من أيامك يامرسى " بعد ان تعمد السيسى تجميد كادر جدول الرواتب خلال الرئيس مرسى ، فى المقابل ، حيث شمل مضمون القرار بشكل عام زيادة في الحوافز والبدلات والمكافآت لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات الحكومية، مع تحسينات لرواتب العاملين ببعض كليات ومعاهد محددة، ورفع بعض بدل الإشراف والبحث العلمي.
و كان الهدف المعلن الحد من هجرة الكفاءات، وتحسين مستوى التعليم الجامعي، والامتثال لمطالب الجامعات والنقابات العلمية، وأن التطبيق كان تدريجياً وبموازنة وزارة التعليم العالي، وتأثر تطبيقه بمحدودية الموارد والميزانية في بعض الجامعات، ورغم موجات التضخم المتتالية ظلت رواتب أعضاء هيئة التدريس دون زيادة، مما أثر على مستوي معيشتهم ووضعهم العلمي والاقتصادي.
وتشهد الجامعات المصرية حالة من الاستياء بين أعضاء هيئة التدريس، بسبب التدني المستمر في قيمة رواتبهم ومستحقاتهم المالية، وأعرب العديد من الأساتذة والباحثين عن إحباطهم الشديد من الفجوة الكبيرة بين دخولهم والالتزامات المعيشية المتزايدة، مؤكدين أن الوضع المالي أصبح لا يتناسب مع مكانتهم العلمية والجهد المبذول في إعداد الأجيال وإدارة العملية التعليمية والبحثية.
وتعود جذور الأزمة إلى ثبات هيكل المرتبات لسنوات طويلة دون تعديلات حقيقية تتماشى مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ويشير الأساتذة إلى أن راتب عضو هيئة التدريس، حتى بعد قضاء عقود في الخدمة والوصول إلى درجة «أستاذ»، يظل دون مستوى طموحاتهم، ولا يغطي الاحتياجات الأساسية لأسرهم، مما يضطر الكثير منهم إلى البحث عن مصادر دخل بديلة مثل التدريس في الجامعات الخاصة أو العمل الاستشاري الخارجي، الأمر الذي يؤثر على تفرغهم للبحث العلمي وتطوير المناهج.
ولا تتوقف مطالبات أعضاء هيئة التدريس عند زيادة الرواتب الأساسية فقط، بل تمتد لتشمل ضرورة إصلاح منظومة الرعاية الصحية، ورفع قيمة بدل الجودة، وزيادة مكافآت الإشراف على الرسائل العلمية والمناقشات التي تصفها النقابات المهنية والمجموعات الأكاديمية بأنها زهيدة للغاية. وحذر خبراء التعليم من استمرار هذا الوضع الذى يؤدي إلى هجرة العقول الأكاديمية المتميزة نحو الخارج أو إلى القطاع الخاص، مما يهدد جودة التعليم بالجامعات الحكومية ويتسبب في تراجع تصنيف الجامعات المحلية على المستوى الدولي.
من جانبها، تقدمت النائبة هايدي المغازي عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ووزير المالية، بشأن مدى اتساق هيكل الأجور والبدلات المطبق على أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة في الجامعات الحكومية مع مستهدفات الدولة في تطوير التعليم العالي والبحث العلمي. وأشارت إلى زيادة مخصصات التعليم والبحث العلمي في موازنة العام المالي 2025/ 2026 منها 358 مليار جنيه للتعليم الجامعي والعالي، و173 مليار جنيه للبحث العلمي، و684.7 مليار جنيه للتعليم قبل الجامعي .
عداد الكوادر
وأوضحت النائبة أن تحقيق العائد التنموي المرجو من هذه الاستثمارات الضخمة يظل مرتبطا بكفاءة العنصر البشري القائم على العملية التعليمية والبحثية، وفي مقدمتهم أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة، باعتبارهم الركيزة الأساسية لإنتاج المعرفة وإعداد الكوادر المؤهلة ودعم منظومة البحث العلمي.
وأشارت إلى أن الجداول المالية المنظمة لأوضاع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية لا تزال تستند في بعض مكوناتها إلى لوائح وتعديلات تاريخية مضى عليها عدة عقود، حيث يستمر العمل بجدول المرتبات والبدلات الوارد باللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الصادرة عام 2006، والمتضمن علاوات دورية بقيم مالية محدودة فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الاقتصادية الفعلية بمرور الوقت.
وأوضحت أن بعض العلاوات الدورية السنوية المقررة لأعضاء هيئة التدريس تتراوح بين 36 و75 جنيها سنويا وفقا للدرجة العلمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى توافق هذه المنظومة مع حجم المسؤوليات الأكاديمية والبحثية والتدريسية الملقاة على عاتق أعضاء هيئة التدريس، ومع توجهات الدولة الرامية إلى الارتقاء بجودة التعليم الجامعي وتعزيز تنافسية الجامعات المصرية.
وأكدت أن أهمية هذا الملف تتضاعف في ظل التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية والدولية، والسعي لتحسين التصنيفات الدولية للجامعات المصرية وزيادة مساهمة البحث العلمي في التنمية الاقتصادية، وهي أهداف ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الجامعات على جذب الكفاءات الأكاديمية والبحثية والحفاظ عليها، مطالبة بتوضيح أسباب استمرار العمل بجداول مالية تستند بعض مكوناتها إلى تعديلات تاريخية مضى عليها عقود، ومدى انعكاس ذلك على استبقاء الكفاءات الأكاديمية والبحثية وجودة العملية التعليمية، إلى جانب عرض خطط تطوير هيكل الأجور والبدلات بما يتناسب مع الدور الاستراتيجي لأعضاء هيئة التدريس وحجم الاستثمارات العامة الموجهة للتعليم الجامعي والبحث العلمي.
وطلبت تلك التحركات مراراً بإقرار كادر مالي خاص بأعضاء هيئة التدريس على غرار بعض الفئات المهنية الأخرى، وربط الأجور بمعدلات التضخم، وزيادة المخصصات الموجهة للبحث العلمي والمؤتمرات والنشر الدولي. وخلال الأشهر الأخيرة، أقر وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور عبد العزيز قنصوة، بوجود تحديات تتعلق بأوضاع أعضاء هيئة التدريس، مؤكداً أن الجامعات تواجه منافسة متزايدة على الكفاءات العلمية في ظل اتساع سوق التعليم العالي محلياً وإقليمياً.