في الوقت الذي تزعم فيه حكومة الانقلاب تحقيق أرقام قياسية في الصادرات الزراعية، وتؤكد أن القطاع الزراعي أصبح أحد أهم مصادر توفير النقد الأجنبي ودعم الاقتصاد الوطني، تظل مائدة المواطن المصري شاهدة على معاناة يومية مع ارتفاع أسعار الغذاء وتواجه الأسر المصرية ضغوطًا معيشية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية.
كانت حكومة الانقلاب قد زعمت أن حجم الصادرات الزراعية المصرية تجاوز 5.8 مليون طن خلال النصف الأول من العام الحالي، مشيرة إلى أن المنتجات الزراعية المصرية أصبحت تصل إلى أكثر من 160 دولة حول العالم.
يُشار إلى أن حكومة الانقلاب تعتمد على زيادة الصادرات باعتبارها أحد أهم الأدوات لتوفير النقد الأجنبي، وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات، في ظل الارتفاع المستمر في فاتورة الواردات لكن هذا التوجه يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الصادرات الزراعية تحقق هذا النمو الكبير، ولماذا لا ينعكس ذلك على أسعار الغذاء داخل السوق المحلية؟ ولماذا لم يستفد المزارع، من هذه الطفرة المزعومة؟
تكلفة الغذاء
في هذا السياق كشفت دراسة حديثة للبنك الدولي، أن أكثر من 60% من المصريين أصبحوا غير قادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي، نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القوة الشرائية.
وأوضحت الدراسة أن عدد غير القادرين على شراء غذاء صحي ارتفع من نحو 52 مليون شخص عام 2017 إلى ما يقرب من 66 مليونًا في عام 2024، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.
وأشارت إلى أن العاملين في القطاع الزراعي ما زالوا يحصلون على أجور أقل مقارنة بالعاملين في قطاعات اقتصادية أخرى، رغم القفزة التي شهدتها الصادرات الزراعية، حيث ارتفعت قيمتها من نحو 2.2 مليار دولار عام 2020 إلى نحو 11.5 مليار دولار عام 2025.
عجز الميزان التجاري
من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور إلهامي الميرغني، إن الزيادة الكبيرة في الصادرات الزراعية لا تعني انتهاء المشكلات الهيكلية التي يعاني منها القطاع الزراعي أو الاقتصاد بشكل عام، موضحًا أن المشكلة لها شقان رئيسيان.
وأوضح «الميرغني»، في تصريحات صحفية أن الشق الأول يتمثل في استمرار العجز الكبير في الميزان التجاري، حيث لا تزال مصر تعتمد بصورة واسعة على الخارج لتوفير جزء كبير من احتياجاتها الأساسية من الغذاء، بينما يرتبط الشق الثاني باتساع فجوة الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن مصر أصبحت أكبر مستورد للقمح في العالم، وخامس أكبر مستورد للذرة، فضلًا عن وجود فجوات في محاصيل أخرى مثل الأرز والمحاصيل السكرية، وهو ما يزيد من الطلب على النقد الأجنبي ويجعل السوق المحلية أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية.
وأضاف أن الطفرة في الصادرات الزراعية لم تنعكس بصورة مباشرة على انخفاض أسعار الغذاء داخل السوق المحلية، مرجعًا ذلك إلى استمرار الفجوة الغذائية من ناحية، وإلى اتجاه عدد من المنتجين إلى تفضيل التصدير باعتباره أكثر ربحية من البيع داخل السوق المحلية.
وأشار «الميرغني»، إلى أن هذا التوجه يؤدي إلى ارتفاع أسعار المحاصيل داخل السوق المحلية، لافتًا إلى أن المستهلكين شهدوا خلال الفترات الماضية ارتفاعات كبيرة في أسعار منتجات مثل الطماطم والليمون والبامية والبصل وغيرها من المحاصيل التي تحظى بطلب مرتفع في الأسواق الخارجية، وهو ما يجعلها تتجاوز القدرة الشرائية للمواطن متوسط الدخل.
وطالب بأن تكون الأولوية لتحقيق بـ«السيادة الغذائية»، وليس الاكتفاء بمفهوم الأمن الغذائي فقط، موضحًا أن الهدف الأساسي لأي سياسة زراعية يجب أن يكون توفير احتياجات المواطنين أولًا، ثم التوسع في التصدير بعد ضمان استقرار السوق المحلية، حتى لا تتحول الصادرات إلى عامل ضغط إضافي على الأسعار.
سياسة تسعير عادلة
وشدد «الميرغني» على أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء يُمثل أحد أهم أسباب زيادة معدلات الفقر، لأن الغذاء يعد البند الأكثر تأثيرًا في إنفاق الأسر المصرية، موضحًا أن أي زيادة في أسعار السلع الغذائية تؤدي بصورة مباشرة إلى تراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولفت إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة النظر في السياسات الزراعية، من خلال العودة إلى تطبيق الدورة الزراعية، وتحسين استخدام الأراضي الزراعية والموارد المائية، مع التركيز على إنتاج المحاصيل التي تحقق احتياجات السوق المحلية وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
ودعا «الميرغني» إلى وضع سياسة تسعير عادلة للمحاصيل الزراعية، تضمن تحقيق هامش ربح مناسب للمزارعين، حتى لا يضطروا إلى ترك زراعة بعض المحاصيل أو التحول إلى أنشطة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بأسعار البيع.
وأكد أن نجاح أي سياسة تصديرية لا يُقاس فقط بما تحققه من عائدات دولارية، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق استقرار السوق المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفع مستوى معيشة المواطنين، مشددًا على أن تحقيق الاكتفاء من السلع الأساسية يجب أن يظل هدفًا استراتيجيًا بالتوازي مع التوسع في التصدير، حتى تصبح الصادرات وسيلة لدعم الاقتصاد دون أن تتحول إلى عبء إضافي على المستهلك.
منظومة اقتصادية
في المقابل قال الدكتور إبراهيم حسيني درويش، أستاذ بكلية الزراعة جامعة المنوفية إن أسعار الغذاء لا تتحدد بحجم الصادرات فقط، وإنما تخضع لمنظومة اقتصادية متكاملة، موضحًا أن التضخم، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، وزيادة أسعار الأسمدة، والطاقة، والنقل، فضلًا عن تغيرات سعر الصرف، وارتفاع تكلفة التخزين، جميعها عوامل تضغط على الأسعار النهائية للسلع الغذائية.
وأكد «درويش» في تصريحات صحفية أن تعدد حلقات التداول بين المنتج والمستهلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أيضًا، حيث يمر المنتج الزراعي بعدة مراحل قبل وصوله إلى المستهلك، وهو ما يزيد من تكلفته، وفي الوقت نفسه لا يحصل المزارع على نصيب عادل من السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.
وأعرب عن رفضه الربط بين التوسع في التصدير وتهديد الأمن الغذائي، مؤكدًا أن التجارب الدولية تثبت إمكانية الجمع بين الأمرين إذا تمت إدارة المنظومة الزراعية بصورة سليمة، من خلال زيادة الإنتاج، ورفع إنتاجية الفدان، والحفاظ على الاحتياجات المحلية، وتكوين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية.
وأوضح «درويش» أن الأمن الغذائي لا يعني إيقاف التصدير، وإنما يعني ضمان توافر الغذاء بالكميات والأسعار المناسبة لجميع المواطنين، وهو ما يتطلب التوسع في الإنتاج وتحسين كفاءته، وليس تقليص الصادرات التي تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية.
التصنيع الزراعي
وأشار إلى أن انخفاض دخول المزارعين رغم زيادة الصادرات يرجع إلى أن الحصة الأكبر من القيمة النهائية للمنتج، تذهب إلى عمليات النقل، والتخزين، والتعبئة، والتغليف، والتسويق، والتصدير.
وقال «درويش» إن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، من أسمدة وتقاوٍ ومبيدات ووقود، يلتهم جزءًا كبيرًا من أرباح المزارعين، وهو ما يجعل الزيادة في الصادرات لا تنعكس تلقائيًا على دخولهم، مؤكدًا أن تحسين أوضاع المزارعين يتطلب إصلاحًا شاملًا لمنظومة التسويق الزراعي، وليس الاكتفاء بزيادة حجم الصادرات.
وطالب بالتركيز خلال المرحلة المقبلة على رفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية من خلال التوسع في التصنيع الزراعي، بدلًا من تصدير المنتجات الخام فقط، لما لذلك من أثر في زيادة العائد الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز تنافسية القطاع الزراعي.
ودعا «درويش» إلى تطوير سلاسل الإمداد، وتحسين منظومة النقل والتبريد، وتقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية، وإنشاء أسواق وبورصات منظمة للسلع الزراعية، بما يسهم في تقليل عدد الوسطاء، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأرباح بين المنتج والمستهلك.
وشدد على ضرورة تعزيز دور التعاونيات الزراعية، وتحسين دخول المزارعين من خلال عقود عادلة وأسعار مجزية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الزراعة الذكية والميكنة الحديثة، والتوسع في استخدام الأصناف عالية الإنتاجية، بما يسهم في زيادة الإنتاج وخفض تكلفة الوحدة المنتجة.